البيانات
لا تعارض بين صريح المعقول وصحيح المنقولليس بالضرورة وجود دليل شرعي فرعي على كل مفردة من مفردات السياسة الشرعيةلا يلزم الأمير تولية الأفضل في الدين ،بل الأصلح للمنصبعدم التعرض لأموال الكفار غير المحاربينتوظيف جهود كافة المسلمين حتى ولو كانوا عصاة لنصرة القضية على أن لا يكونوا أئمةالانتصار للحق وإشاعة الخير ، مع قمع الشر وإزهاق الباطل ومحوهاختيار المسلمين من يمثلهم من المسلمين في المناصب الإدارية والخدمية المجردة لدى الحكومات غير الإسلامية التي ليس فيها تشريع مخالف لشرع الله لا يدخل في المفهوم الكفريإقامة ما يمكن إقامته من الدين على قدر الاستطاعة إذا لم نستطع إقامة الدين كلهالأصل عدم المثلة إلا معاملة بالمثل أو لمصلحة راجحة يقررها أهل العلم والبصيرةقيادة العمل من أهل الخبرة والمعرفة بأحوال البلدمنهجية الجيش الإسلامي
28-3 الشيخ المجاهد أمير الجيش الإسلامي في العراق (إلى الأخوّةِ والجَنّةِ يا عبادَ الله) طباعة ارسال لصديق
إلى الأخوّةِ والجَنّةِ


يا عبادَ الله




بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ! يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)، أما بعد:
فقد ابتُليت الأمة بصور شتى من العدوان الداخلي والخارجي، غير أن أعظم ما منيت به هو بدعة التفرق وفتنة التمزق، وفشو الغيبة والنميمة وفساد ذات البين، وانضاف إلى ذلك كله الجهل والظلم من أبناءها بعضهم للبعض الآخر، حتى أصبحت الأمة صيدا ثمينا لأعدائها من الخارج، وساحة خصبة للشقاق والنفاق، وميدانا واسعا يتبارى فيه سفهاء الأحلام حدثاء الأسنان، فعلا صوت دعاة الضلالة أبواق الشياطين، وبحت أصوات المصلحين، واحتار الحليم، وعجز دواء الحكيم عن تخفيف علة اللئيم، وعاش كثير من الناس على هامش الأحداث الكبرى إذ أشغلوا أنفسهم بالخلاف فيما بينهم، يظن كل سوداء تمرة وكل بيضاء شحمة، لا ينظر أكثرهم إلا إلى موضع قدميه، يحسب أنه يحسن صنعا كلما اشتد على أهل الإسلام!، ويعلو قدرا كلما انتقص من أبناء جلدته!، ويقرب من ربه كلما ابتعد عن إخوانه!. 
في المسند وسنن أبي داود عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الاِسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ]صحيح الجامع ( 2203)، وفيهما عَن أَبِى هُرَيْرَةَ قال جَاءَ الأَسْلَمِيُّ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ: [فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ]. قَالَ أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ. فَسَكَتَ عَنْهُمَا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: [أَيْنَ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ]. فَقَالاَ نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: [انْزِلاَ فَكُلاَ مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ]. فَقَالاَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا! قَالَ: [فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْقَمِسُ فِيهَا] ينقمس: ينغمس وزنا ومعنى. صحيح الترغيب والترهيب (2839).
قال الشيخ الأديب علي القرني (حروف تجر الحتوف: 36): إن آكل جيفة الحمار مع خبثها وحرمتها لم يؤذ مسلما، ولم ينتهك عرضا، ولم تنشغل ذمته بحقوق العباد التي سيُسأل عنها يوم القيامة، فهو خير ممن يأكل لحوم البشر، وفي كلٍّ شر، وكم من حروف تجر الحتوف.أهـ

فاهجر من الكلام ما قد أُفعما ******* بالزور والتضليل والبهتان


أهل الوقيعة هم خصومك دائما ******* لا يلتقي بمحبة خصمان

قال الإمام النووي (رياض الصالحين:364): اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء.أهـ 

احفظ لسانك أيها الإنسان ******* لا يلدغنك إنه ثعبان

قال الإمام ابن القيم (الجواب الكافي: 111): وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة فعليه أن يحفظ ألفاظه بل لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر: هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر: هل يفوت بها كلمة هي أربح منها؟ فلا يضيعها بهذه، وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى. قال يحيى بن معاذ: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها، فانظر إلى الرجل حين يتكلم، فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه، حلو وحامض وعذب وأجاج وغير ذلك ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه. أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقة ذلك، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك.
ومن العجب: أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام، والظلم، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك ويصعب عليه التحرز من حركة لسانه حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين، والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالاً ينزل بالكلمة الواحدة منها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي... وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم من حديث جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ: [أَنَّ رَجُلاً قَالَ وَاللَّهِ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَىَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ]، فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء الله أن يعبده أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله.أهـ
وفي أتون وضع خطير ووسط واقع مرير تواجه فيه الأمة ريحا عاتية وأمواجا متلاطمة وقطعا من الليل مظلما، أحوج ما تكون فيه ليد رحيمة يقودها قلب رفيق، تداوي الأدواء وتعالج اللأواء فتكون للجراح بلسما وللطريق سراجا منيرا.
والأمة في حالها ذاته أحوج ما تكون ليد قوية يقودها قلب ثابت تحمي البيوت، إذ وصل الأعداء إلى أحلاسّها، وترد عادية المعتدين عن ثغور الأمة إذ أصبحت خاوية على عروشها، لتحافظ على دين الأمة وتراثها وحضارتها إذ تتعرض لاجتثاث من جذورها على يد الغربيين والشرقيين وأذنابهم وذنوبهم الداخليين، أصحاب الولاء الظاهر أو الخفي للغرب أو للشرق بعيدا عن رعاية مصالح الأمة الدينية والدنيوية والأخروية.
فلزاما على من شهد الشهادة وحتما على من يسعى للشهادة، أن يكون للمؤمنين أخا وللمسلمين ناصحا وعلى الحق أميناً ولأولياء الله سلما وعلى أعدائه حربا، حاميا لحمى دين الأمة وعرضها وأرضها إذ تغولت الغيلان عليها، بل الفرض أن يعدّ العدة بكل ما يستطيع وباللسان والسنان قبل بداية العدوان، قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال:60)
وأن يكون للفتنة مطفئاً ولقائل الشر مسكتاً، ولمريد السوء بالأمة سيفاً باتراً يوقف أصحاب الباطل بل يردهم إلى جحورهم خائبين، ويزهق الباطل بنشر الحق المبين ولزوم صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وليتذكر كل واحد منا فلا ينسى أو يتناسى قول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(الحجرات:10)، فيعمل بالتوجيه النبوي الذي لا تجوز الحيدة عنه أو التنكر له، في صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ].
وإن أكثر من يتحمل الحمالة وأقصده بهذه المقالة؛ قادة الأمة، أعني: العلماء والأمراء وعلى رأسهم أئمة الهدى من المشايخ والفضلاء، ومنارات طريق النجاة من قادة الفصائل الإسلامية وعلى رأسها الجهادية، ليس شكا في عزمهم ولا اتهاما لفهمهم، ولكنه حق الأخ والصديق وقول المحب الرفيق وذكرى فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
إن الجماعة المسلمة حقا –بغض النظر عن اسمها- هي أول من ينكر الظلم ويحاربه قبل أن يضرب أطنابه ويتطاول في بلاواه، ويتشعث في مضامينه السوداء وتتشعب آثاره الكالحة الثقيلة، وإن قادة الجماعة المسلمة -هذه أو تلك- يجب أن يكونوا أئمة هدى وصناع حياة كريمة ورواد منهج قويم،
وإن من أشنع الأمور موردا، وأقبحها موئلا، وأسوئها عاقبة؛ أن يتحمل أئمة الجماعات رزية إمامة الظلم فيكشفوا عن سوءاتهم أو سوءات إخوانهم دونما ورع يمنعهم، أو خوف من موقف بين يدي رب العالمين يردعهم، ومعلوم أن صور الظلم كثيرة وهي ظلمات يوم القيامة، وأن قليل الظلم حرام مثل كثيره، وأن التهاون في صغيره ينتهي بالعبد إلى الرضا بكبيره وكثيره.
إن أسوأ الظلم أن يظلم المسلم أخاه متسربلاً بسربال الكتاب والسنة متوشحا بسيف الحق حاملا فقه السلف -زعم-، يهتك سترا وجب عليه أن يحفظه وينتهك عرضا لإخوانه، الحتمُ عليه أن يحرسه، ليفرح الكافرون ويحزن المؤمنون، والله المستعان على ما يصفون، فيستعين بكل مزرية مردية متردية ونطيحة آتيا بكل شاذّة وفاذّة لإثبات زكاء النفس وصفائها وتقواها وسوء الآخرين وفساد نواياهم وقلّة حيائهم وضعف تقواهم.
ولما كانت ساحتنا من أكثر الساحات اختلافا؛ أردت أن أذكّر بالقواعد الهامة في الأدب الواجب على أهل الإسلام عند الاختلاف عملاً بقوله سبحانه وتعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، وقوله سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)، وقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا). قال الإمام الطحاوي في عقيدته (شرح الطحاوية: 544): ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة.أهـ
وقد ألف كثير من العلماء في موضوع الاختلاف وأقسامه وأسبابه وأحكامه وآدابه وآثاره، من أجملها ترشيد الاختلاف لواجب الائتلاف للشيخ عبدالعزيز البغدادي، أوصي الأخوة كافة بقراءته فإنه جامع مانع ماتع.
وكان من دواعي إيضاح الحق وإقامة الحجة أن أُكثر النقل عن أئمة الأمة وسادتها، وأحيانا يكون في ذلك شيئ من التكرار والإطناب، حرصت في أكثر المواضع أن أنسب القول إلى قائله ومصدره، وأكثر اعتمادي في هذا على الموسوعة الإلكترونية الشاملة فقد حوت من المصادر والكتب ما يغني، وهي غنيمة عظيمة هنيئة، شكر الله صاحب فكرتها والمعينين عليها والقائمين على تنفيذها ورعايتها وأجزل لهم أحسن المثوبة في الدنيا والآخرة.
وأحيانا أقتبس من المصدر والكتاب وأذكّر بالرجوع إليه آخر الفصل أو الباب، ليرجع إليه من يريد الاستزادة. 
وقد جعلت هذا البحث على عشرة أبواب:
الباب الأول: إطلالة على الخلاف والاختلاف.
الباب الثاني: وجوب النصرة والنصيحة وحرمة التخذيل والفضيحة. 
الباب الثالث: أسباب الخلاف وأقسامه وأحكامه وآثاره.
الباب الرابع: القسطاس المستقيم والميزان القويم.
الباب الخامس: الاجتهاد ومتعلقاته.
الباب السادس: المنهج الأثبت في التبيّن والتثبت. 
الباب السابع: أصول هامة وقواعد عامة.
الباب الثامن: الأسباب والآداب الهادية إلى الحق في مسائل الخلاف.
الباب التاسع: ما بعد الخلاف.
الباب العاشر: تمام العلم استعماله وتمام العمل استقلاله. 
وبعد: فهذه مساهمة من مشفق وجهد من مقل وتذكرة من ناصح عسى الله أن ينفع بها كاتبها وقارءها وسامعها من عباد الله المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، آملا أن تلقى كلماتي عند الحق قبولا فيباركها، وإلى القلوب طريقا فتؤلفها، وأن تضيف خيراً في مكتبة الأمة وتدفع شرا عن جسدها، وتكون لبنة في بناء حاضرها ومستقبلها.
وإنما أستمد من الله تعالى حسن معونته، وأستودعه حفاظ موهبته، بحوله ومشيئته، وهو حسبي من معين وحفيظ، 

فهب لي إلهي منك حولاً وقوةً ******* فإني ضعيفٌ دون حولٍ وقوةٍ


وهو وحده سبحانه الهادي إلى سواء السبيل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الباب الأول:
إطلالة على الخلاف والاختلاف


فصل: معنى الخلاف والاختلاف:
الخلاف نقيض الاتفاق، في تاج العروس (مادة خلف): وتَخَالَفَ الأمْرانِ:لم يَتَّفِقَا وكَلُّ ما لم يَتَسَاوَ فقد تَخَالَفَ واخْتَلَفَ، وخَالَفَهُ إِلى الشَّيْءِ: عَصَاهُ إِليه أَو قَصَدَهُ بعدَ ما نَهَاهُ عنه وهو منْ ذلكَ ومنه قَوْلُه تعالَى: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ)،أهـ وفي لسان العرب: اختلف الأمران لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد اختلف، والخلاف: المضادة.أهـ
وقد فرق بعض العلماء بينهما واختلفوا في بعض مدلولاتهما ومنهم من جعلهما شيئا واحدا.
قال الشيخ عبدالله بن بية (أدب الاختلاف-بتصرف): الاختلاف هو التباين في الرأي والمغايرة في الطرح وقد ورد فعل الاختلاف كثيراً في القرآن الكريم، قال تعالى: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ)، وقال تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، وقال تعالى:(وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ).
والخلاف: مصدر من خالف إذا عارضه، قال تعالى: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ)، وقال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه)،وجاء بصيغة المصدر قال تعالى: (لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً)، وقال تعالى: (وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ).
والاختلاف فيه شيء من التكامل والتناغم كما في قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا)، وأما الخلاف فإنه لا يوحي بذلك، وينصب الاختلاف غالباً على الرأي؛ اختلف فلان مع فلان في كذا، والخلاف ينصب على الشخص.
ثم إن الاختلاف لا يدل على القطيعة بل قد يدل على بداية الحوار، في حين قد يدل الخلاف على القطيعة، 
في سنن أبي داود، أن ابن مسعود اختلف مع أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنهما في مسألة إتمام الصلاة في سفر الحج ولكنه لم يخالف بل أتم معه وقال: الخلاف شر. –صحيح سنن أبي داود (1960)-
وفي المسند وابن ماجة عن الْعِرْبَاضِ بْن سَارِيَةَ يَقُولُ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقَالَ: [قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِى إِلاَّ هَالِكٌ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ] -السلسلة الصحيحة (937)-، 
وبعض العلماء يعكسون معناهما، وأكثرهم يستعملهما لنفس المعنى باعتبارهما من المترادف.أهـ 
والأخير –أنهما بمعنى واحد- هو الذي اعتمدته في بحوثي جميعا لخفاء الفرق عند أكثر الناس، والله أعلم وأحكم.

