| 4-11 رئيس الهيئة الشرعية للجيش الإسلامي في العراق " وقــل اعمــلــوا " |
|
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم " وقــل اعمــلــوا " الحمد لله العلي الكبير, للمؤمنين ولي ظهير، وبالعباد خبير بصير، والصلاة والسلام على رسول الله البشير النذير، السراج المنير، وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ). فكما أن نعمة الصحة لا تُعرف الا بالمرض فكذلك نعمة الفراغ لا تعرف الا بالشغل، والشغل إما بالدنيا وإما بالآخرة وفضل الشغل بالآخرة على الشغل بالدنيا كفضل الآخرة على الدنيا { وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }العنكبوت64 فمن كان صحيحاً مكفياً وترك شكر هذه النعم فهو المغبون، وشكر المنعِم يكون باستخدام ما أنعم به من القلب واللسان والجوارح في طاعته ومرضاته. والعبد لابد وأن يتحرك بقلبه وجوارحه، جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ابي داود وأحمد عن الأسماء ( وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ ).صحيح-صحيح وضعيف سنن أبي داود 4950، فالعبد حارث بجوارحه همام بقلبه. "فالعبد سائر لا واقف فإما إلى فوق وإما إلى أسفل إما إلى أمام وإما إلى وراء وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار فمسرع ومبطىء ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف ألبتة وإنما يتخالفون فى جهة المسير وفي السرعة والبطء { إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) } المدثر، ولم يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين ألبتة فمن لم يتقدم إلى هذه الآعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة." مدارج السالكين 1/261 فإذا عُرف هذا فليجتهد كل من يسعى لمرضات الله أن يعبد الله ويتقرب اليه بما شرع الله على مراد الله ويتبع رسول الله بما شرع وعلى مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأول ما يبدأ به النية، فهي رأس العمل وروحه وأساس صلاحه أو فساده، وقد أكثر فيها الناس الكلام وأجادوا وأفادوا. أما ما يأتي تبعاً لها فهو العمل، فهو أما عبادة محضة فهذا أمره واضح، وإما وسيلة للعبادة، والوسائل لها أحكام الغايات والمقاصد، فما كان وسيلة مؤدية لطاعة فهو كذلك طاعة يؤجر صاحبها عليها ويثاب. والوسائل المؤدية للعبادات تُعرف بالاسباب والسبب لغة هو الحبل لأنه يُتوصل به للمراد فكذلك الأسباب يُتوصل بها للمقاصد. وقد تفاوت الناس في الأخذ بقانون السببية.. فمستقل ومستكثر، فبعضهم جعل الأسباب مستقلة بذاتها لا تأثير لله عليها ولا إرادة له فيها فصار يعبد السبب عياذاً بالله.. وهذا نقص في الدين. وبعضهم ترك هذا القانون الذي هو سنة إلهية؛ بدعوى التوكل..وأنه من درجة يقينه واعتماده على الله لا يبادر فيحرك ساكناً !!..وهذا نقص في العقل.. أوقعته هذه الدروشة في الإخلال بالقوانين العقلية والسنن الربانية ففي الترمذي بسند حسن عن أنس رضي الله عنه قال: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ قَالَ( اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ ). وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى }. وفي شعب الإيمان للبيهقي : وروي عن معاوية بن قرة، أن عمر بن الخطاب، أتى على قوم فقال: ما أنتم ؟ فقالوا: نحن المتوكلون، فقال: بل أنتم المتكلون، ألا أخبركم بالمتوكلين؟ رجل ألقى حبة في بطن الأرض، ثم توكل على ربه. وقوله " المتكلون " يعني على أموال الناس. إهـ فهؤلاء لم يعرفوا أن مباشرة الأسباب من التوكل، فالتوكل: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه هو النافع الضار المعطي المانع، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه، وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبة ، وهو مع هذا باذل جهده في فعل الأسباب النافعة. القول السديد شرح كتاب التوحيد للسعدي. وهو صدق تفويض الأمر إلى الله تعالى اعتمادا عليه وثقة به مع مباشرة ما شرع وأباح من الأسباب لتحصيل المنافع ودفع المضار. أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة. فالتوكل إذا أُفرد جمع بين التفويض والاعتماد القلبي وبين مباشرة الأسباب وإذا قُرن مع مباشرة الأسباب فيراد به التفويض والاعتماد القلبي شأنه في ذلك شأن الإيمان والإسلام والفقراء والمساكين والمعروف والمنكر وكثير من الأسماء الشرعية.. فالإيمان إذا أُفرد فالمراد به الدين كله وإذا قُرن مع الإسلام أو العمل فالمراد هو التصديق وعمل القلب. لقد جهل هؤلاء أن سيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم لم يُعذر من قاعدة التوكل وقانون السببية وبلغ الغاية في مباشرة الأسباب في دعوته وجهاده وهجرته وصحته ومرضه ورزقه وشأنه كله مع أن الله تعالى قال له:{ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ }(التحريم4)، وهو الموعود بالنصر والتمكين. إن هذا الفهم مثله أو قريب منه من تمنى على الله الأماني واتبع نفسه هواها وظن أن الله لن يخذله ما دام منتسباً للإسلام وإن الله لابد أن ينصره لأنه من أمة الخيرية. أن هذه قوانين وأسباب مرتبطة بنتائجها ومسبباتها لا محالة، لا يحابي الله فيها أحداً مهما كانت تقواه وعلمه إذا كان مقصراً في تحصيل تلك الأسباب.. في الوقت الذي صار فيه الكثير يعولون على سالف الأمجاد والأماني. لقد ظن الكثير أن بغداد لن تسقط بيد الأمريكان لأنها يجب أن لا تسقط ، في الوقت الذي لم يبدأ الأمريكان الهجوم إلا بعد إكمال جميع الإستحضارات وأسباب النصر!! لقد ظن الكثير ولا زالوا يرددون أن بغداد لن تسقط بيد الاحتلال الصفوي بعد سقوطها بيد الإحلال الصليبي، لا لشيء إلا لأنها يجب أن لا تسقط بأيديهم.. في الوقت الذي أعد الصفويون خططهم منذ عقود وأدرجوا خمسينيتهم في دستورهم وأعدوا الكوادر والأسلحة والأموال والتحالفات بانتظار ساعة الصفر!!..( لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ ) البخاري ومسلم. بمثل هذا الفهم تسلط على الأمة أعدائها حتى تسلط عليها الفاطميون الأدعياء الكذبة، بل إنهم حكموا مصر وبعض المغرب واستقرت أيديهم على دمشق وحدها أكثر من مائة سنة حتى كانت مدة ملكهم مائتين وثمانين سنة وكسرا جاهروا فيها بلعن الصحابة وكتبوا لعن الشيخين على أبواب المساجد. البداية والنهاية 11/302 ولم يزل ذلك كذلك حتى أزالت ذلك دولة الأتراك والأكراد نور الدين الشهيد وصلاح الدين بن أيوب بعد أن صدقوا الله وتوكلوا عليه وحده؛ فكفاهم حسيبهم وكافيهم، نسأل الله أن يعجل فكاك أسرى المسلمين وأراضي المسلمين. وأخذ الصليبيون لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله، وقتلوا في وسطه أكثر من ستين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرا. 12/191 ثم فتح صلاح الدين نفسه رحمه الله رحمة واسعة بيت المقدس واستنقذه من أيدي النصارى بعد أن استحوذوا عليه مدة ثنتين وتسعين سنة. 12/394 وتسلط القرامطة عليهم لعنة الله حتى على المسجد الحرام وفي يوم التروية، فانتهبوا أموال الحجيج واستباحوا قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحجاج خلقا كثيرا، وجلس أميرهم أبو طاهر لعنه الله على باب الكعبة، والرجال تصرع حوله، والسيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، الذي هو من أشرف الايام، وهو يقول: أنا الله وبالله، أنا أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا. فكان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئا. بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره وفعل ما فعل بالحجيج من الافاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيرا منهم في أماكنهم من الحرم، وفي المسجد الحرام. وهدم قبة زمزم وأمر بقلع باب الكعبة ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه، وأمر رجلا أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار. فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الاسود فجاءه رجل فضربه بمثقل في يده وقال: أين الطير الابابيل، أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الاسود وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردوه في سنة تسع وثلاثين وثلثمائة فإنا لله وإنا إليه راجعون. 