فصل: إكثار الخصومة إكثار من الكذب والتنقل: 
إن الخوض في مسائل الشرع بالجهل ومن دون التزام الآداب الشرعية يؤدي إلى العدوان على خلق الله والقول في دين الله بالباطل، ويحصل هذا إذا فُقد العلماء واتخذ الناس رؤوسا جهالا، أطلق عنانا وأقلق جنانا، فضلوا وأضلوا، إذ ليس لمعارّ الجهل غاية، ولا لمضار الحمق نهاية، في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا]،
وهذا الحال هو الذي أبكى الإمام ربيعة الرأي وغيره قديماً، قال الإمام مالك (جامع بيان العلم وفضله ص578): أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن فوجده يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ -وارتاع لبكائه-، فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استُفتيَ من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. وقال ربيعة: ولَبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق.أهـ
وغالبا ما يحمل الجهالَ جهلُهم على الخصومة والشقاق، ومن كانت بضاعته المخاصمة كثرت أخطاؤه وكثر كذبه وعمّ عدوانه، 
في المسند وأبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ]. السلسلة الصحيحة (437). 
وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ]. والألد: شديد الخصومة، والخصم: كثير الخصومة أو شديد الخصومة، وقيل هو الذي يخاصم بالباطل، ولذا نجد من يسلك هذا المسلك كاذبا في قوله فاجرا في فعله.
قال بعض السلف: من أكثر الخصومات كثر كذبه. 
روى عبد الله ابن الإمام أحمد (السنة: 1/137): عن عمرو بن قيس قال: قلت للحكم بن عتبة: ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات.أهـ
وروى (السنة:1/137): عن أبي قلابة وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجالسوا أصحاب الأهواء أو قال أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.أهـ
روى الإمام الآجري (الشريعة: 1/128): عن معن بن عيسى قال: انصرف مالك بن أنس يوما من المسجد، وهو متكئ على يدي فلحقه رجل يقال له : أبو الجويرية كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني شيئا أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأيي قال: فإن غلبتني؟ قال: إن غلبتك اتبعتني قال: فإن جاء رجل آخر، فكلمنا فغلبنا؟ قال: نتبعه قال مالك رحمه الله: يا عبد الله، بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم بدين واحد، وأراك تنتقل من دين إلى دين، قال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.أهـ
وروى (الشريعة: 1/129): عن هشام بن حسان قال: جاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه.أهـ
قال العلامة الشوكاني (فيض القدير: 3/573): إن من الناس من فرّط فسد باب المسائل حتى قل فهمه وعلمه، ومنهم من أفرط فتوسع حتى أكثر الخصومة والجدل، بقصد المغالبة وصرف وجوه الناس إليه، حتى تفرقت القلوب وانشحنت بالبغضاء، ومنهم من اقتصد فبحث عن معاني الكتاب والسنة والحلال والحرام والرقائق ونحوها مما فيه صفاء القلوب والإخلاص لعلام الغيوب، وهذا القسم محبوب مطلوب، والأولان مذمومان، وبذلك عرف أن ما فعله العلماء من التأصيل والتفريع والتمهيد والتقرير في التأليفات مطلوب مندوب، بل ربما كان واجبا شكر الله سعيهم.أهـ
قال ابن قتيبة الدينوري (الاختلاف في اللفظ: 10): كان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح، وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع، فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع وفيما قد انقرض، وصار الغرض فيه إخراج لطيفة، وغوصاً على غريبة، ورداً على متقدم،
وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى، فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق، قادهم الهوى بزمام الردى.أهـ
فصل: الجدال ليس مقصودا بذاته، ولا جدال إلا بالتي هي أحسن:
الجدال ليس مقصودا بذاته بل رغب الشارع بتركه حتى لمن كان الحق معه إلا إذا ترجحت المصلحة المتحصلة من هذا الجدل وكان بالحسنى، 
في سنن أبي داود عَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ]، صحيح الجامع (1464).
ذاك لأن ثمرة الجدال خبيثة في الغالب، وأكثر ما يؤدي إلى الجدال والمماراة القصد لإفحام المقابل وإحراجه وإظهار علو النفس وزكائها الخادع، وحينها يقع الإنسان في الحرج والإثم، وإن القمار بالألسنة أفسد للعقل والدين من القمار بالأيدي.
في المسند والترمذي وابن ماجة عَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ]. ثُمَّ تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَةَ (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ). قَالَ الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5633).
قال الإمام الشاطبي (الموافقات: 1/60): كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا.أهـ
والمنهج القرآني هو إقامة الحجة وبيان المحجة بالأدلة الصحيحة وترك المماراة والجدال، ومن فصّل الجواب فقد أصاب، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل:125)،
وكلام أهل الإسلام والسنة مع الكفار وأهل البدع بالعلم والعدل، لا بالظن وما تهوى الأنفس، والجدل مع الكفار يجب أن يكون بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم فالجلاد معهم وليس الجدال، قال تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت:46)
قال الإمام أبو يوسف (مجموع الفتاوى: 16/475): الخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة، لو كانت فضلا لسبق إليها أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأتباعهم، فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر، وقال اللّه تعالى: (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ) ولم يأمره بالجدال، ولو شاء لأنزل حججًا وقال له: قل كذا وكذا.أهـ
وإنما قصد الإمام أبو يوسف الخصومة اتباعا لأهل البدع لا اتباعا للسنن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد خاصم الكافرين لكنه جعل لذلك ضوابط من أهمها الإخلاص وعدم الانتصار للنفس، لإثبات الحق وإزهاق الباطل وليس لإضاعة الوقت في سفسطة لا طائل تحتها، وقد ذكر ربنا سبحانه جانبا واسعا من مجادلة نبينا عليه الصلاة والسلام للكافرين بقصد البيان وتبليغ الشرع، وعلمه ربه كيف يقيم عليهم الحجة ويزيل عنهم الشبهة، وهذا كثير في كتاب الله تعالى، مثل قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)(فصلت:52)، وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الملك:28)، وقوله: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) (الزخرف:81)، وفي الحوار الذي ذكره ربنا في سورة المؤمنون وفي سورة الروم وغيرهما بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين الكافرين إذ يعلمه ربه تعالى فيقول له قل كذا سيقولون كذا فقل كذا، (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) الآيات، 
في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ: [اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ أَنْتَ إِلَهِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ]. وهذا نوع من أدعية الاستفتاح في الصلاة، ذكر فيه النبي عليه الصلاة والسلام الأسس التي ذكرناها آنفا، أنه خاصم لله وبالله وذكر الحق الذي خاصم عليه، ولكن حين يترجح عدم نجاعة مجادلة الكافرين وأنهم لا يريدون الجدال إلا لأجل الجدال، فإنه يقول: أسلمت وجهي لله ومن اتبعني، وكل ذلك كان بالحجج والبراهين والأدب والخلق العظيم، فلا يمنعنك حذر المراء من حسن المناظرة، فالعلم يقتضي ما بقي منه ويستدعي ما تأخر عنه، وليس للراغب فيه قناعة ببعضه، والمماري هو الذي لا يريد أن يتعلم منه أحد ولا يرجو أن يتعلم من أحد. 
قال ابن سيده (العقد الفريد: 1/199): دخل رجل على عبد الملك بن مروان، وكان لا يسأله عن شيء إلا وجد عنده منه علما، فقال له: أنى لك هذا؟ فقال:لم أمنع قط يا أمير المؤمنين علما أفيده، ولم أحتقر علما أستفيده، وكنت إذا لقيت الرجل أخذت منه وأعطيته.أهـ
ويجب على المسلم اتباع منهج القول الأحسن وعدم الجدال إلا بالتي هي أحسن واجتناب المماراة والجدال العقيمين، قال سبحانه: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً)،ولا يجعل الهدف من محاورته مع أخيه الجدال والمماراة، بل يجب أن يكون المقصد معرفة الحق ونصيحة الخلق، لأن الجدال ممقوت والمماراة مذمومة، وصورتهما أن يكون الانتصار لرأيك، وقطع خصمك وإثبات جهله أو عجزه، وإثبات أنك الأعلم أو الأقدر على إثبات الحجة، وفي بعض الأحيان يحسن أن يقول المسلم لمن يحاوره -ليستجلب ودّه ويسترعي سمعه كي يسمع الحق-: نحن أو أنتم أحدنا مخطئ والآخر مصيب، فتعالوا حتى نبحث، ونرى أين الحق فنتبعه، بلا عبارات جارحة وأساليب منفرة، وذاك أدب قرآني، قال تعالى: (وَإنَّآ أوْ إيَّاكُم لَعَلَى هَدًى أو فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أجْرَمنَا وَلاَ نُسأَلُ عَمَّا تَعمَلُونَ) (سبأ: 24-25)،والعجب من عدم التزام كثير من المسلمين المنهج الحق في حوارهم مع إخوانهم ومع أعدائهم مع حفظهم الآيات وبلوغهم البينات، مثل قوله تعالى: (وَلاَ تُجَادِلُوا أهلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحسَن)، وقوله: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَن).
فالمحاجة لا تنفع إلا مع العدل، ومتى ظَلمَ المخاطَبُ؛ لم نكن مأمورين أن نجيبه بالتي هي أحسن.
وقد ألّف العلماء كثيراً من الكتب في آداب البحث والمناظرة، ووضعوا لذلك من الضوابط العلمية والعملية والخُلقية ما يسدّ الباب أمام أي محاولة للشطط والبعد عن طلب الحق، والإساءة إلى أخوة الإيمان، ومن هذه الكتب آداب الراوي والسامع للخطيب البغدادي، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، وحلية طالب العلم لبكر بن عبدالله وشرحها للعثيمين. 


فصل: خيار من يائس أم تسليم من بائس؟ 
المتأمل في أحوالنا الراهنة يصيبه الذهول من تعجل الناس في التفرق مدفوعين بريح التنازع التي تعصف بالمسلمين في ساحة محدودة ملتهبة، ليقطعوا أوصال أمتهم المرحومة، وينكئوا جراحات جسدها المكلوم.
إننا ننتظر من المسلمين التنوع والتكامل والانفتاح من بعضهم على البعض الآخر، فنجد التنوع لكن بالغيبة والبهتان وأقوال وأفعال العدوان! والانفتاح لكن تجاه الأعداء، وبالبدع والأهواء!! فإذا جاء ذكر الأخ ورفيق الدرب والشريك في العمل والمصير؛ اكفهرّت الوجوه وتقطبت الحواجب، وما يحزن القلب ويُدمع العين أكثر وقوع هذه البلاوى بين مختلفين ذوي أصول فكرية متقاربة وربما ينتمون إلى مدرسة واحدة. 

ولربما اعتضد الضعيف بمثله ******* لا خير في يمنى بغير يسار

ومن الناس من رجع إلى عقيدة الجبر فأعادها جذعة، وربما حمل قول الله على غير مراده، فخلط المراد قدرا بالمحبوب شرعا، فلم يميز بينهما في نظره إلى قوله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (الأنعام:65)، والواجب الرجوع إلى فهم العلماء من السلف والخلف لكتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
قال العلامة السعدي في تفسير الآية: أي هو تعالى؛ قادر على إرسال العذاب عليكم من كل جهة، (مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ) أي: يخلطكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض، أي: في الفتنة، وقتل بعضكم بعضا، فهو قادر على ذلك كله، فاحذروا من الإقامة على معاصيه، فيصيبكم من العذاب، ما يتلفكم ويمحقكم، ومع هذا فقد أخبر أنه قادر على ذلك، ولكن من رحمته، أن رفع عن هذه الأمة العذاب من فوقهم بالرجم والحصب ونحوه، ومن تحت أرجلهم؛ بالخسف، ولكن عاقب من عاقب منهم، بأن أذاق بعضهم بأس بعض، وسلط بعضهم على بعض، هذه العقوبات المذكورة عقوبة عاجلة يراها المعتبرون ويشعر بها العاملون، (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ)، أي: ننوعها ونأتي بها على أوجه كثيرة وكلها دالة على الحق، (لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) أي: يفهمون ما خلقوا من أجله، ويفقهون الحقائق الشرعية والمطالب الإلهية.أهـ 
قال سيد قطب (في ظلال القرآن: 3/73): وتصور العذاب الغامر من فوق، أو النابع من تحت، أشد وقعاً في النفس من تصوره آتياً عن يمين أو شمال. فالوهم قد يخيل للإنسان أنه قد يقدر على دفع العذاب من يمين أو شمال! أما العذاب الذي يصب عليه من فوق، أو يأخذه من تحت، فهو عذاب غامر قاهر مزلزل، لا مقاومة له ولا ثبات معه! والتعبير الموحي يتضمن هذا المؤثر القوي في حس الإنسان ووهمه، وهو يقرر حقيقة قدرة الله على أخذ العباد بالعذاب من حيث شاء وكيف شاء.
ويضيف إلى ألوان العذاب الداخلة في قدرة الله؛ والتي قد يأخذ العباد بها متى شاء؛ لوناً آخر بطيئاً طويلاً؛ لا ينهي أمرهم كله في لحظة؛ ولكنه يصاحبهم ويساكنهم ويعايشهم بالليل والنهار: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَبَعْضٍ)، وهي صورة من العذاب المقيم الطويل المديد؛ الذي يذوقونه بأيديهم، ويجرعونه لأنفسهم؛ إذ يجعلهم شيعاً وأحزاباً، متداخلة لا يتميز بعضها عن بعض، ولا يفاصل بعضها بعضاً، فهي أبداً في جدال وصراع، وفي خصومة ونزاع، وفي بلاء يصبه هذا الفريق على ذاك.
ولقد عرفت البشرية في فترات كثيرة من تاريخها ذلك اللون من العذاب، كلما انحرفت عن منهج الله؛ وتركت لأهواء البشر ونزواتهم وشهواتهم وجهالتهم وضعفهم وقصورهم، تصريف الحياة وفق تلك الأهواء والنزوات والشهوات والجهالة والضعف والقصور، وكلما تخبط الناس وهم يضعون أنظمة للحياة وأوضاعاً وشرائع وقوانين وقيماً وموازين من عند أنفسهم؛ يتعبد بها الناس بعضهم بعضاً؛ ويريد بعضهم أن يخضع لأنظمته وأوضاعه وشرائعه وقوانينه البعض الآخر، والبعض الآخر يأبى ويعارض، وأولئك يبطشون بمن يأبى ويعارض، وتتصارع رغباتهم وشهواتهم وأطماعهم وتصوراتهم، فيذيق بعضهم بأس بعض، ويحقد بعضهم على بعض، وينكر بعضهم بعضاً، لأنهم لا يفيئون جميعاً إلى ميزان واحد؛ يضعه لهم المعبود الذي يعنو له كل العبيد، حيث لا يجد أحدهم في نفسه استكباراً عن الخضوع له، ولا يحس في نفسه صغاراً حين يخضع له.
إن الفتنة الكبرى في الأرض هي أن يقوم من بين العباد من يدعي حق الألوهية عليهم، ثم يزاول هذا الحق فعلاً! إنها الفتنة التي تجعل الناس شيعاً ملتبسة؛ لأنهم من ناحية المظهر يبدون أمة واحدة أو مجتمعاً واحداً، ولكن من ناحية الحقيقة يكون بعضهم عبيداً لبعض؛ ويكون بعضهم في يده السلطة التي يبطش بها -لأنها غير مقيدة بشريعة من الله- ويكون بعضهم في نفسه الحقد والتربص، ويذيق الذين يتربصون والذين يبطشون بعضهم بأس بعض! وهم شيع؛ ولكنها ليست متميزة ولا منفصلة ولا مفاصِلة! والأرض كلها تعيش اليوم في هذا العذاب البطيء المديد!.أهـ
في البخاري عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قالَ: لَمَّا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قَالَ: [أَعُوذُ بِوَجْهِكَ]، (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قَالَ: [أَعُوذُ بِوَجْهِكَ]، فَلَمَّا نَزَلَتْ (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) قَالَ: [هَاتَانِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ]، 
وفي مسلم عن سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَقْبَلَ مِنَ الْعَالِيَةِ، حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِى مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلاً ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: [سَأَلْتُ رَبِّى ثَلاَثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّى أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا].
قال فضيلة الشيخ ناصر العمر (الاختلاف وآثاره: 7): الاختلاف سنة كونية وقدر واقع لا محالة بمشيئة الله الكونية، قال الله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
والقدر الكوني إن كان شراً فيجب أن يسعى الإنسان للخروج منه وعدم الوقوع فيه، كالكفر فهو قدر كوني حكم الله بوجوده كوناً، ومع ذلك واجب على كل إنسان أن يجتنبه وكذلك المعاصي، وكل ذلك مقدر شاء الله وقوعه كوناً بناءا على علمه باختيار الإنسان، فالله عز وجل وهب خلقه مشيئة واختياراً خاضعة لمشيئته مع علمه باختيارهم وكتابته له وتقدير كونه منهم.
فالخلاف قد يكون قدراً كونياً فيه شر ولا يخلو من خير –فليس في خلق الله، شر محض- فلا يستسلم له العبد بل يقاومه بالقدر، فإن لم يزله خفف من آثاره وخرج بأقل أضراره.أهـ

فصل: اختلافات سائغة أم مخلّفات الأهواء ومخالفات جامحة؟ 
لقد وقع المحذور؛ من التفرق والتنازع والتناحر، وعدم الرد إلى الكتاب والسنة، واستحلال لحوم العلماء وخيار الأمة والمجاهدين، ومن هذا الباب دخلت شياطين الجن والإنس، حتى انتشر وباء التشظي ومرض الانشطار، وتبعه سيل التهم والتقاذف بالباطل، وظهر التفسيق والتكفير بل الغدر غيلة والاستهداف بالقتل اتباعا للهوى محملا بالبغي، بعيدا عن سبيل المرسلين وطريق المؤمنين، ووصل الحال إلى استحلال الدماء والأموال والأعراض المعصومة بالنصوص المحكمة الثابتة في كتاب رب العالمين وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، -وفي أكثر الأحيان- بسبب شبهة لا دليل عليها وربما بسبب كذبة بيّنة ودعايات مغرضة، الحال والمقال والواقع يكذبها. 
وقد قالوا: المصائب تجمع الفرقاء، أما اليوم فكأن المصائب تزيد من فرقة الفرقاء، وبخاصة في ساحات الوغى وميادين الجهاد وبلاد الرباط، فالحكمة في خزانة قد ضاع مفتاحها، والعقل معتقل لا يسمح له بالمشاركة، واللغة للتهديد والوعيد والرصاص فحسب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا من ثمار الخلاف القبيحة، قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46)
قال ابن تيمية (منهاج السنة: 4/117): وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمّه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك ولا يطلبه ولا يرضى لرضا الله ورسوله ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون مع ذلك معه شبهة دين، أن الذي يرضى له ويغضب له أنه السنة وهو الحق وهو الدين، فإذا قُدّر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا بل قصد الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء ليعظّم هو ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعا أو لغرض من الدنيا لم يكن لله ولم يكن مجاهدا في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو كنظيره معه حق وباطل وسنة وبدعة ومع خصمه حق وباطل وسنة وبدعة، وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا وكفّر بعضهم بعضا وفسّق بعضهم بعضا، ولهذا قال تعالى فيهم (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).أهـ 
وقال الحافظ ابن رجب (جامع العلوم والحكم: 1/330 في شرح الحديث الخامس والثلاثين): ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظهر أنه يبغض لله، وقد يكون في نفس الأمر معذوراً، وقد لا يكون معذوراً بل يكون متبعاً لهواه، مقصراً في البحث عن معرفة ما يبغض عليه، فإن كثيراً من البغض كذلك؛ إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعا، وإن أريد أنه لا يقول إلا الحق فيما خولف فيه، فهذا الظن قد يخطئ ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل إليه مجرد الهوى أو الإلف أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه خشية أن يقع فيما نهي عنه من البغض المحرم.أهـ

يارب أدركنا فقد بلغ الزُّبى ******* من الكرب سيلُ الفاجعاتِ المُغرقُ


من يتحمل مسئولية التفرق؟
قال الشيخ عبد العزيز البغدادي (نظرات: 1-2، بتصرف): إذا كان الأمر كذلك، فما هو الجواب بين يدي الله الجبار يوم القيامة إن نحن فرقنا الأمة انطلاقا من هذه المنطلقات الواهية؟ وهل سننجو من العذاب العظيم الوارد في قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، أم نتوقع العفو الإلهي، والله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، وهل سننجو من وعيد [وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ] رواه مسلم؟
وهل ستغفر لنا الأجيال عندما ترث واقعا ممزقا أسسه أسلافهم ولا يستطيعون تغييره فقد هرم عليه الكبير وشب عليه الصغير؟ إلى متى سنبقى نتشظى بتوجيه الآراء والأهواء والفهم الضيق لحقيقة الخلاف السائغ، الذي يمكن معه تنوع الاجتهادات مع بقاء الأخوة والألفة؟
إن بلاءنا الحقيقي هو بفقد حقائق العلم والوعظ مع بقاء مظهريهما!! وهل وقع أبونا آدم عليه السلام فيما وقع فيه إلا من هذين المدخلين، قال تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)، فعلاج النسيان بالعلم والتذكير به، وأما العزم فإنهاضه بالمواعظ!!

فصل: سنة خداع الأعداء والتخذيل بينهم لا بدعة اتباع الأهواء:
ينبغي علينا أن نتحكم بخلافنا ليكون مسيطرا عليه وموجها بحكمة، تحت مبدأ: الحرب خدعة، وذلك بأن يكون الخلاف موزعا كأدوار مبرمجة لخداع الأعداء على قاعدة التخذيل المسنونة، لكن هذا يحتاج إلى رجاحة في العقل وسداد في النظر وسيطرة على الأهواء، ليكون الولاء للإسلام وأهله وليس لأسماء وضعت لتخدم القضية، فأصبحت هي القضية المخدومة التي تنحني لها العقول وتسجد لها القلوب ويشب عليها الصغير ويهرم عليها الكبير.
كم نخسر –والحال هذه- من مكاسب على الأرض؟ وخاصة فقد القدرة السوقية للناس إلى أهدافنا العظيمة بسبب الإحباط الذي ينشئه عدم ضبط التعامل مع مسائل الخلاف؟.أهـ
ترى كم يكسب المسلمون في صراعهم مع الأعداء لو تعاونوا على البر والتقوى؟ وقام كل واحد منهم بما يستطيع من الخير الذي وفقه الله تعالى إليه، وسد الثغر الذي هو فيه وعمل العمل الذي يحسنه، والتزموا النصيحة فيما بينهم، لتصب هذه الطاقات جميعا في نهر واحد مقصده خدمة الدين ورد العدوان عن المسلمين ورعاية حرماتهم أجمعين، على قاعدة التكامل وتبادل الأدوار وواجب التعاون والتناصر، يستقي كل منهم من النبع المبارك الصافي فيوقد ذهنه، ويتزود كل منهم من الزيت النقي المعافي فيقدح زنده، لاعتماد المنهج القويم لا شرقي ولا غربي، باقتصاد وتوازن ووسطية ليست ذات اليمين ولا ذات الشمال، دون تسقيط بعضهم بعضا والانشغال بالتهديم الداخلي بمعاول كان الواجب أن تسلط على عادية الكافرين فتردها وخرائب أعداء الله فتهدها، وليساهم الجميع في بناء صالح مبارك وزرع طيب لا يتهالك: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الفتح: من الآية29)، 
كم كان المسلمون يفرحون والمؤمنون يربحون لو كان أهل الثغور متعاونين وبالإخوة ملتزمين وبالمنهج النبوي مستمسكين، وعند حدود الشرع واقفين؟
وحتى لا أذهب بالأماني بعيدا، فأنا لا أقصد وجوب إلغاء كل الأسماء، وإنما التعاون والتكامل ولو ببقاء كل واحد على اسمه وعنوانه إذ الاجتماع على كل شيء عسر، والنفس عن الحق آنف وللهوى آثر، لأن الحق أثقل محملا وأصعب مركبا.
لقد كانت مكاسب أهل الدعوة زاخرة ووقعات الجيوش الإسلامية باهرة، رغم وجود الخلاف، فكيف الحال وكم كنا نكسب لقضايا الأمة لو تعاون أهل الإيمان وتكامل أهل الإسلام من الدعاة والمجاهدين والسياسيين وغيرهم في العراق وفلسطين وباكستان وأفغانستان والصومال واليمن والسودان وفي بقاع الأرض كلها، بدلا من العيش في نزاعات داخلية ومهاترات كلامية وتناحرات ميدانية أهلكت الحرث والنسل وأحرقت الأخضر واليابس، وأذهبت ريح الجميع وأضعفت قوتهم ومكنت لأعدائهم.
وبعض الناس ممن غاب عنهم جانب من مخافة الله، أشغلوا أنفسهم بمكرٍ قال الله عنه (هُوَ يَبُورُ)، لتكون قلوبهم كقدور ليس من مخافة الله بل من الحسد تفور، وعقولهم بالخلل والزلل لا بالفكر النير تمور ثم تحور، إذا حضر عاب، وإذا غاب اغتاب، 
لقد كانت الساحة ولا تزال تسع الجميع بل هي بحاجة ماسة للجميع، وأبواب الخير واسعة وفرص النجاح وافرة، والأفهام ليست سواءا والأعذار الصحيحة ليست أهواءا، وباب الاجتهاد مفتوح لأهله، فإذا اختلفنا –وهذا طبيعي- فالنصيحة وحسب مادام في الأمر متسع.
والعاقل من كان عقله في إرشاد ورأيه في إمداد، ودواء المودة كثرة التعاهد، فإذا رمقتنا أعين المتتبعين، وتناولتنا ألسن المتعتبين، فليس لنا غير توفيق الله تعالى ملاذا، وسوى عصمته معاذا، 
وقد قدم فضيلة الشيخ حامد العلي مشروعا رائعا لعمل الفصائل الجهادية وهو منشور على موقعه على الشبكة العنكبوتية، يعالج كثيرا من المشاكل بحلول شرعية واقعية. 

الباب الثاني:
وجوب النصرة والنصيحة
وحرمة التخذيل والفضيحة


فصل: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما: 
بعض الناس لم يحسن التعامل مع مسائل الخلاف، فكان من آثار ذلك شر مستطير، حيث وثب هؤلاء على عرض إخوانهم بسيل متدفق من التهم والسباب والبهت، الذي وسع جراح الأمة وألغى الثقة بين جماعاتها واغتال الفضل بين أفرادها، وقطع أرحامها، تأسيسا على خيوط من الأوهام، ومنازلات بلا برهان، تجر إلى فتن تدق الأبواب بل تكسرها، وتضرب الأمة في قوامها حتى تعود كأنها أعجاز نخل خاوية. 
إن الواجب على المسلم أن يكون على الحال الذي أحب له ربه سبحانه وعلى وفق ما أمر به وأرشد إليه المصطفى عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)، في الصحيحين عَن جابِر يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ]، وفيهما عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى]. وفي مسلم عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [الدِّينُ النَّصِيحَةُ]قُلْنَا لِمَنْ؟ قَالَ: [لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ]. 
قال الشيخ بكر أبو زيد (تصنيف الناس بين الظن واليقين): وإن من أعظم قواعد الملة ما ورد عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا]، فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟! قَالَ:[تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ]. لا على مقصد أول من تكلم بها جُندَب بن العنبر؛ إذ أراد بها حمية الجاهلية، ولكن على مقصد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ أخذ الصورة ونقلها إلى معنى شريف،
فنصرته ظالما بمعنى: الأخذ على يده وإبداء النصح له، وإرشاده وتخليصه من بناء الأحكام على الظنون والأوهام، وإعمال اليقين مكان الظن، والبينة محل الوسوسة، والصمت عن القذف بالباطل والإثم، ومبدأ حسن النية بدل سوء الظن والطوية، وتحذيره من نقمة الله وسخطه.
ونصرته مظلوما بمعنى: ردع الظالم عنه، والإنصاف له ومنه، والدفع عن عرضه وكرامته، وتسليته وتذكيره بما له من الأجر الجزيل والثواب العريض، وأن الله ناصره بمشيئته ولو بعد حين.
هذه النظرة لهما؛ من محاسن الإسلام وأبواب الجهاد، وهي التي تعلن النذارة لذوي النفوس الشريرة حملة الشقاق والشغب؛ أن على الدرب رجالا بالمرصاد على حد قوله تعالى: (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).أهـ
التفريق بين النصيحة والفضيحة:
النصيحة واجب شرعي ومطلب ديني، في الصحيحين أن جَرِيرًا رضي الله عنه قال أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَشَرَطَ عَلَىَّ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا. وتمامه: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
فالنصيحة مقرونة بالإسلام والصلاة والصيام وهي من الأمور العظيمة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يأخذ عليها البيعة من صحابته.
بيد أن بين النصيحة والفضيحة فروقا ليست أوهاماً وللأولى قوانين يجب مراعاتها وإلا كانت مظالِمَ، وإن النصح للنفس وللجميع، أن يحذر العبد مولاه فإنه حذرنا نفسه وأن يكون للخير مفتاحا وللشر مغلاقا، وأن لا يكون للشيطان معينا وللمسلمين مهينا.
وأن يبتعد كل البعد عن التشهير ورمي الناس بالبدعة والفسق والتشنيع عليهم وتكفيرهم، بالباطل، فإذا كان تكفير المعيَّن على سبيل الشتم كقتله؛ فكيف يكون تكفيره على سبيل الاعتقاد؟!! فإن ذلك أعظم من قتله، إذ كل كافر يباح قتله ما لم يمنع مانع شرعي، وليس كل من أبيح قتله يكون كافراً.
في المسند وأبي داود عَنْ ِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ]. السلسلة الصحيحة (437). والردغة: هي الطين والوحل الكثير، وردغة الخبال هي عصارة أهل النار يعني ما يخرج منهم من وسخ ودنس وقاذورات. 
وأن لا يزيد من فداحة الأمر وقباحته، فالقصد أسهل من التعسف، والكف أودع من التكلف.
وأن يحذر من قولِ ما لا تحمد عقباه، ومن كتابة ما لا يرضي مولاه، وأن لا يحول الولاء والحب في الله إلى تعصب حزبي لمجموعة بعينها وربما لشخص مكن لنفسه الأمارة بالسوء، قال تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين:1-6)

وما من قائل إلا سيلقى ******* غداة الحشر ما نطقت شفاه
وما من كاتب إلا سيلقى ******* غداة الحشر ما كتبت يداه

فلا بد من معرفة ضوابط النصيحة ومتى يجوز ذكر أخطاء الناس وأحوالهم التي يكرهون ذكرها ومتى لا يجوز، وقد تكلم علماء الحديث في كتبهم عن الجرح والتعديل وذكروا الفرق بين جرح الرواة وبين الغِيبة المحرمة، وردُّوا على من سوَّى بينهما.
ولا فرق بين الطعن في رواة حفَّاظ الحديث ولا التمييز بين من تقبل روايته منهم ومن لا تقبل، وبين تبيين خطأ من أخطأ في فهم معاني الكتاب والسنة وتأوَّلَ شيئاً منها على غير تأويله وتمسك بما لا يصح التمسك به، ليُحذِّر من الاقتداء به فيما أخطأ فيه، وقد أجمع العلماء على جواز هذا وفق الضوابط الشرعية والآداب المرعية التي حدها الشارع في الكتاب والسنة وبينها علماء الأمة سلفا وخلفا.
ولهذا نجد في كتبهم المصنفة في أنواع العلوم الشرعية من التفسير وشروح الحديث والفقه واختلاف العلماء وغير ذلك المناظرات وردِّ أقوال من تُضَعَّفُ أقواله من أئمة السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. 
ولم يعد أحد منهم مخالفيه في هذه المسائل ونحوها طعناً في هؤلاء الأئمة ولا عيباً لهم، وقد امتلأت كتب أئمة المسلمين من السلف والخلف بتبيين هذه المقالات وما أشبهها مثل كتب الشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ومن بعدهم من أئمة الفقه والحديث وغيرهما.


وللنصيحة شروط نذكر منها على سبيل التذكير لا على سبيل الحصر:
الشرط الأول: حسن القصد وصلاح النية:
هذا أولى الشروط وأعلاها، ذاك لأن العمل لا يقبله الله إلا إذا كان خالصا صوابا، فإن أخطأ المسلم وجب علينا أن نبحث له عن عذر، ومن ساءت نيته وفسدت طويته فالخيبة له، لا ينفعه مع هذا الخراب اختصار ولا إطناب، ولا يعفيه من الإثم دليل ولا زعم.
قال الإمام مالك (اقتضاء العلم العمل: 95): إن العالم إذا لم يرد بموعظته وجه الله زلت موعظته عن القلوب كما يزل الماء عن الصفا (الحجر الأملس).
ومن كان مقصوده في البيان مجرد تبيين الحق ولئلا يغتر الناس بمقالات من أخطأ في مقالاته أو أفعاله، فلا ريب أنه مثاب على قصده وداخل بفعله هذا بهذه النية في النصح لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.
ولم يكن أحد من علماء الأمة يكره بيان الحق له، ولا يكره النصح من بابه، فإن من اتقى الله تعالى وأراد ما عنده كان همه إظهار الحق من الكتاب والسنة، ونصرة دين الله، والعلماء يعلمون أن لا أحد يحوي العلم كله، ومن كانت هذه حاله فإنه لا يكره أن يُردَّ عليه قولُه ويتبين له مخالفته للسنة لا في حياته ولا بعد مماته. وهذا هو الظن بأئمة الإسلام، الذابين عنه القائمين بنَصْرِه من السلف والخلف، بل لم يكونوا يكرهون مخالفة من خالفهم أيضاً بدليل عَرَضَ له، ولو لم يكن ذلك الدليل قوياً عندهم بحيث يتمسكون به ويتركون دليلهم له.
ولهذا كان الإمام أحمد يذكر إسحاق بن راهويه ويمدحه ويثني عليه ويقول: وإن كان يخالف في أشياء فإن الناس لم يزل بعضهم يخالف بعضا.
وكان كثيراً يُعرضُ عليه كلام إسحاق وغيره من الأئمة، ومأخذهم في أقوالهم فلا يوافقهم في قولهم ولا يُنكِر عليهم أقوالهم ولا استدلالهم وإن لم يكن هو موافقاً على ذلك كله، 
ومن حسن القصد أن يحب ظهور الحق ولو على لسان خصمه، وقد استحسن الإمام أحمد ما حكي عن حاتم الأصم أنه قيل له: أنت رجل أعجمي لا تفصح وما ناظرك أحد إلا قطعته، فبأي شيء تغلب خصمك؟ فقال بثلاث: أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ لساني عن أن أقول له ما يسوءه. فقال أحمد: سبحان الله! ما كان أعقله من رجل!.
وإذا كان مرادُ الرادِّ بذلك إظهارَ عيب من ردَّ عليه وتنقصَه وتبيينَ جهله وقصوره في العلم ونحو ذلك كان محرماً، سواء كان ردُّه لذلك في وجه من ردّ عليه وحضوره أو في غَيبته، وسواء كان في حياته أو بعد موته، وهذا داخل فيما ذمَّه الله تعالى في كتابه وتوعد عليه في الهمز واللمز، وداخل في قوله تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (الهمزة:1) وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات:11)
وهذا كله في حق العلماء المقتدى بهم في الدين، بخلاف أئمة البدع والضلالة فإنه يجوز بيان جهلهم وإظهار عيوبهم تحذيراً من الاقتداء بهم.
ومن عُرف منه أنه أراد بردِّه على العلماء النصيحة لله ورسوله فإنه يجب أن يُعامَل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمة المسلمين الذين سبق ذكرهم وأمثالهم ومن تبعهم بإحسان.
ومن عرف منه أنه أراد برده عليهم التنقص والذم وإظهار العيب فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة.
طرق معرفة سيء القصد:
يُعرف سيء القصد بأحد أمارتين:
الأولى: إقراره واعترافه، 
والثانية: القرائن التي تحيط بفعله وقوله وحاله، 
فمن عُرف عنه العلم والدين وتوقير المسلمين واحترامهم، لم يذكر الردَّ وتبيين الخطأ إلا على الوجه الذي يراه غيره من العلماء والمصلحين، وإذا كان الكلام في التصانيف والبحث حمل كلامُه على سائر أحواله.
ومن أكثر من الخصومة والطعن وإساءة الظن بالمسلمين وخاصة إذا كان ذلك معلنا فإن هذه من أمارات السوء وعلامات خبث الطوية فإذا جمع مع ما تقدم وقوعه بما يذكر عن غيره فقد وقع في الإثم والعدوان ولم ينل حظا مما يزعم من النصح، قال الله سبحانه: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (النساء:112)، فقد جمع هذا الظانّ بين اكتساب الخطيئة والإثم ورمي البريء بها.
ويقوي دخوله في هذا الوعيد إذا ظهرت منه كثرة البغي والعدوان وقلة الورع وإطلاق اللسان وكثرة الغيبة والبهتان والحسد للناس على ما آتاهم الله من فضله والامتنان وشدة الحرص على المزاحمة على الرئاسات قبل الأوان.
فمن عُرفت منه هذه الصفات التي لا يرضى بها أهل العلم والإيمان فإنه يستحق حينئذٍ مقابلته بالهوان، 
ومن لم تظهر منه أمارات بالكلية تدل على شيء فإنه يجب أن يحمل كلامه على أحسن محمَلاتِهِ ولا يجوز حمله على أسوأ حالاته. وقد قال الفاروق رضي الله عنه: لا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً.أهـ
ولا يحل لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عُرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد، ومن أعظم التقصير؛ نسبة الغلط إلى متكلم، مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس.
الشرط الثاني: أن يكون الكلام بعلم وعدل:
فمن تكلم بجهل فهو آثم حتى لو أصاب الحق أحيانا، قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36( وقال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) (الأنعام: من الآية152)وقال سبحانه: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) (النساء:148)
في الصحيحين -واللفظ لمسلم- عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِى بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ].