11/182 ثم هجم التتار على دار الخلافة بغداد؛ وقتلوا فيها ثمانمائة ألف وقيل مليوناً وثمانمائة وقيل مليوني نفس حتى انتشرت الأمراض والأوبئة وفسد البر والهواء حتى بلغت الأمراض الشام وقتلوا الخليفة وأولاده وعائلة الخلافة وسبوا من شاؤوا من الذراري والحريم.. كان ذلك شرقا. وعادت الحملات الصليبية على الأندلس وما قاربها شمالاً وغرباً لتقضي على آخر الوجود الإسلامي في أوربا وتعمل في المسلمين قتلا وحرقا حتى كانوا يشوون من يأبى التنصر كما تُشوى الخراف فقتلوا خلقاً لا يحصيهم الا الله وتنصر اخرون بعد ما عاينوا وحشية محاكم التفتيش واساقفة الكنيسة، ونُفي نحو ثلاثة ملايين مسلم. لقد ترك المسلمون كثيراً من دينهم وتركوا العمل لهذا الدين حتى صاروا يبكون أمجادهم مثل النساء بل إنهم اليوم تركوا حتى البكاء.. لقد بكى أبو عبد الله - آخر ملوك غرناطة " حين رحلت به سفينة العار مودعة آخر وجود إسلامي في أوربا .. رحلت به على أنغام الأمواج الهائجة .. وكلمات أمه المسكينة تدوي في سمعه : " ابك مثل النساء ملكا لم تحفظه حفظ الرجال " !!. أوراق ذابلة من حضارتنا د. عبد الحليم عويس. لكن المسلمون وخاصة العرب لم يعوا الدرس ولم يلموا شعثهم ويداووا جراحهم حين هجمت عليهم أوربا الصليبية مرة أخرى في واحدة من أكبر الحملات الاستخرابية التي باتت تُعرف بالاستعمار ليقفوا هذه المرة مع هؤلاء الغزاة ضد أخوتهم في الدين معينين على إسقاط آخر خلافة إسلامية عثمانية ليجزوا الأتراك العثمانيين شر جزاء لأنهم حملوا الرايات الإسلامية ليتموا بها مسيرة الفتوحات التي بدأها العرب المسلمون!! لقد اقتطع الصليبيون فلسطين من جسد الأمة ليعطوه للأمة الغربية بعد أن بذل أجدادنا النفس والنفيس ليعيدوا القدس من أجدادهم. لقد مزق الصليبيون المسلمين أيما تمزيق في حملاتهم هذه خاصة في مصر وليبيا والجزائر ودول المغرب والسودان واستمرت هجماتهم الوحشية اليوم لتطول مسلمي البوسنة والقارة الإفريقية وأفغانستان والعراق.. هؤلاء تمكنوا بعد أن أعدوا العدة جيداً.. وتركنا نحن العمل للآخرة وعملنا للدنيا وتمنينا على الله الأماني لأننا خير أمة أخرجت للناس –وحق أننا خير أمة - فصار حالنا كحال أهل الكتاب الذين قالوا { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } المائدة 18 لقد صدق الله إذ قال في السورة التي بدأت وانتهت بذكر الجهاد { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }التوبة105 لقد أدرك أعدائنا هذه الحقيقة؛ أن للتاريخ سنن وقوانين من اتبعها وسار عليها وصل مبتغاه وآتت أُكلها، فكيف إذا كان هذا السير سيراً حثيثاً وكيف إذا كان ما يقابل هذا السيرالحثيث قعود منا بل وتناحر فيما بيننا؟! إن هذه السنن والقوانين هي سنن ربانية جعلها الله حامكةً على عباده برهم وفاجرهم لا تحابي منهم أحداً، بل أن الله تبارك وتعالى جعل من هذه السنن باب التوكل عليه، وجعله لعباده مسلمهم وكافرهم. روى الترمذي وأحمد واللفظ له عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال( إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ كَأَشَدِّ مَا كَانَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْعَثَهُمْ إِلَى النَّاسِ حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَسْتَثْنِي فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ وَيَتَحَصَّنَ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ..) الحديث. صححه الألباني صحيح وضعيف سنن الترمذي 3153 لما استثنى وقال ان شاء الله؛ جاؤوا من الغد ووجدوه على هيئته ومُكن لهم!! بل إن دعاء المسألة والإضطرار باب أوسع من دعاء العبادة من جهة أن من دعى الله مضطراً كفاه؛ مسلماً كان أو كافراً، فهذا أيضاً باب فتحه الله لخلقه. قال شيخ الإسلام: فمن دعاه موقنا أن يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه، وقد يكون مشركا وفاسقا، فإنه سبحانه هو القائل: { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ }، وهو القائل