الشرط الثالث: الأدب في القول والفعل: 
رد المقالات الضعيفة وتبيين الحق في خلافها بالأدلة الشرعية ليس هو مما يكرهه أولئك العلماء بل مما يحبونه ويمدحون فاعله ويثنون عليه.
وأما بيان خطأ من أخطأ من العلماء قبله إذا تأدب في الخطاب، وأحسن في الرد والجواب فلا حرج عليه، ولا لوم يتوجه إليه وإن صدر منه الاغترار بمقالته فلا حرج عليه.
وقد بالغ الأئمة الوَرِعون في إنكار مقالات ضعيفة لبعض العلماء وردِّها أبلغ الردِّ كما كان الإمام أحمد ينكر على أبي ثور وغيره مقالات ضعيفة تفردوا بها ويبالغ في ردها عليهم هذا كله حكم الظاهر.
فلا يكون داخلاً في الغيبة بالكلية فلو فرض أن أحداً يكره إظهار خطئه المخالف للحق فلا عبرة بكراهته لذلك، فإن كراهة إظهار الحق إذا كان مخالفاً لقول الرجل ليس من الخصال المحمودة، بل الواجب على المسلم أن يحب ظهور الحق ومعرفة المسلمين له سواءٌ كان ذلك في موافقته أو مخالفته.
ولم يترك ذلك أحد من أهل العلم ولا ادعى فيه طعناً على من ردَّ عليه قولَه ولا ذمَّاً ولا نقصاً، اللهم إلا أن يكون المصنِّف ممن يُفحش في الكلام ويُسيءُ الأدب في العبارة، فيُنكَر عليه فحاشته وإساءته دون أصل ردِّه ومخالفته، إقامةً للحجج الشرعية والأدلة المعتبرة. 
الشرط الثالث: الاقتصار على بيان الخطأ:
على الناصح أن يقتصر على بيان الخطأ ولا يتعداه بذكر مثالب من يريد نصحه، 
في الترمذي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ]. صحيح الجامع (5911)،
فمن الناس من يظهر نصح أخيه بقضية مالية أو سياسية فينتهي به الأمر إلى الكلام على أهل ذلك الرجل وفتح ملفات لا علاقة لها إطلاقا بالمسألة التي يتكلم عنها الناصح، وبذا يخرج عن حدود النصيحة الشرعية إلى تتبع العورات، فإن لم يجد ما يشين ابتدع شيئا من عنده ليجعله نقيصة بحق أخيه.
في المسند وأبي داود عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ]. فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا.
الشرط الخامس: التزام السَّتر والاكتفاء بالتعريض والكناية إلا للضرورة:
الواجب على الناصح التعريض والكناية وعدم التصريح بالمثلبة إلا للحاجة وشدة العناية، لأن غرض الناصح بنصحه أخاه إزالة عيب أخيه المؤمن واجتنابه له، وهكذا كان نصح النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقول: ما بالُ أقوام يفعلون كذا أو يقولون كذا، ولا يسمي الفاعل أو القائل ولا يذكر الصفة المميِّزة له رغبة في السَّتر وإعانة للمخطئ على رجوعه عن خطئه، وهذا من رأفته ورحمته بالناس عامة وبالمؤمنين خاصة، فقد وصفه ربنا سبحانه بالرءُوف الرحيم، قال سبحانه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128)، والرحمة بالمؤمنين من أخص صفات الصحابة رضوان الله عليهم قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح:29). 
والأحاديث في فضل الستر كثيرةٌ جدّاً ومنها:
في المسند والسنن عَنْ يَعْلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِىٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ].
وفي الصحيحين عَنْ ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ] وفيهما: [وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ].
قال سليمان الخواص (روضة العقلاء: 158): من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما فضحه.
وقال الإمام عبد الله بن المبارك: كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيُؤجر في ستره ويُؤجر في نهيه، فأما اليوم فإذا رأى أحد من أحد ما يكره استغضب أخاه، وهتك ستره.أهـ

ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول (ديوانه: 96):
تَعمدني بنصحكَ في انفرادٍ ******* وجنبني النصيحةَ في الجماعةْْ
فإنَّ النصحَ بينَ الناسِ نوعٌ ******* من التوبيخِ لا أرضى استَماعه
فإنْ خَالفتني وعصيتَ أمْري ****** فلا تجزعْ إذا لم تلقَ طاعةْ

قال الإمام الفضيل بن عياض: المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويُعيِّر.
وهذا الذي ذكره الفضيل هو من علامات النصح والتعيير، فالنصح يقترن به الستر، والتعيير يقترن به الإعلان.
وكان يقال: من أمر أخاه على رؤوس الملأ فقد عيَّره.
وقال بعض العلماء لمن يأمر بالمعروف: واجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور عوراتهم وهن في الإسلام، وإن أحقّ شيء بالستر: العورة.
وكان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على رؤوس الملأ، ويحبون أن يكون سراً فيما بين الآمر والمأمور، فإن هذا من علامات النصح، فإن الناصح ليس له غرض في إشاعة عيوب من ينصح له، وإنما غرضه إزالة المفسدة التي وقع فيها.
إن العمل على إشاعة العيوب حرمه الله ورسوله تحريما مغلظا، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور:19).
وإشاعة الفاحشة مقترنة بالتعيير، وهما من خصال الفجار لأن الفاجر لا غرض له في زوال المفاسد، ولا في اجتناب المؤمن للنقائص والمعايب، إنما غرضه في مجرد إشاعة عيب أخيه المؤمن وهتك عرضه وإظهار مساويه للناس، فهو يعيد ذلك ويبديه، ليُدخل عليه الضرر في الدنيا، وهذه صفة الشيطان الذي يزيِّن لبني آدم الكفر والفسوق والعصيان ليصيروا بذلك من أهل النيران، قال الله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر:6)، كما مكرَ بنبي الله آدم وزوجه عليهما السلام حتى توصل إلى إخراجهما من الجنة:(يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا) (الأعراف: من الآية 27).
قال الإمام مالك بن دينار (تفسير الخازن: 3/12): إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصم الله.
تنبيه: لقد تيسر في هذا العصر التواصل مع الناس بوسائل كثيرة منها الاتصال بالهاتف والرسائل العادية والإلكترونية وهذا خير لمن قصد النصح والإصلاح، فإذا كانت النصيحة لشخص يتعذر الاتصال به لمانع فلا حرج من نصحه علنا لكن مع التزام شروط النصيحة.
وإذا كان الشخص المخطئ وقع له ذلك الخطأ علنا فينصح علنا ويتأكد هذا إذا كان مصرا على حاله وموقفه، أو خُشي من انتشار هذا الخطأ واغترار الناس به.
ولكن شتان بين من قصده النصيحة وبين من قصده الفضيحة، ولا تلتبس إحداهما بالأخرى إلا على من ليس من ذوي العقول الصحيحة.
الشرط السادس: اجتناب التوبيخ والتعيير:
إذا أخبر أحد أخاه بعيب ليجتنبه كان ذلك حسناً لمن أُخبر بعيب من عيوبه أن يعتذر منها إن كان له منها عذر، وإن كان ذلك على وجه التوبيخ بالذنب فهو قبيح مذموم.
قيل لبعض السلف: أتحبُّ أن يخبرك أحد بعيوبك؟ فقال: إن كان يريد أن يوبخني فلا.
فالتوبيخ والتعيير بالذنب مذموم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تُثَرَّبَ الأمة الزانية مع أمره بجلدها فتجلد حداً ولا تعير بالذنب ولا توبَّخ به.
عقوبة الفاضح:
عقوبة من أشاع السوء وتتبع عيوب أخيه وكَشَفَ عورته أن يتتبع الله عورته ويفضحه ولو في جوف بيته، في المسند والسنن عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: [يَا مَعْشَرَ مَنْ قَدْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ]
وفي المسند عَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: نَادَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَسْمَعَ الْعَوَاتِقَ فَقَالَ: [يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ].
فلا تُظْهِر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك، فمن عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله، قال الحسن: كان يقال: من عيَّر أخاه بذنب تاب منه لم يمت حتى يبتليه الله به، وقال بعضهم: البلاء موكل بالمنطق فلو أن رجلاً عيَّر رجلاً برضاع كلبه لرضعها
ولما ركب ابن سيرين الدَّيْن وحبس به قال: إني أعرف الذنب الذي أصابني هذا؛ عيَّرت رجلاً منذ أربعين سنة فقلت له: يا مفلس.
أشنع أنواع التعيير:
مِن أشنعِ وأبشع أنواع التعيير إظهارُ السوء وإشاعتُه في قالب النصح، وزعمُ أنه إنما يحمله على ذلك إرادة الإصلاح وإشاعة الخير إما عاماً أو خاصاً، وكان غرضه في الباطن التعيير والأذى، فهذا من إخوان المنافقين الذين ذمهم الله في كتابه في مواضع، فإن الله تعالى ذم من أظهر فعلاً أو قولاً حسناً وأراد به التوصل إلى غرض فاسد يقصده في الباطن، وعدَّ ذلك من خصال النفاق كما في سورة براءة التي هتك فيها المنافقين وفضحهم بأوصافهم الخبيثة، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (التوبة:107) .
وقال تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران:188)، في الصحيحين أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ اذْهَبْ يَا رَافِعُ -لِبَوَّابِهِ- إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ الآيَةِ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَلاَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) الآيَةَ وَتَلاَ: (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) وَقَالَ سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَخَرَجُوا قَدْ أَرَوْهُ أَنْ قَدْ أَخْبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ وَاسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيْهِ وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوْا مِنْ كِتْمَانِهِمْ إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ. 
وفيهما عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ (لاَ يَحْسبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) الآيَةَ.
فهذه من خصال أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن خصال المنافقين؛ وهو أن يأتي الإنسان قولاً أو فعلاً حسنا في الظاهر والصورة، ويبطن ما يقصده من التوصل إلى غرض فاسد، فيحمده الناس على ما أظهر من ذلك الحسن ويتوصل هو إلى غرضه الفاسد الذي أبطنه، فيفرح بحمده ويحصل له غرضه السيئ فتتم له الفائدة وتُنَفَّذُ له الحيلة بهذا الخداع.
ومن كانت هذه همته فهو داخل في هذه الآية ولابد، فهو متوعد بالعذاب الأليم، ومثال ذلك: أن يريد الإنسان ذمَّ رجل وتنقصه وإظهار عيبه لينفر الناس عنه؛ إما محبة لإيذائه أو لعداوته أو مخافة من مزاحمته على مال أو رئاسة أو غير ذلك من الأسباب المذمومة، فلا يتوصل إلى ذلك إلا بإظهار الطعن فيه بسبب ديني؛ مثل: أن يكون قد ردَّ قولاً ضعيفاً من أقوال عالم مشهور فيشيع بين من يعظِّم ذلك العالم أن فلاناً يُبغِضُ هذا العالم ويذمُّه ويطعن عليه فيغرُّ بذلك كل من يعظِّمه ويوهمهم أن بغض الراد وأذاه ذبٌّ عن ذلك العالم ورفع الأذى عنه وذلك قُربة إلى تعالى وطاعته فيجمع هذا المظهر للنصح بين أمرين قبيحين محرَّمين:
أحدهما: أن يحمل فعل هذا الراد على البغض والطعن والهوى وقد يكون إنما أراد به النصح للمؤمنين وإظهار ما لا يحل كتمانه من العلم.
والثاني: أن يظهر الطعن عليه ليتوصل بذلك إلى هواه وغرضه الفاسد في قالب النصح والذب عن العلماء.
العلاج
ومن بُلي بشيء من هذا المكر فليتق الله ويستعن به ويصبر فإن العاقبة للتقوى. كما قال الله تعالى بعد أن قصَّ قِصَّة يوسف وما حصل له من أنواع الأذى بالمكر والمخادعة: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) (يوسف: من الآية 21)، وقال الله تعالى حكاية عنه أنه قال لإخوته: (أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا) (يوسف: من الآية 90)، ولما نزل بموسى وقومه أذى فرعون وكيده قال موسى عليه السلام لقومه:(اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا) (الأعراف: من الآية 128)، وقد أخبر الله تعالى أن المكر يعود وباله على صاحبه قال تعالى: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (فاطر: من الآية 43)، وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) (الأنعام: من الآية 123)، والواقع يشهد بذلك فإن من سبر أخبار الناس وتواريخ العالم وقف على أخبار من مكر بأخيه فعاد مكره عليه وكان ذلك سببًا في نجاته وسلامته على العجب العجاب.
ولذا كان من أحسن الدعاء: اللهم لا تجعلني عبرة لغيري، ولا تجعل أحداً أسعد بما علمتني مني. 
ولمزيد من التفصيل: تُنظر رسالة العلامة ابن رجب الحنبلي (بين النصيحة والتعيير) فأكثر ما تقدم في هذا الباب منها.

الباب الثالث:
أسباب الخلاف
وأقسامه وأحكامه وآثاره













فصل: أسباب الخلاف التي يعذر فيها المخالف: 
وقوع الخلاف أمر طبيعي ومنه ما هو فطري، فلم يكن ثَمَّ إنكار على هذا، وإنما الإنكار على عدم ضبطه بضوابط الشريعة الغراء، وقد وقع الخلاف بين خيار الأمة فلم يحتكموا إلى أهوائهم بل سلكوا سبيل النجاة فردوا ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فكان فعلهم صالحا وعاقبتهم خيرا، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء :59) هذا هو المنهج الرباني والتوجيه الإلهي بموجهاته التي يجب التزامها حال وقع الخلاف.
ولهذا الخلاف أسباب موضوعية كمعرفة بعضهم بالدليل وجهل بعضهم به، والاختلاف في تصحيح الدليل وتضعيفه، وكونه نصاً على المسألة أو ظاهراً أو مؤولاً، وتفاوت فهمهم للنص وتقديم دلالة من دلالات النص على أخرى، ومثل هذه الأسباب يعذر أصحابها إذا اجتهد كل منهم لمعرفة الحق، ففي كل علم أو فن تجد أسبابا كثيرة حملت العلماء على الخلاف، من أهمها:
أولا: التفاوت في الأمور الجبلّية والتفاضل في العقول:
العلماء شأنهم كما هو شأن الناس جميعا التفاوت في الملكة والطبع والعقل، وينتج عن هذا اختلاف الأحكام المستنبطة من الأدلة الشرعية،وهو ضروري لا بد منه بل هو ظاهرة لا يمكن تحاشيها لأنها مظهر من مظاهر الإرادة التي فطر عليها الإنسان، ولهذا لم نؤمر بمحوه بل أمرنا بتفهم أسبابه لنتعامل معه برشد وحكمة، 
قال ابن القيم (الصواعق المرسلة: 519): وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه، لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف، فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحدا والغاية المطلوبة واحدة والطريق المسلوكة واحدة لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافا لا يضر كما تقدم من اختلاف الصحابة فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة.أهـ
ثانياً: التفاوت في العلم والمعرفة:
أصل حدوث الاختلاف المذموم والتفرق في الأمة هو الجهل بالدين بل أصل كل شر إما الجهل أو الظلم ومرد الظلم إلى الجهل أيضا.
قال الشاطبي (الاعتصام: 2/172): الاختلاف في القواعد الكلية لا يقع بين المتبحرين في علم الشريعة الخائضين في لجتها العظمى، العالمين بمواردها ومصادرها، والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثاني.
ثم ذكر (الاعتصام: 2/183) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خلا يوماً فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة وكتابها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما وسأله، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين: إنما نزل القرآن علينا فقرأناه وعلمنا فيما نزل، وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيما نزل فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان ذلك اختلفوا. 
قال الشاطبي: وما قاله ابن عباس رضي الله عنهما هو الحق، فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قُصد بها، فلم يتعد ذلك فيها، وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أوجهاً، فذهب كل إنسان مذهباً لا يذهب إليه الآخر، وفي الحديث الصحيح:[إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا].أهـ
ثالثا: الاختلاف في ثبوت النص: 
وهذا يحصل بالنسبة للسنة النبوية فجمع الأحاديث جميعا أمر عسر في السابق وقد تيسر في أيامنا هذه لوجود الموسوعات الحديثية وخاصة الإلكترونية، ومع ذلك فقد يغيب عن العالم الجليل بعض الأحاديث، وقد يعرف الحديث لكنه يرجح عدم صحته إما سندا أو متنا، فإن معايير التصحيح والتضعيف تختلف في بعض أصولها بين العلماء، وهذا باب واسع جدا، بل هذا يمثل أهم أسباب الاختلاف، 
ومن لم يبلغه النص أو لم يثبت عنده فعليه العمل بما عرف من الأدلة، قال ابن تيمية (المجموع: 20/233): فمن لم يبلغه النص لم يكلف أن يكون عالما به، بل يكتفي المخالف أحيانا بظاهر آية، أو بحديث، أو بموجب قياس، أو بموجب استصحاب.
وقال: وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث، فإن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد من الأمة.أهـ 
ومن ذلك: حكم الصديق رضي الله عنه في الجدة بأنها لا ترث مطلقاً، لعدم معرفته بدليل توريثها، حتى سأل وثبتت عنده سنة النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بها، ثم ظن الفاروق أن هذه حادثة عين، في السنن عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ. فَسَأَلَ النَّاسَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهَا السُّدُسَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِىَ بِهِ إِلاَّ لِغَيْرِكِ وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ وَلَكِنْ هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا.
وانظر إلى دقة كلام الصديق رضي الله عنه إذ يقول: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فهو أعلم الناس بكتاب الله تعالى فلم يجد فيه شيئا لها، ولم يزعم أنه يحيط بسنة رسول الله ولم يتردد أو يستحِ من السؤال ولو كان هو الخليفة وسيد القوم والصاحب المقدم،
وأيضا، خفاء سنة الاستئذان على الفاروق رضي الله عنه حتى سأل وتثبت، مع انتشار الحديث ومعرفة الكثيرين به، وهو واضح من مقولة أبي بن كعب، في البخاري عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الأَنْصَارِ إِذْ جَاءَ أَبُو مُوسَى كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ فَقَالَ اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ ثَلاَثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ فَقَالَ مَا مَنَعَكَ قُلْتُ اسْتَأْذَنْتُ ثَلاَثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلاَثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ]. فَقَالَ وَاللَّهِ لَتُقِيمَنَّ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ. أَمِنْكُمْ أَحَدٌ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فَقَالَ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ: وَاللَّهِ لاَ يَقُومُ مَعَكَ إِلاَّ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَكُنْتُ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقُمْتُ مَعَهُ فَأَخْبَرْتُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَلِكَ.
وبسبب احتمال وجود طرق أخرى للحديث الذي لم يثبت بالسند الذي وصل العالم علق كثير من الأئمة العمل بموجب الحديث على صحته وقد أثر عن أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم قولهم (إذا صح الحديث فهو مذهبي) وكان منهم من يقول: قولي في المسألة كذا، وقد روي فيه حديث بخلافه فإن صح فهو قولي.
ومن العلماء من يضعف النص باجتهاد خالفه فيه غيره، كتضعيفه لراو وثقه غيره، فبعض الأئمة كان لا يقبل حديثا إلا إذا كان أصله حجازيا وبعضهم رأى هذا الرأي ثم رجع عنه، ولذا أثر في ذلك قول الشافعي لأحمد: يا أبا عبدالله إذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شامياً كان أو عراقياً. 
قال ابن تيمية (المجموع: 20/304): ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن، وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ في السفر مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما.أهـ
وقد وقع الاختلاف في بعض قواعد علوم الآلة ومنها أصول الحديث، كاشتراط بعض العلماء في قبول النص شروطاً يخالفه فيها غيره، كاشتراط كون الراوي فقيهاً إذا روى ما يخالف القياس، واشتراط ظهور الحديث وانتشاره إذا كان فيما تعم به البلوى، واختلفوا في بعض قواعد الجرح والتعديل وألفاظهما ومن ذلك توثيق ابن حبان لمن لم يعرف بجرح، بينما يرميه ابن حزم بالجهالة، واختلفوا في الاعتبار بالشواهد والمتابعات وكل هذه مبثوثة في كتب مصطلح الحديث وعلومه، ومن أجمع الكتب في هذا الشأن هو (أسباب اختلاف المحدثين) للدكتور خلدون الأحدب، وهو رائع في موضوعه.
وقد يثبت الدليل عند العالم ثم ينساه أو يذهل عنه عند الفتوى فيفتي بخلافه كما ذهل عمر رضي الله عنه عن قول الله تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) لمّا مات نبينا صلى الله عليه وسلم، وكما نسي قصته مع عمار في التيمم رغم وقوعها له، ولم يقنع بقول عمار حتى هم عمار أن يترك التحديث به لكن الفاروق أمره أن يحدث بالحديث والعهدة عليه، في الصحيحين –واللفظ لمسلم- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءً، فَقَالَ: لاَ تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ مَاءً، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: [إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ]. فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ. قَالَ إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ، فَقَالَ عُمَرُ نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ. 
وفي المسند فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَمَّارُ اتَّقِ اللَّهَ. فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شِئْتَ وَاللَّهِ لَمْ أَذْكُرْهُ أَبَدًا. فَقَالَ عُمَرُ: كَلاَّ وَاللَّهِ لَنُوَلِّيَنَّكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
وقول عمار هذا لعمر إنما هو لحق الخلافة، في البيهقي؛ فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ. فَقَالَ عَمَّارٌ: إِنْ شِئْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكَ عَلَىَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ لاَ أُحَدِّثَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : بَلْ نُوَلِّيكَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَوَلَّيْتَ.
وأحيانا يكون النص قد بلغ العالم، لكنه منسوخ بنص آخر لا يعلمه، أو هو غير منسوخ لكنه رجح نسخه بأمر راجح عنده. وانظر (الخلاف بين العلماء) للعثيمين.
رابعا: الاختلاف في دلالات النصوص:
قد يجهل العالم دلالة من دلالات النص لخفائها أو عدم معرفته بها، ومن ذلك عدم الإحاطة بمدلولات اللغة، ولذا فإن من الركائز الأساسية في العلم الشرعي العلم باللغة العربية وألفاظها ومعانيها وما تحيل إليه الألفاظ، 
نقل السيوطي (صون المنطق: 15) عن الإمام الشافعي قال: ما جهل الناس ولا اختلفوا إلاّ لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس.
قال السيوطي: أشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفي الرؤية وغير ذلك من البدع، وأن سببها الجهل بالعربية والبلاغة الموضوعة فيها من المعاني والبيان والبديع.أهـ
وفي (سير أعلام النبلاء: 6/408): أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء يناظره في وجوب عذاب الفاسق، فقال يا أبا عمرو: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لن يخلف الله وعده، فقال عمرو: فقد قال وذكر آية وعيد، فقال أبو عمرو: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد ثم أنشد:

وإني وإن أوعدته أو وعدته ******* لمخلف إيعادي منجز له وعدي

روى البخاري (التاريخ الكبير: 5/93): عن الحسن البصري قال: إنما أهلكتهم العجمة يتأولونه.أهـ
وفي (ربيع الأبرار للزمخشري: 1/321): سئل الحسن عن رجل يتعلم العربية ليعرف بها حسن المنطق، ويقيم بها وجهه، فقال: فليتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيى بوجهها فيهلك فيها.
وقيل له: إن ههنا أغيلمة يتعلمون العربية، فقال: أحسنوا، يتعلمون لغة نبيهم. وقال: أهلكتهم العجمة، يتأولون القرآن على غير تأويله.
وكان الزهري يقول: النحو في العلم بمنزلة الملح في القدر، والرامك في الطيب، وكان يقال: الإعراب حلية الكلام ووشيه، وقال: ما أحدث الناس مروءة أعجب إلي من تعلم النحو، وقال: لم يركب العز من لم يركب الأدب.
دخل أبو العالية على ابن عباس فأقعده معه على السرير، وأقعد رجالاً من قريش دونه، فرأى سوء نظرهم إليه، وحموضة وجوهم؛ فقال: ما لكم تنظرون إلي نظر الشحيح إلى الغريم المفلس؟ هكذا الأدب يشرف الصغير على الكبير. ويرفع المملوك على الولي، ويقعد العبيد على الأسرة.أهـ
قال الشاطبي (الاعتصام: 2/293) -ما مختصره-: الله عز وجل أنزل القرآن عربياً لا عجمة فيه، بمعنى أنه جار في ألفاظه وأساليبه على لغة لسان العرب، قال الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً)، وكان المنزل عليه القرآن عربياً أفصح من نطق بالضاد، وهو محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وكان الذين بعث فيهم عرباً أيضاً، فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم، وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله تعالى إلاّ من الطريق الذي نزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها.أهـ
ولو نظرت في كثير من أهل البدع التي فرقت المسلمين لوجدتها أُتيت من عدم اعتماد أصول اللسان العربي والأخذ عن أهله إما جهلا أو قصدا، فغيلان الدمشقي أول من تكلم في القدر وقال بخلق القرآن كان مولى لآل عثمان بن عفان، والجعد بن درهم كان مولى لبني الحكم، والجهم بن صفوان كان مولى لبني راسب، وعمرو بن عبيد مولى لبني تميم.
وأحيانا يكون الخطأ في فهم المراد من اللفظ لغرابته، نحو المزابنة والمحاقلة والمنابذة، 
أو لأنه من الألفاظ المشتركة، فإنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز، وقد يكون الاشتراك في اللفظ كلفظ القَرء وهل يراد منه الطهر أو الحيض؟ ومن هذا: الاختلاف في تفسير لفظ (إغلاق) في الحديث، في المسند وأبي داود وابن ماجة عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [لاَ طَلاَقَ وَلاَ عِتَاقَ فِي إِغْلاَقٍ]. قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْغِلاَقُ أَظُنُّهُ فِي الْغَضَبِ، وبهذا فسره كثير من العراقيين بينما فسره كثير من الحجازيين بالإكراه، ومنهم من فسره بجمع الطلاق في كلمة واحدة باعتبار أنه مأخوذ من غلق باب الطلاق جملة.
ومن ذلك لفظ (صبأ) في أول الإسلام، إذ كان معنى صبأ الرجل: يعني ترك دينه، ولهذا أشكل على خالد رضي الله عنه ولم يفهم مراد من قال ذلك من بني جذيمة، 
في البخاري عَنْ ابن عمَرَ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا. فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا، صَبَأْنَا. فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لاَ أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلاَ يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ فَقَالَ: [اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ]، مَرَّتَيْنِ.
وقد يعرف العالم مدلول اللفظ في اللغة ويغيب عنه مدلوله في عرف الشارع فيحمله على خلاف مدلوله الشرعي، أو يكون له في عرف الشارع معنيان أو أكثر فيحمله على أحدهما ويحمله غيره على مدلول آخر.
ومن العلماء من يقدم دلالة على أخرى يخالفه في ذلك غيره، كمن يقدم الفحوى على الظاهر أو العكس، فقد اختلف خيار الأمة في حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: [لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ]. فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ. متفق عليه.
وقد يتفق العلماء على دلالة اللفظ وموضوعه، ولكن منهم من لا يتفطن أو لا يرى دخول فرد معين تحت اللفظ إما لعدم تصوره لذلك الفرد أو لعدم حضوره بباله أو لاعتقاده أنه مختص بما يخرجه عن اللفظ العام، أو أن يفهم من العام خاصاً أو العكس، أو من المطلق مقيداً أو العكس.
أو ظن أن دلالة النص عارضها ما هو مساو لها فيجب التوقف، أو عارضها ما هو أقوى فيجب تقديمه، في الصحيحين قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمَرَ رضي الله عنهما إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ] 
نقل الإمام العيني (عمدة القاري: 12/296): عن ابن عباس قال: فقمت فدخلت على عائشة فحدثتها بما قال ابن عمر فقالت: لا والله ما قال رسول الله قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ولكنه قال إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا، وإن الله هو أضحك وأبكى ولا تزر وازرة وزر أخرى، وقال القاسم بن محمد: لما بلغ عائشة رضي الله تعالى عنها قول عمر وابن عمر قالت إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ.أهـ
فظنت عائشة رضي الله عنها أن هذا النص يخالف ما ثبت عندها من كلامه صلى الله عليه وسلم بل يخالف مقتضى القرآن الكريم، وانظر (فتح الباري: 3/152)
خامسا: الاختلاف في تحقيق المناط:
وهو إنزال حكم النص على الوقائع العامة أو الخاصة، وهو أوسع مجالا مما سبق نظرا لاتساع اختلاف الاجتهادات!! ويندرج تحته: الاختلاف في تقدير المصالح والمفاسد والموازنة بينها، وفي تقدير أحكام السياسات الشرعية، والاختلاف في تقدير أحكام القدرة والعجز وأحكام التمكين والاستضعاف، وأحكام الضرورة ورفع الحرج، والاختلاف في تقدير عوارض الأهلية المعتبرة.
ومن أراد التفصيل في هذا الموضوع فلينظر (الصواعق المرسلة لابن القيم: 2/577-631). 
على ضوء ما تقدم نحدد طريقة التعامل مع الاختلاف؛ فإذا كان في موارد الاجتهاد في أحد المساقات المذكورة وفي حدودها المقبولة شرعاً -وهو الأعم الأغلب- فلا يجوز تفريق المسلمين لأجله –والحال هذا-، بل يستمر الحوار العلمي والجدال بالحسنى مع الحفاظ على الأخوة ولوازمها.
ومن أفضل الكتب في بيان أسباب الخلاف بين العلماء: (رفع الملام) لشيخ الإسلام ابن تيمية، و(أسباب الخلاف بين العلماء) للشيخ العثيمين، و(أسباب اختلاف الفقهاء) للدكتور إبراهيم الزلمي.
فصل: أسباب الخلاف التي لا يعذر فيها المخالف: 
مرجع الأسباب التي لا يعذر فيها المخالف الحسد والبغي، والمراءاة والانتصار للذات ومن كانت هذه دوافعه للخلاف، حرم التوفيق ولم ينصف نفسه ولا غيره، وسلك طريق الشقاق، قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فالذين هداهم الله هم الذين لا يمارون ولا يبغون. 
ومن أهم أسباب الخلاف المذمومة: 
أولا: البغي:
البغي: تجاوز الحد المشروع في التعامل مع الخلاف، وهو أكثر الأسباب التي تحمل على الخلاف المذموم، وأكثر ما يقرن القرآن الاختلاف والتفرق بالبغي،إذ يقع البغي بعد إتيان العلم للمختلفين فالتعامل مع الخلاف على ضوء الموجهات الشرعية وليس بالهوى الذي يهوي بالعبد إلى مهاوي الردى، وينزلق به إلى مستنقع البغي الآسن، قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)، وقال:(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)، وقال سبحانه: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)، وقال سبحانه: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)، 
فالواجب على المسلم معرفة القدر الشرعي المناسب للتعامل مع القضية الخلافية وعدم تجاوزه، وإلا وقع في البغي المنذر بالتفرق الممزق للأمة!قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام: 159) 
قال ابن تيمية (المجموع: 14/482): وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة؛ علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها، وجدت أكثره من هذا الضرب، الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات، والقرآن محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة، بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور في قولهم: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا).أهـ
نقل الماوردي (أدب الدنيا والدين: 46) عن مالك بن دينار قال: من لم يؤت من العلم ما يقمعه، فما أوتي منه لا ينفعه، وقال بعض الحكماء: الفقيه بغير ورع كالسراج يضيء البيت ويحرق نفسه.أهـ
إن النقد الجارح الآثم خارج عن منهج أهل السنة وأخلاق السلف الصالح في النصح والنقد والحكم على الآخرين، قال الإمام الشعبي: لو أصبت تسعةً وتسعين، وأخطأت واحدة، لأخذوا الواحدة وتركوا التسعة والتسعين.أهـ
ثانيا: الحسد:
وهو آفة العصر والداء العضال الذي أودى بكثير من الناس إلى مهاوي الردى وأودية الهوى، والحسد أول معصية وأسوأ خلق، وعلى المسلم أن يتقي الله تعالى ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم الذي حسد أبانا آدم عليه السلام ولم يدعه حتى أخرجه من الجنة، ويستعيذ بالله من شرور النفس، 
وليس المستنكر وجود هذه الخصلة في نفس الإنسان فقد لا يخلو منها جسد لأنها من حظ الشيطان في نفس العبد، لكن المستنكر أن يظهرها العبد ويعمل بها فينشر شره وينفث سمه على عباد الله، قال شيخ الإسلام (المجموع: 10/125): ما خلا جسد من حسد لكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه. وقد قيل للحسن البصري: أيحسد المؤمن؟ فقال: ما أنساك إخوة يوسف لا أبا لك، ولكن عمِّه في صدرك فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدا ولسانا، فمن وجد في نفسه حسدا لغيره فعليه أن يستعمل معه التقوى والصبر، فيكره ذلك من نفسه.أهـ 
ثالثا: الغرور بالنفس وإساءة الظن بالآخرين: 
الغرور بالنفس سراب خادع، يؤدي إلى بطر الحق ورده وغمط الخلق واحتقارهم والإعجاب بالرأي، فيصر الإنسان على رأيه ولو كان خطأ، ويستخف بأقوال الآخرين ولو كانت صوابا، فالصواب ما قاله هو، والخطأ ما قاله غيره، ولو أناب واتقى وسلك منهج سلف الأمة بالإزراء بالنفس وحسن الظن بالآخرين، لدفع كثيرا من الخلاف والشقاق، 
ومن أساء الظن بأهل الفضل لم يقبل منهم خيرا ولم يجد لهم عذرا، فأفهام من سواه سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وخياراتهم خاطئة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع من إنسان خيرا كذبه، أو أوَّله، وكلما ذُكر أحد بفضلٍ طعنه وجرحه، اشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، فضلا عن الأعمال والظواهر، والمصادرة للآخر قبل معرفة رأيه، أو سماع حجته، ثم هو لا يتوقف عند هذا الحد، بل لسانه طليق في أعراض إخوانه؛ بسبهم، واتهامهم، وتجريحهم، وتتبع عثراتهم، فإن تورع عن الكلام في أعراض غيره من الفضلاء، سلك طريق الجرح بالإشارة، أو الحركة، بما يكون أخبث وأكثر إقذاعا، مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح الوجه، والتغير، والتضجر. وأنت ترى هؤلاء كالجراح، كلما مر على ملأ من الدعاة اختار منهم (ذبيحا) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المرة، تمرق من فمه مروق السهم من الرمية، ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان! وقد تكلم الشيخ بكر أبو زيد في كتابه (تصنيف الناس بين الظن واليقين) حول هذا الموضوع مفصلا من أراده فليطلبه فيه فإنه مفيد جدا.
رابعا: التعصب:
التعصب مذموم سواء كان لشخص أو لحزب أو مجموعة، ويكون لفرط حب أو فرط بغض، وهو ران يغلف القلب والعقل فيعميهما عن الحجج والبراهين.
قال الماوردي (أدب الدنيا والدين: 77): ولا ينبغي للمتعلم أن يبعثه معرفة الحق له –أي: للعالم- على قبول الشبهة منه، ولا يدعوه ترك الإعنات له على التقليد فيما أخذ عنه، فإنه ربما غلا بعض الأتباع في عالمهم حتى يروا أن قوله دليل، وإن لم يستدل، وأن اعتقاده حجة، وإن لم يحتج، فيفضي بهم الأمر إلى التسليم له فيما أخذ منه فلا يبعد أن تبطل تلك المقالة إن انفردت أو يخرج أهلها من عداد العلماء فيما شاركت؛ لأنه قد لا يرى لهم من يأخذ عنهم ما كانوا يرونه لمن أخذوا عنه فيطالبهم بما قصروا فيه فيضعفوا عن إبانته، ويعجزوا عن نصرته، فيذهبوا ضائعين ويصيروا عجزة مضعوفين.
ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلا يناظر في مجلس حفل وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة فكان جوابه عنها أن قال: إن هذه دلالة فاسدة، وجه فسادها أن شيخي لم يذكرها وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه، فأمسك عنه المستدل تعجبا؛ ولأن شيخه كان محتشما.
وقد حضرت طائفة يرون فيه مثل ما رأى هذا الجاهل، ثم أقبل المستدل علي وقال لي: والله لقد أفحمني بجهله وصار سائر الناس المبرئين من هذه الجهالة ما بين مستهزئ ومتعجب، ومستعيذ بالله من جهل مغرب.أهـ 
قال ابن تيمية (المجموع: 22/252): ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين، كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة. وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي رضي الله عنهما، فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم، ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلا بقدره في العلم والدين، وبقدر الآخرين، فيكون جاهلا ظالما، والله يأمر بالعلم والعدل، وينهى عن الجهل والظلم.أهـ 
وقال (المجموع: 11/92): وأما "رأس الحزب" فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبا فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل، والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان.أهـ 
قال العلامة اللكنوي (الرفع والتكميل: 78): إذا علم بالقرائن المقالية أو الحالية أن الجارح طعن على أحد بسبب تعصب منه عليه لا يقبل منه ذلك الجرح، وإن علم أنه ذو تعصب على جمع من الأكابر ارتفع الأمان عن جرحه وعد من أصحاب القرح.أهـ
قال الإمام ابن السبكي (طبقات الشافعية الكبرى: 1/195): إن قلت فهذا يعود بالجرح على الجارح حيث جرح لا في موضعه، قلت: أما من تكلم بالهوى ونحوه فلا شك فيه، وأما من تكلم بمبلغ ظنه، فهنا وقفة محتومة على طالب التحقيقات، ومزلة تأخذ بأقدام من لا يبرأ عن حوله وقوته، ويكل أمره إلى عالم الخفيات، فنقول لا شك أن من تكلم في إمام استقر في الأذهان عظمته وتناقلت الرواة ممادحه، فقد جر الملام إلى نفسه، ولكنا لا نقضى أيضا على من عرفت عدالته -إذا جرح من لم يقبل منه جرحه إياه- بالفسق، بل نجوز أمورا: أحدها: أن يكون واهما ومن ذا الذي لا يهم، والثاني: أن يكون مؤولا قد جرح بشيء ظنه جارحا ولا يراه المجروح كذلك كاختلاف المجتهدين، والثالث: أن يكون نقله إليه من يراه هو صادقا ونراه نحن كاذبا، وهذا لاختلافنا في الجرح والتعديل، فرب مجروح عند عالم معدل عند غيره، فيقع الاختلاف في الاحتجاج حسب الاختلاف في تزكيته، فلم يتعين أن يكون الحامل للجارح على الجرح مجرد التعصب والهوى حتى يجرحه بالجرح.
ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما؛ أصل عدالة الإمام المجروح الذي قد استقرت عظمته، وأصل عدالة الجارح الذي يثبت فلا يلتفت إلى جرحه ولا نجرحه بجرحه، فاحفظ هذا المكان فهو من المهمات.أهـ
وأكثر تنازع الناس في هذا الباب يقع حين تتعدد جهات التربية والتوجيه والقيادة، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)
خامسا: اتباع الشهوات أو الشبهات والجدال والمماراة:
الأهواء والشهوات تدفع إلى ظلم الآخرين، فحين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار يقع الخلاف المذموم وينشأ الافتراق المشئوم، والشبهات والتأويلات الفاسدة تبعد عن الحق وتضع العبد في شراك البغي ودائرة العدوان على الآخرين، بل إن اتباع المتشابه هو طريق أهل البدع والزيغ قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)، وتقدم بعض الكلام حول هذا الموضوع.
قال الشيخ عبدالعزيز البغدادي: لقد انتشر الاختلاف في الأمة أفقيًا وعمودياً في كل الفئات وعلى مختلف المستويات، وتعددت أسبابه وتنوعت ألوانه واستعلمت فيه كل الوسائل من تشويه وتسفيه وتبديع وتفسيق وتكفير، وقل ما شئت من ألفاظ العدوان على وزن تفعيل.
واستعمل فيه الخصوم كل أدوات الدفاع والهجوم، وضاقت بالعدل فيه الأرض بما رحبت، فالكل متهم والكل براء، وأعجز داء الأمة الدواء، فحضر الشهود إلا العقل، واستحضرت الحجج إلا الإنصاف، وزادت حاجة الأمة لحكيم يطفئ نار الخلاف لتكون بردًا وسلاماً على الأمة، جعلنا الله من أهل سنته وجمعنا بأهل رحمته في فسيح جنته.
ولسائل أن يسأل: هل أن أسس هذا الخلاف تستحق عناء وآثار التفرق المقيت؟ وهل هو خلاف مصيري لا يُقبل فيه إلا الإصرار على رأي وإبطال ما عداه وإلا ضاعت الأمة؟ وهل هو في الأصول؟ أم في تحقيق مناطات الأحكام وتوصيف الواقع وتكييفه فقهيا، يتسع فيها النظر، ويسوغ فيها الاجتهاد لأهله؟ أم أن الأمر ناتج خبيث لخبيئة سوء وإعجاب كل ذي رأي برأيه، مع طاعة لنفس شحيحة واتباع لهوى متسلط، مع البخل بعلياء النفس الخادع، وربما انتصار لمتبوع شوش الرؤية، وغيب الحقيقة وأضل السبيل.أهـ
سادسا: أسباب خارجية:
هنالك أسباب خارجية للخلاف بين أهل الإسلام، وهي من قبيل الأسباب المذمومة، ومنها تشغيبات ومكر أهل الديانات والحضارات الرئيسة التي ناصبت الإسلام العداء قديما وحديثا، فبعد أن جمع الله تعالى العباد على دينه وألف بين قلوب من دخله من العالمين، فلم يغمط حق أحد، عربيا كان أو أعجميا، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) فأبو بكر قرشي وبلال حبشي، وسلمان فارسي، وصهيب رومي، وصلاح الدين كردي، والذهبي تركماني، وإقبال هندي.
فكان المسلمون صفا واحدا حتى انتشرت الشعوبية فطعن المجرمون بالعرب كوسيلة للطعن في الإسلام كما استخدم آخرون شعار العروبة الخالية من الإسلام وسيلة أخرى للطعن في الإسلام، فاشتغلوا بذم غير العرب وإبعادهم عن إخوانهم من المسلمين العرب، 
يقول المبشر لورنس براون: يجب أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير.أهـ
وكثيرا ما يحقد العجم على العرب لخصال أنعم الله بها على العرب رغم كونهم مسلمين أو ممن ينتسب للإسلام وخاصة الفرس والترك، فيسلكون مسلك الشعوبية وبغض العرب، وكان للفرس وللمجوس الدور الأبرز في الطعن بالإسلام وصحابة النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن وإغراء الناس حتى يختلفوا ليكونوا هدفا سهلا، فاتخذوا من التشيع والرفض وسيلة ناجعة للقول بتحريف القرآن ورد الأحاديث النبوية وسب الصحابة وأعلام الأمة سلفا وخلفا، والواقع خير شاهد، فهم يذمون العرب المسلمين ويلعنونهم، بل أسسوا دينا جديدا جعلوا ركيزته ذم أهل الإسلام من العرب؛ الصحابة ومن تبعهم بطريقة قبيحة مفضوحة،
وربما أعانهم على ذلك بعض الشخصيات والجماعات الإسلامية العربية، وهذه معرّة فاضحة وهتكة واضحة، ظنا منهم أنهم بمسلكهم هذا يكونون غير متعصبين ولا يميزون بين المسلمين عربا وعجما، وهم بهذا يخدعون أنفسهم ويداهنون حسهم، ومما دفعهم لهذا مبالغة ممن يعظم القومية العربية ولو كان صاحبها كافرا عدوا لله والرسول، وكلا المسلكين باطل، فالقومية التي تفرق بين المسلمين بحسب قوميتهم دون أي سبب آخر مسلك باطل، والشعوبية التي تحط من قدر العرب دونما جريرة ارتكبوها مسلك باطل وردي، فإن الله تعالى خص العرب بمزايا حباهم بها واختارهم ليكونوا مادة الإسلام وحملة الرسالة، وهم أفهم وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بياناً وتمييزاً للمعاني، 
وقد اختار آخر الأنبياء وخاتمهم عربيا وجعل آخر الكتب والمهيمن عليها عربيا، وليس في هذا مذمة لغير العرب، بل فيه الخير العظيم للعرب والعجم والعالمين كافة، وهذه قضية جوهرية لها أسبابها وليست عابرة، وكل هذا بحكمة الله سبحانه وفضله، ليقوموا بعبادة الله أحسن قيام فيدعوا الناس جميعا لعبادته لا ليتعالوا على عباد الله بلغتهم وقوميتهم وأشكالهم، وخير الأمور النمط الأوسط إليه يرجع العالي وفيه يلتحق التالي، والفضيلة عدل وسط بين رذيلتين فما جاوز التوسط والعدل خرج عن حد الفضيلة.
وهذا الموضوع يحتاج إلى مزيد بيان وضوابط عسى أن يكون له بحث خاص.
وقد أسهب ابن تيمية في الكلام حول موضوع العرب والعربية وأهمية اللسان العربي في كتابه الرائع (اقتضاء الصراط المستقيم) والشاطبي في كتابه الفذ (الاعتصام) أوصي المسلمين كافة بقراءتهما.
وقد زرع الغرب والصهيونية العالمية من مسلوبي الفضائل موفوري الرذائل كيانا سرطانيا في قلب الأمة ليعمل على تمزيقها عن قرب، وأنهوا الخلافة الإسلامية لتفكيك عرى الأخوة بين المؤمنين عرباً وتركاً.
وقد كان ليهود الحصة الأعظم لتفريق أهل الإسلام قديما وحديثا ونشر البدع من بدعة الرفض والتجهم وغيرها، فعبدالله بن سبأ كان يهوديا فأظهر الإسلام ليكيد له. 
وللنصارى جهودهم التبشيرية والفكرية ومن أبرزهم البستاني واليازجي والشدياق وغيرهم، وكانت لهم محاولات وصولات وجولات كان لها أثرها الفعال في شق صف أمة الإسلام، كما نشر أسلافهم البدع كبدعة القدر، فغيلان الدمشقي كان قبطياً قدرياً، لم يتكلم أحد في القدر قبله، ودعا إليه معبد الجهني وقد ذكر هذا طائفة من العلماء منهم الأوزاعي والمقريزي وغيرهم.
وقد وصل الأثر السيئ لنشاط الأعداء إلى الوقيعة بين الجماعات الإسلامية عامة والجهادية خاصة، فوقعت الخصومة بينها وتدابر الإخوة وتناحر الأصحاب، ليكون المستفيد الأكبر هو العدو المشترك للفصائل والجماعات الإسلامية جميعا، والله المستعان وعليه التكلان. 

فصل: أقسام الاختلاف:
الاختلاف ينقسم بعدة اعتبارات يتباين الحكم عليها وعلى المختلفين بحسب ذلك فمنها:
1- باعتبار المختلفين مدحا وذما:
قال ابن القيم في (الصواعق المرسلة: 2/514-518): الاختلاف في كتاب الله نوعان:
أحدهما: أن يكون المختلفون كلهم مذمومين، وهم الذين اختلفوا بالتأويل وهم الذين نهانا الله سبحانه عن التشبه بهم في قوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا)، وهم الذين تسود وجوههم يوم القيامة وهم الذين قال الله تعالى فيهم: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ)، فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد، وهذا النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف وفساد ذات البين ويوقع التحزب والتباين.
والنوع الثاني: اختلاف ينقسم أهله إلى محمود ومذموم، فمن أصاب الحق فهو محمود، ومن أخطأه مع اجتهاده في الوصول إليه فاسم الذم موضوع عنه، وهو محمود في اجتهاده معفو عن خطئه، وإن أخطأه مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم.
ومن هذا النوع المنقسم قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ)، وقال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ).
والاختلاف المذموم كثيرا ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقر له خصمه به، بل يجحده إياه بغيا ومنافسة، فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه، وهذا شأن جميع المختلفين بخلاف أهل الحق، فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به فيأخذون حق جميع الطوائف ويردون باطلهم فهؤلاء الذين قال الله فيهم : (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فأخبر سبحانه أنه هدى عباده لما اختلف فيه المختلفون، وكان النبي يقول في دعائه اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. 
فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هُدي لما اختلف فيه من الحق، فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلا وأقومهم قيلا، وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى، وهدى يقر بعضهم بعضا عليه ويواليه ويناصره وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم بالتناظر والتشاور وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب، فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركه قوة بصيرته، فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة وعرضت على الحاكم الذي لا يجور وهو كتاب الله وسنة رسوله وتجرد الناظر عن التعصب والحمية، واستفرغ وسعه وقصد طاعة الله ورسوله فقل أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه، فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه، ومراتب القرب والبعد متفاوتة وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقا في الكلمة ولا تبديدا للشمل. 
فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع كالجد مع الإخوة، وعتق أم الولد بموت سيدها، ووقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وفي الخلية والبرية والبتة، وفي بعض مسائل الربا، وفي بعض نواقض الوضوء وموجبات الغسل، وبعض مسائل الفرائض وغيرها، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة، من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغناً، ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم، بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له، ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه، فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر، وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق.أهـ 
قال الإمام أبو المظفر السمعاني (قواطع الأدلة: 2/308): والضرب الآخر من الاختلاف لا يزيل الألفة ولا يوجب الوحشة ولا يوجب البراءة ولا يقطع موافقة الإسلام؛ وهو الاختلاف الواقع في النوازل التي عدمت فيها النصوص في الفروع وغمضت فيها الأدلة فيرجع في معرفة أحكامها إلى الاجتهاد، ويشبه أن يكون إنما غمضت أدلتها وصعب الوصول إلى عين المراد منها امتحانا من الله سبحانه وتعالى لعباده لتفاضل في درجات العلم ومراتب الكرامة كما قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11) وقال: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف: 76).أهـ
2- باعتبار المسائل المختلف فيها:
فمنه اختلاف التنوع: وهو أن يذكر كل من المختلفين من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، وهو اختلاف صوري، وكذا ما يشبه التفاوت في الكلام فيكون بعضه أبلغ من بعض، ويذم من اختلاف التنوع ما كان في باطل.
قال ابن القيم (الصواعق: 2/518): وهنا نوع آخر من الاختلاف، وهو وفاق في الحقيقة وهو اختلاف في الاختيار والأولى، بعد الاتفاق على جواز الجميع، كالاختلاف في أنواع الأذان والإقامة، وصفات التشهد والاستفتاح وأنواع النسك الذي يحرم به قاصد الحج والعمرة، وأنواع صلاة الخوف والأفضل من القنوت أو تركه ومن الجهر بالبسملة أو إخفائها ونحو ذلك، فهذا وإن كان صورته صورة اختلاف فهو اتفاق في الحقيقة.أهـ
ومنه اختلاف التضاد وهو اختلاف حقيقي ومنه ما هو سائغ وآخر غير سائغ.