سبحانه: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا }، وهو القائل سبحانه { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }{ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ }. ولكن هؤلاء الذين يستجاب لهم لإقرارهم بربوبيته، وأنه يجيب دعاء المضطر، إذا لم يكونوا مخلصين له الدين، في عبادته، ولا مطيعين له ولرسوله، كان ما يعطيهم بدعائهم متاعا في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق. وقال تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا } { وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا }{ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا }. وقد دعا الخليل عليه الصلاة والسلام بالرزق لأهل الإيمان فقال: { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ }. قال الله تعالى: { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } فليس كل من متعه الله برزق ونصر، إما إجابة لدعائه، وإما بدون ذلك، يكون ممن يحبه الله ويواليه، بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وقد يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤلهم في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خلاق. وقد ذكروا أن بعض الكفار من النصارى حاصروا مدينة للمسلمين فنفد ماؤهم العذب، فطلبوا من المسلمين أن يزودوهم بماء عذب ليرجعوا عنهم، فاشتور- تشاور- ولاة أمر المسلمين، وقالوا: بل ندعهم حتى يضعفهم العطش فنأخذهم، فقام أولئك فاستسقوا ودعوا الله فسقاهم، فاضطرب بعض العامة، فقال الملك لبعض العارفين: أدرك الناس فأمر بنصب منبر له وقال: اللهم إنا نعلم أن هؤلاء من الذين تكفلت بأرزاقهم كما قلت في كتابك : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا }، وقد دعوك مضطرين، وأنت تجيب المضطر إذا دعاك، فأسقيتهم ؛ لما تكفلت به من رزقهم، ولما دعوك مضطرين لا لأنك تحبهم، ولا تحب دينهم، والآن فنريد أن ترينا آية يثبت بها الإيمان في قلوب عبادك المؤمنين. فأرسل الله عليهم ريحا فأهلكتهم، أو نحو هذا. إهـ - الإقتضاء 2/302 مع كل ما ذُكر فإننا أمة مرحومة كما جاء في الحديث ( أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ ). أبو داود وأحمد-السلسلة الصحيحة 959. وفي صحيح مسلم ( وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ). والأحاديث بهذا الباب كثيرة. ولولا أن الله أراد الخير والبقاء لهذه الامة لفنيت منذ قرون، فإن أمما وأديان وحضارات قد زالت بحملة واحدة من مثل الحملات التي شُنت علينا. وقد جاءنا من أخبار الغيب ما أخبرنا به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ما يعين الهمم ويشحذها ويكون لنا خير حاد في سيرنا. فإننا وُعدنا بالنصر والتمكين إذا نصرنا دين الله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } محمد7 { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } النور55 { وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } الصافات173 { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا }الفتح28. وروى البخاري عن معاوية مرفوعا ( وَلَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ). وعند مسلم عن جابر( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ). اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم انزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم استعملنا ولا تستبدلنا ، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر بنا، اللهم لا تُأمِّنا مكرك ولا تكلنا غيرك وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها، اللهم انصرنا على الأمريكان والصفويين إنك نِعم المولى ونعم النصير، اللهم شاف جرحانا وداوِ مرضانا وفك قيد أسرانا إنك على ذلك قدير وصلى اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. أحمد صالح الحسن رئيس الهيئة الشرعية المركزية في الجيش الإسلامي في العراق 16 /ذو القعدة /1430هـ 4/11/2009 م |
| < السابق | التالى > |
|---|