3- باعتبار النتيجة والثمرة والأثر:
فمنه ما يقتضي عداوة وشقاقا، ويقع في الاختلاف الحقيقي، كالاختلاف في الأصول المجمع عليها.
وآخر لا يقتضي عداوة وشقاقا، ويقع في عامة الاختلاف الصوري وقد يقع في الاختلاف الحقيقي كالاختلاف في كثير من الفروع باجتهاد سائغ.
ومنه ما يؤثر في الأحكام ومنه ما هو ذهني فقط ولا ينبني عليه شيء. ولمزيد من التفصيل ينظر (فقه الائتلاف) للخزندار.
فصل: من أنواع المسائل التي يختلف فيها الناس وحكم المختلفين فيها:
حكم الاختلاف يتبع نوع المسائل التي يختلف الناس عليها ومدى تحقيقهم للواجب المترتب عليهم ووجود مانع من الموانع، فالمسائل أنواع: 
الأول: أصول الدين التي ثبتت بالأدلة القاطعة، كالإيمان بالله ووحدانيته، وملائكته وكتبه ورسله وأن القرآن كلام الله لا نقص فيه ولا زيادة والإيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم والبعث بعد الموت وفرضية الصلوات الخمس وصوم رمضان، وحرمة الزنا والخمر ونحو ذلك. فلا محل للاختلاف فيها، فمن أصاب الحق فهو مصيب، ومن أخطأه فهو كافر.
الثاني: مسائل قد تخفى أدلتها أو يتأول المجتهد فيها كرؤية الله في الآخرة، وخروج الموحدين من النار، فمنهم من كفر المخالف، ومنهم من حمله على الكفر الأصغر ككفر النعمة.
الثالث: المسائل التي وقع الخلاف فيها بين خيار الأمة سلفا وخلفا، فيعذر المخطئ فيها، بل له أجر على بذله الأسباب والجهد للوصول للحق، وذلك للأسباب التي ذكرت آنفا، قال الشيخ العثيمين (الخلاف بين العلماء): إن من نعمة الله تبارك وتعالى على هذه الأُمَّة أن الخلاف بينها لم يكن في أصول دينها ومصادره الأصيلة، وإنما كان الخلاف في أشياء لا تمس وحدة المسلمين الحقيقية وهو أمر لابد أن يكون.أهـ
فالمجتهد الذي أخطأ في بعض المسائل العقدية التي خالف فيها اعتقاد أهل السنة والجماعة (الفرقة الناجية)، قد يكون معذورا،
قال شيخ الإسلام (المجموع: 3/179): وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً، فإن المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته.أهـ
والمجتهد الذي خالف بعض ما ورد في الكتاب والسنة قد يكون معذورا، 
قال شيخ الإسلام (المجموع: 13/65): فلما طال الزمان خفي على كثير من الناس ما كان ظاهراً لهم، ودق على كثير من الناس ما كان جلياً لهم، فكثر من المتأخرين مخالفة الكتاب والسنة ما لم يكن مثل هذا في السلف وإن كانوا مع هذا مجتهدين معذورين يغفر الله لهم خطاياهم، ويثيبهم على اجتهادهم، وقد يكون لهم من الحسنات ما يكون للعامل منهم أجر خمسين رجلاً يعملها في ذلك الزمان، لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا من يعينهم على ذلك. أهـ
ومن العلماء من يكون قصده متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن قد يجتهد فيخطئ، فهذا لا يكفر ولا يفسق، سواء كان ذلك في المسائل العملية أو العلمية، ومن خالف هذا المنهج فإنما يتبع مسالك أهل البدع والفرقة.
قال ابن تيمية (منهاج السنة: 3/60): إن المتأول الذي قصدهُ متابعةُ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُكَفَّر بل ولا يُفَسَّق إذا اجتهد فأخطأ، وهذا مشهور عند الناس في المسائل العملية، وأما مسائل العقائد فكثير من الناس كفّروا المخطئين فيها، وهذا القول لا يُعرف عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا يُعرف عن أحد من أئمة المسلمين، وإنما هو في الأصل من أقوال أهل البدع، الذين يبتدعون بدعة، ويكفرون من خالفهم، كالخوارج والمعتزلة والجهمية.أهـ
ومنهم من خالف ببعض أمور الإيمان جاهلا أو متأولا لكنه معذور، 
قال ابن تيمية (المجموع: 12/494): فمن كان قد آمن بالله ورسوله، ولم يعلم بعض ما جاء به الرسول، فلم يؤمن به تفصيلاً: إما أنه لم يسمعه، أو سمعه عن طريق لا يجب التصديق بها، أو اعتقد معنى آخر لنوع من التأويل الذي يعذر به، فهذا قد جعل فيه من الإيمان بالله وبرسوله، ما يوجب أن يثيبه الله عليه، وما لم يؤمن به فلم تقم عليه به الحجة التي يكفر مخالفها، وأيضاً فقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ في الدين ما لا يَكفُر مخالفه، بل ولا يَفسُق بل ولا يأثم مثل الخطأ في الفروع العملية.أهـ
وربما يكون الخلاف في حِلّ أمور أو تحريمها بخلاف المعلوم عند المسلمين بسبب تأول النصوص باجتهاد خاطئ، 
قال ابن تيمية (المجموع: 35/75): وكل من كان باغياً أو ظالماً أو معتدياً أو مرتكباً ما هو ذنب فهو قسمان: متأول وغير متأول، فالمتأول المجتهد: كأهل العلم والدين الذين اجتهدوا واعتقد بعضهم حل أمور، واعتقد الآخر تحريمها، كما استحل بعضهم بعض أنواع الأشربة، وبعضهم بعض المعاملات الربوية، وبعضهم بعض عقود التحليل والمتعة، وأمثال ذلك، فقد جرى ذلك وأمثاله من خيار السلف. فهؤلاء المتأولون المجتهدون غايتهم أنهم مخطئون، وقد قال تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وقد ثبت في الصحيح أن الله استجاب هذا الدعاء.أهـ
والباغي على المسلمين قد يكون متأولاً أو غير متأول، فإن كان متأولاً مجتهداً قد استفرغ جهده في معرفة الأمر المختلف فيه واعتقد أنه على الحق فإنه لا يَأثَم ولا يَفسُق، وإن كان يُقاتَل لدفع ضرره، أما لو كان غير متأول فهو مذنب وإن كان الذنب كبيرا، والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة، ولا يشمل هذا الكلام من سلك مسلك الباطنية الذين يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، فللكلام على هذا الصنف من الناس موضع آخر. 
قال ابن تيمية (المجموع: 35/76): أما إذا كان الباغي مجتهداً متأولاً، ولم يتبين له أنه باغ، بل اعتقد أنه على الحق وإن كان مخطئاً في اعتقاده لم تكن تسميته باغياً موجبة لإثمه، فضلاً عن أن توجب فسقه. والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين، يقولون مع الأمر بقتالهم: قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم لا عقوبة لهم، بل للمنع من العدوان، ويقولون: إنهم باقون على العدالة لا يفسقون. ويقولون: هم كغير المكلف، كما يمنع الصبي والمجنون والناسي من العدوان أن لا يصدر منهم، بل تمنع البهائم من العدوان، ويجب على من قتل مؤمناً خطأ الدية بنص القرآن مع أنه لا إثم عليه في ذلك، وهكذا من رفع إلى الإمام من أهل الحدود وتاب بعد القدرة عليه فأقام عليه الحد، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والباغي المتأول يجلد عند مالك والشافعي وأحمد ونظائره متعددة، ثم بتقدير أن يكون البغي بغير تأويل: يكون ذنباً والذنوب تزول عقوبتها بأسباب متعددة: بالحسنات الماحية والمصائب المكفرة، وغير ذلك.أهـ 
وإذا كان الخلاف في دقائق العلم فإن الخطأ فيه مغفور بإذن الله من باب أولى ولو كان في المسائل العلمية، وقد ثبت أن كثيراً من فضلاء الأمة لهم كبوات يعذرون عليها، فلكل جواد كبوة بل كبوات ولكل صقيل نبْوَة بل نبْوات، 
قال ابن تيمية (المجموع: 20/165-166): ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة. وإذا كان الله يغفر لمن جهل تحريم الخمر لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه إذا كان مقصوده متابعة الرسول بحسب إمكانه هو أحق بأن يتقبل الله حسناته، ويثيبه على اجتهاداته، ولا يؤاخذه بما أخطأ، تحقيقاً لقوله: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، وأهل السنة جزموا بالنجاة لكل من اتقى الله تعالى، كما نطق به القرآن، وإنما توقفوا في شخص معين لعدم العلم بدخوله في المتقين.أهـ
تنبيه هام جدا: دائرة العذر والاعتذار تشمل النوعين الثاني والثالث من أنواع المسائل المختلف فيها دون الأول إذ لا محل للاختلاف فيه، اجتنابا للّبس ولكي لا يفهم الكلام خطأً.

الباب الرابع:
القسطاس المستقيم
والميزان القويم














فصل: أوسع أبواب الخلاف وأكثرها تعقيدا: 
الخلاف في أحكام السياسة يمثل أوسع أبواب الخلاف بين المسلمين في زماننا وبخاصة عندما يتولى بعضهم المسئوليات في السياسة والحكم أو عندما يقتربون منها، فإن ترك العمل السياسي سبب رئيس في جلب الدمار والخراب بل لا يمكن إقامة الدين من دون سياسة شرعية حاكمة، بيد أن الولوج بالعمل السياسي من دون إعداد يعتبر مزلة أقدام ومضلة أفهام قد يضيع معه كثير من المبادئ، ولا تنفع حينذاك صيحات النذير والتحذير أو الاتهام.
وإن من المؤسف جدا أن يسمي بعض الفضلاء السياسة "بالتياسة" لإبعاد الخيرين عن مضمارها، لتخلو الساحة لسقط المتاع الباحثين عن مكان ليس لهم، يقابل أولئك الفضلاء آخرون يقضون وقتهم لهثا وراء تزويق الكاذبين ودعايات المبطلين، يحسبون كل بيضاء شحمة وكل سوداء تمرة، ليس لهم هم سوى المشاركة فيما يسمونها اللعبة السياسية، يعملون جهدهم لتمرير تعاليم الدين الجديد الذي يسمونه "الديمقراطية" باسم الإسلام والشورى، وشتان بين مشرق ومغرب.
وللأخ الدكتور إبراهيم الشمري رسالة رائعة حول موضوع الديمقراطية يحسن الرجوع إليها.
إن الاجتهاد في أبواب السياسة الشرعية يلفه كثير من التعقيدات، فمجالاته كثيرة ومتشعبة جداً، والنصوص الواردة في هذا الباب غالبها عامة أو مجملة أو محدودة، وإن كانت تحمل في طياتها القواعد العامة والضوابط الحاكمة، فلابد من الاجتهاد لاستنباط ما يناسب الوقائع الكثيرة المتجددة، والاجتهاد في هذه المسائل ساحة خصبة للخلاف. 
إضافة لذلك، فإن الوصول إلى الأحكام في السياسة يقتضي واقعاً معاشاً، وعقولاً لبيبة رشيدة تجمع بين فقه النصوص ومقاصدها مع فقه الواقع وتعقيداته، وبهذا التفاعل بين النصوص والواقع عبر تلك العقول الرشيدة تتوالد الأحكام الشرعية التفصيلية لهذا الباب.
لقد توقف هذا التفاعل عند كبوة الأمة التي تمثلت بتمزيق الأمة والتآمر على الخلافة العثمانية وإسقاطها إذ أدى هذا إلى عدم المواكبة والتواصل، لأن كثيراً منها أحكام تراكمية، وهذا يعني وجود مساحة كبيرة من الأحداث توقف فيها توالد فقه السياسات الشرعية المواكبة للعصر، فنحتاج إلى تغطية تلك المساحة أو بعضها على الأقل، ضماناً للانتقال السليم من ذلك الجانب إلى واقعنا الحالي، فما لا يدرك كله لا يترك كله، وإن النهوض من هذه الكبوة يحتاج إلى جهود عظيمة متواصلة تعتمد مبدأ التكامل والعمل المؤسسي والبناء على الأسس الصحيحة التي أرساها السابقون وعدم الابتداء من الصفر، وحسن النظر في تجارب الماضي ومعطيات الحاضر وتطلعات المستقبل. 
ومما يزيد الأمر تعقيداً أن مسار الأحداث قد ازداد تعقيداً خلال العقود الأخيرة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية كله، وفي الميادين كافة. فموضوع العلاقات بين الدول غدا يحمل مفاهيم جديدة تحتاج لفقه واجتهاد، وليس بأقل منه الجانب الاقتصادي وعولمة الاقتصاد، وكذا الجوانب العسكرية والأمنية والمعلوماتية والإعلامية وغيرها، كلها ميادين تتطلب اجتهادات جديدة لتعالج واقعاً تزدحم فيه المصالح والمفاسد بشكل معقد جدا.
فالأمر أعظم مما يتصور، ويحتاج لفقه عميق يجب أن لا نظلم فيه أنفسنا أو إخواننا ولا نظلم فيه أمتنا.
ولأجل إحياء هذا الفقه فإن الأمر يتطلب كثيرا من البحث والنظر والاجتهاد الذي يجب أن يقوم به العلماء الواعون الذين يجمعون بين العلم الشرعي ومعرفة الواقع ومواكبة الأحداث والشمولية والمؤسسية واعتماد الشورى بين أهل الشأن والتكامل العلمي فليست القضية هينة سهلة بل معقدة شائكة، وينبغي نشر ركائز السياسة الشرعية ليفقهها الناس فيعينوا أهل الشأن على تحقيق مقاصدها، ومن ذلك:
ü ضبط وتحديد الثوابت الشرعية الحاكمة على فقه هذا الباب والتي لا تحتمل الاجتهاد.
ü ضبط وتحديد المتغيرات وهي مواضع الاجتهاد التي يسع العلماء أهل الشأن الاجتهاد فيها.
ü الضوابط الشرعية الموجهة لهذا الاجتهاد.
ü التكييفات الفقهية للوقائع الجزئية التي تجددت خلال غياب الأمة عن واقع الأحداث وربطها بكلياتها الشرعية تمهيداً لإعمال النظر الاجتهادي فيها.
من دون هذا فإن الميدان مرشح لأن يبقى مصدراً متواصلاً للخلط والفتنة بين المسلمين.
فصل: التفريق بين الأحكام في مرحلة الدعوة والبناء والأحكام في مرحلة تعيّن الجهاد والدفع العام: 
تمر الأمم جميعا بمراحل مختلفة من العسر واليسر والظهور والضمور والعلو والدنو، فالأيام دول والدهور غِيَر، قال تعالى: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران:140)، وسنة التدافع ماضية على الجميع لولاها لذهب كثير من الخير، قال سبحانه: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة: من الآية251)، وقال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: من الآية40). 
وقد جعل الله تعالى في كل أقداره حكما بالغة وألطافا ظاهرة وخافية، علينا أن نتلمس ذلك ونعتبره.
ولابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات، ليتكلم بعلم وعدل ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات. 
ونعني بمرحلة الدعوة والبناء هي المرحلة التي تكون فيها الأمة قوية والثغور محمية، ومرحلة الدفع العام هي التي يصبح فيها الجهاد فرض عين على الجميع حين تتعرض الأمة فيها للاحتلال والعدوان بشتى صوره، 
فأما في حال السعة والقوة عند مرحلة الدعوة والبناء وعدم تسلط الأعداء بصورة مباشرة يكون الفقه والموازنة بين مصالح ومفاسد في درجات أدنى من قضية بقاء الأمة أو زوالها واجتثاثها، إذ يكون النظر في مصالح الناس في دينهم ودنياهم ومعاشهم ونظام الحكم وقضاياه ومسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، وفي هذا الحال يكون وقوع الخلاف في مثل هذه المسائل وتطبيقاتها ضمن طاقة الأمة.
وأما في حال وقوع هجمة شرسة من الأعداء فإن الأمة تواجه مفسدة عظمى وأخطارا كبرى لاحتمال زوال كيانها وطمس هويتها وتشتُت شملها بسبب الاحتلال بأنواعه أو النفوذ بأشكاله، فالواجب –والحال هذه- احتمال المفسدة الصغرى لدفع المفسدة العظمى حين التعارض وعدم إمكان إزالتهما جميعا أو إذا كانت إزالة الصغرى تؤدي إلى التفرق المانع من درء المفسدة العظمى.
وفي هذه الحال فإن الجهاد متعين ولو كان بإمرة فاجر أو مع عسكر كثير الفجور إن لم يتيسر من هو أفضل منهم، ولا يجوز تعطيل جهاد الدفع العام لعدم وجود الإمام الصالح أو الجماعة الصالحة.
وقد يستلزم الدفع العام وردّ العدو عن الحمى التعاون مع بعض المسلمين من ذوي المعاصي والفجور فيُحتمل هذا الأمر درءاً للمفسدة الأعظم وهي ذهاب دين الجميع الطائع والعاصي عند استيلاء الكفار على بلاد المسلمين. وهذه القضية لو أدركها كثير من العاملين للإسلام في هذه الأزمان لأمكن إصلاح أعداد كثيرة من الناس عندما نصطحبهم معنا في هذا الخير، ولأمكن الاستفادة من طاقات هائلة معطلة.
قال ابن تيمية (المجموع: 28/506-507): ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور، فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضرراً في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها. فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه.أهـ 
نعم، ويتأكد هذا عند حلول الخطب العام الذي يهدد أصل الدين، فجهاد الكفار فرض مع كل أمير أو طائفة هي أولى بالإسلام ولو كان فيهم بعض المعاصي، دون أن يطيعهم في معصية الله، وهذه هي الطريقة الصحيحة الوسطى بين مسلك الخوارج ذوي الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، ومسلك الذين يطيعون الأمراء في كل أمر ولو كان في معصية ظاهرة وخطيئة مؤكدة، في الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- حُنَيْنًا فَأَمَرَ بِلاَلاً فَنَادَى فِي النَّاسِ: [إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ]، وفي المسند عَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: [إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ]. صحيح الجامع (1866)
قال الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 6/180): قال ابن المنيّر: لا يتخيل في الإمام إذا حمى حوزة الإسلام وكان غير عادل أنه يطرح النفع في الدين لفجوره فيجوز الخروج عليه، فأراد أن هذا التخيل مندفع بهذا النص، وأن الله قد يؤيد دينه بالفاجر، وفجوره على نفسه.أهـ
قال الإمام المناوي (فيض القدير: 2/328): [َإِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ]، واللام للعهد والمعهود الرجل المذكور أو للجنس ولا يعارضه خبر مسلم [إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ] لأنه خاص بذلك الوقت وحجة النسخ شهود صفوان بن أمية حنينا مشركا كما قال ابن المنير فلا يتخيل في إمام أو سلطان فاجر إذا حمى بيضة الإسلام أنه مطروح النفع في الدين لفجوره فيجوز الخروج عليه وخلعه لأن الله تعالى قد يؤيد به دينه وفجوره على نفسه فيجب الصبر عليه وطاعته في غير إثم ومنه جوزوا الدعاء للسلطان بالنصر والتأييد مع جوره.أهـ
قال شيخ الإسلام (المجموع: 28/255): اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة ؛ قدم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها؛ فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينا؛ كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه؛ وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزى مع القوي الفاجر. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ]، وروي [بِأَقْوَامٍ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ]، وإن لم يكن فاجرا كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده. 
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب منذ أسلم وقال: [إن خالدا سيف سله الله على المشركين]، مع أنه أحيانا قد كان يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه -مرة- قام ثم رفع يديه إلى السماء وقال: [اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ]، لما أرسله إلى بني جذيمة فقتلهم وأخذ أموالهم بنوع شبهة ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض من معه من الصحابة حتى وداهم النبي صلى الله عليه وسلم وضمن أموالهم؛ ومع هذا فما زال يقدمه في إمارة الحرب، لأنه كان أصلح في هذا الباب من غيره وفعل ما فعل بنوع تأويل.أهـ
وقال (المجموع: 28/508): إن الطريقة الوسطى التي هي دين الإسلام المحض، جهاد من يستحق الجهاد مع كل أمير وطائفة هي أولى بالإسلام منهم، إذا لم يمكن جهادهم إلا كذلك، واجتناب إعانة الطائفة التي يغزو معها على شيء من معاصي الله، بل يطيعهم في طاعة الله، ولا يطيعهم في معصية الله، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذه طريقة خيار هذه الأمة قديماً وحديثاً، وهي واجبة على كل مكلف، وهي متوسطة بين طريق الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقاً وإن لم يكونوا أبرارا.أهـ 
وهذا لا يعني إطلاقا تقديم فسقة الناس مع وجود المفسدة الراجحة أو خلو المصلحة الراجحة لهذا الأمر وإمكان تقديم من هم أولى في إدارة الصراع مع الأعداء، ولا يعني أيضا التغاضي عن العظائم التي يرتكبها من تقدم الناس أو قُدم عليهم، بل يجب الأخذ على أيديهم لكن وفق الضوابط الشرعية والتوجيهات النبوية.
فصل: الحكم بحسب المصلحة الغالبة والمفسدة الغالبة:
إذا تعذر إقامة كل ما نؤمن به من الشريعة والعدل ولم يمكن إلا بعض ذلك فإنه يجب الحرص عليه لأن هذا هو الفقه بعينه، فكثيرا ما تقترن الحسنات بالسيئات في حياتنا الدنيا، حتى يصعب فعل واحدة وترك الأخرى في ذات الوقت والحال، ففي أمور الدنيا لا توجد مصلحة محضة كما لا توجد مفسدة محضة، والشرع الحكيم يعتبر المصلحة الغالبة ويلغي المفسدة المغلوبة، حين الأمر بالشيء، كما أنه يعتبر المفسدة الغالبة ويلغي المصلحة المغلوبة حين النهي عن الشيء.
قال ابن تيمية (المجموع: 10/364): قد يقترن بالحسنات سيئات إما مغفورة أو غير مغفورة، وقد يتعذر أو يتعسر على السالك سلوك الطريق المشروعة المحضة، إلا بنوع من المحدث لعدم القائم بالطريق المشروعة علماً وعملاً. فإذا لم يحصل النور الصافي بأن لم يوجد إلا النور الذي ليس بصاف وإلا بقي الإنسان في الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهى عن نور فيه ظلمة، إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه، وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية. أهـ
قال الإمام العز بن عبد السلام (قواعد الأحكام في مصالح الأنام: 83): إذا اجتمعت مصالح ومفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه وتعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)، وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة، قال الله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا). حرمهما لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما.
أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها، وأما منفعة الميسر فبما يأخذه القامر من المقمور وأما مفسدة الخمر فبإزالتها العقول، وما تحدثه من العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وأما مفسدة القمار فبإيقاع العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذه مفاسد عظيمة لا نسبة إلى المنافع المذكورة إليها. وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة، وإن استوت المصالح والمفاسد فقد يتخير بينهما وقد يتوقف فيهما، وقد يقع الاختلاف في تفاوت المفاسد.أهـ
قال الإمام الشاطبي (الموافقات: 1/44) -باختصار-: فإن المصالح الدنيوية -من حيث هي موجودة هنا- لا يتخلص كونها مصالح محضة، كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود، فإن هذه الدار وضعت على الامتزاج بين الطرفين والاختلاط بين القبيلين، فمن رام استخلاص جهة فيها لم يقدر على ذلك، وبرهانه التجربة التامة من جميع الخلائق، وأصل ذلك الإخبار بوضعها على الابتلاء والاختبار والتمحيص، قال الله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)،وقال: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، وما في هذا المعنى، وقد جاء في الحديث: [حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ]، فلهذا لم يخلص في الدنيا لأحد جهة خالية من شركة الجهة الأخرى.
فإذا كان كذلك، فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى، فهي المفسدة المفهومة عرفا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة، فمطلوب، ويقال فيه: إنه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة، فمهروب عنه، ويقال: إنه مفسدة، وإذا اجتمع فيه الأمران على تساوٍ، فلا يقال فيه أنه مصلحة أو مفسدة على ما جرت به العادات في مثله، فإن خرج عن مقتضى العادات، فله نسبة أخرى، وقسمة غير هذه القسمة.
وأما النظر فيها من حيث تعلق الخطاب بها شرعًا فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعها مفسدة أو مشقة، فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه، وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد، فرفعها هو المقصود شرعا، ولأجله وقع النهي، ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي في مثلها، حسبما يشهد له كل عقل سليم، فإن تبعتها مصلحة أو لذة، فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل، بل المقصود ما غلب في المحل، وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي، كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر.
فإن الشارع -مع قصده التشريع لأجل المصلحة- لا يقصد وجه المفسدة، مع أنها لازمة للمصلحة.أهـ
مَن يحدد المصلحة ودرجتها والمفسدة ودركتها؟
تقدير المصالح والمفاسد ليس بالتشهي ولا بالتمني ولا باتباع الهوى ومطالب النفس، وإنما وفق الأصول الشرعية والمقاصد الكلية والأدلة الصحيحة واعتبار الواقع والحال والزمان والشخص، ويحتاج تقدير ذلك إلى تجرد وعلم ولا يجوز أن يكون هذا الموضوع محلا لحدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام ولا لأهل الأغراض الدنيوية الدنية ولا للمتعصبين والمتحزبين بالباطل، ولأهمية هذا الموضوع فإن كبار أهل العلم كتبوا فيه وأصلوه وفرعوه واهتموا ببيانه أعظم الاهتمام، ومن أشهرهم: الإمام الشاطبي في كتابه الفذ (الموافقات في أصول الشريعة) وهو عظيم جدا في هذا الباب، والإمام العز بن عبدالسلام في كتابه الرائع (قواعد الأحكام في مصالح الأنام) والإمام القرافي في كتابه الفاخر (الفروق) وامتلأت كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم بتفاصيل هذا العلم وخاصة كتاب (إعلام الموقعين)، وممن برع فيه العلامة الطاهر ابن عاشور، ومن المعاصرين العلامة أحمد الريسوني وله كتاب (مقاصد الشريعة).
ولئن كانت أصول هذا العلم منشورة في كتب العلماء، إلا أنه ينبغي الحذر الشديد من الفتيا في علم المصالح والمفاسد وتقديرهما إلا لأهل الشأن وخاصة في القضايا الكبرى والنوازل وما تعم به البلوى، فكثيرا ما يخطئ الناس في تلكم التقديرات، وليس من قصدنا توضيح الأحكام في هذا الموضوع الهام في بحثنا هذا إنما أردنا التنويه وقصدنا التنبيه وحسب، فمن رام التفصيل فلينظر في الكتب التي ذكرناها.
وللباحث ثلاث رسائل منشورة تمثل خلاصات في موضوع المصالح والمفاسد. 
فصل: التوحيد ومصالح الأمة أم العجب ومطالب النفس؟ 
العُجبُ هو داء وبيل ومرض عضال يصيب الأمم والأفراد، وتعظم المصيبة بهذا الخلق الذميم -وكلنا يزعم أنه من براء- بادعاء كل واحد أنه أكثر الأمة اهتماما بقضاياها وأولى الناس بهمومها ومشاكلها، بيد أن النهوض بالأمة لا يكون إلا إذا قدمت مصلحة الأمة على أي مصلحة دونها ومصلحة الجماعة على مصلحة الفرد أيا كان، وإلا كانت دعوى خدمة مصالح الأمة دعوى زائفة عالقة في تكّة سراويل إبليس، إذ تُفرَّقُ الأمة بدعوى لمّ شملها وتُحطم قوتها اتباعا للأهواء بشبهة الحفاظ على هويتها.
ولا شك أن الساعي في هذا الخلق الشائن -العُجب- ساع في فُرقة عاثرة نابعة من خبيئة شر زاحرة ولا بد له من مسارعة بتوبة نصوح ماحية. 
إن العاقل بطبعه يؤثر من الأفعال التي تختلط فيها المصالح والمفاسد، ما رجحت مصلحته على مفسدته، وينفر مما رجحت مفسدته على مصلحته، لكن من الناس من ينظر في اختياره لنفسه لا إلى الجماعة أو الأمة، فيؤثر –أحيانا- ما فيه مصلحته ولو أضر بالجماعة أو الأمة، وينفر مما يراه مفسدة عليه ولو كانت فيه مصلحة للجماعة أوالأمة.
ومن الناس من يتذرع بذريعة على غير مرادها، ويستمسك بكلمة حق ليس على وجهها، مريدا بها باطلا، تلك هي العقيدة، أو التوحيد، والولاء والبراء، وهداية الناس إليها وأمرهم بالتمسك بعروتها، فلما كان أهم أمور الناس معرفتها، وأهم أمور الدين الديانة بها رأينا من الناس -ونعوذ بالله أن نكون منهم- مَن جعلوا من هذا الأصل العظيم والمنهج القويم سيفا صارما ومهندا مصلتا على رقاب عباد الله المؤمنين، ليفضح ما أوجب الله ستره، ويحاسب على مالا يحاسب الله عليه ويعاقب على ما عفا الله عنه، ويشنع على أمور تجاوز الله بها عن الأمة، ليجعل من الساحة الإسلامية جرداء بلقعا، ظنا منه أنه هو النقي التقي الصفي، فيدخل نفسه في معترك صعب شائك وسبيل كالليل الحالك، فيظلم نفسه قبل أن يظلم غيره ويبغي على المؤمنين فينشغل بذلك عن منازلة الكافرين، ليصيب حظا ظاهراً لنفسه ويوقعها في زمرة التائهين في حياته والتعرض للعذاب في رمسه، وربما مناقشة الحساب بين يدي ربه.
قال الشاطبي (الموافقات: 1/350): كل أمر شاق جعل الشارع فيه للمكلف مخرجا فقصد الشارع بذلك المخرج أن يتحراه المكلف إن شاء، كما جاء في الرخص شرعية المخرج من المشاق، فإذا توخى المكلف الخروج من ذلك على الوجه الذي شرع له كان ممتثلا لأمر الشارع آخذا بالحزم في أمره، وإن لم يفعل ذلك وقع في محظورين؛ أحدهما: مخالفته لقصد الشارع سواء كانت تلك المخالفة في واجب أو مندوب أو مباح، والثاني: سد أبواب التيسير عليه وفقد المخرج عن ذلك الأمر الشاق الذي طلب الخروج عنه بما لم يشرع له.أهـ
وفي قصة موسى وأخيه هارون عليهما السلام عبرة:
وهي القصة المشهورة التي استخلف فيها موسى أخاه هارون عليهما السلام على قومه لما ذهب لميقات ربه وما حصل من اتخاذ بني إسرائيل للعجل وعبادته، قال تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)، ثم أخبر الله تعالى موسى بما فعل قومه: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) وقال سبحانه:(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) 
ودار بين موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ما ذكره ربنا سبحانه: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي): 
وخلاصة ذلك: أن موسى أمر أخاه أن يخلفه في قومه، قائدا ومصلحا وأن لا يتبع سبيل المفسدين، فاستغل أهل الفساد –السامري ومن معه- غياب موسى فسوّلت لهم أنفسهم وغروا بني إسرائيل فاتخذوا إلها صنعوه من حليهم على صورة عجل جسد له خوار لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا، فوقعوا في الشرك وكانوا ظالمين.
ورغم قيام هارون عليه السلام بواجب الإنكار عليهم وبيان الفتنة والشرك الذي وقعوا فيه، وقد أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)، إلا أنهم لم يستجيبوا له وأصروا على عبادة العجل إلى أن يرجع موسى.
فبقي هارون -وكان هائبا مطيعا- ومن معه من المسلمين في بني إسرائيل، ولم يلحق بموسى لأنه كان خائفاً -إن فعل ذلك- أن يتفرق بنو إسرائيل فيقع تحت طائلة لوم موسى لكونه لم يلتزم أمره بالبقاء بينهم كمانع من أي تفرق وتمزق لحين رجوعه، لذا اجتهد في أن يبقى على رأسهم مع استمرار عكوفهم على العجل.
ومع لوم موسى لهارون إلا أنه اقتنع بحجته لما أوضحها له، ولم يذكر القرآن توجيهاً مُسدِّداً لاجتهاد هارون، فيدل على صحته، إذ رجح مفسدة التفرق الذي لا يجتمع الناس بعده إلا بعسر ومشقة، على مفسدة البقاء على الشرك المؤقت الذي بيّن حاله وحال مقترفه وسيتم علاجه بعد رجوع موسى.
قال الإمام القرطبي (الجامع لأحكام القرآن: 11/159): قوله (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي): أي خشيت أن أخرج وأتركهم وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتبعني قوم ويتخلف مع العجل قوم، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشيت إن زجرتهم أن يقع قتال فتلومني على ذلك.أهـ 
قال الإمام البغوي (معالم التنزيل: 5/91): (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا): أشركوا (أَلا تَتَّبِعَنِي) أي: أن تتبعني و(لا) صلة أي تتبع أمري ووصيتي، يعني: هلا قاتلتهم وقد علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم، وقيل: (أن لا تتبعني) أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم، فتكون مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه، (أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) أي خالفت أمري. قال: (إِنِّي خَشِيتُ) لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضا، (أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أي خشيت إن فارقتهم واتبعتك صاروا أحزابا يتقاتلون، فتقول أنت فرقت بين بني إسرائيل (وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي، وأصلح أي ارفق بهم.أهـ
قال الإمام الشوكاني (فتح القدير: 5/22): والمعنى: كيف خالفت أمري لك بالقيام لله ومنابذة من خالف دينه وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها؟ وقيل: المراد بقوله: (أفعصيت أمري) هو قوله الذي حكى الله عنه: (اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفسِدينَ) فلما أقام معهم ولم يبالغ في الإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه، 
(قَالَ يَا ابن أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي) أي لا تفعل هذا بي عقوبة منك لي، فإن لي عذراً هو (إِنّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ)أي خشيت إن خرجت عنهم وتركتهم أن يتفرقوا فتقول: إني فرقت جماعتهم وذلك لأن هارون لو خرج لتبعه جماعة منهم وتخلف مع السامريّ عند العجل آخرون، وربما أفضى ذلك إلى القتال بينهم، ومعنى (وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي): ولم تعمل بوصيتي لك فيهم، إني خشيت أن تقول: فرّقت بينهم، وتقول لم تعمل بوصيتي لك فيهم وتحفظها، ومراده بوصية موسى له هو قوله: (اخلفني فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ)، قال أبو عبيد: معنى (وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي): ولم تنتظر عهدي وقدومي لأنك أمرتني أن أكون معهم، فاعتذر هارون إلى موسى ها هنا بهذا، واعتذر إليه في الأعراف بما حكاه الله عنه هنالك حيث قال: (إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي).أهـ
قال الإمام أبو السعود (التفسير: 4/381): (قَالَ يا ابن أُمَّ) خَصّ الأمَّ بالإضافة استعظاماً لحقها وترقيقاً لقلبه لا لما قيل من أنه كان أخاه لأم فإن الجمهورَ على أنهما كانا شقيقين (لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي) أي ولا بشعر رأسي، روي أنه عليه السلام أخذ شعرَ رأسِه بيمينه ولحيتَه بشماله من شدة غيظِه وفرْطِ غضبِه لله، وكان عليه السلام حديداً متصلّباً في كل شيء فلم يتمالكْ حين رآهم يعبدون العجلَ ففعل ما فعل وقوله تعالى: (إِنّي خَشِيتُ) الخ، استئنافٌ سيق لتعليل موجبِ النهي ببيان الداعي إلى ترك المقاتلةِ وتحقيقِ أنه غيرُ عاصٍ لأمره بل ممتثلٌ به، أي إني خشيتُ لو قاتلت بعضَهم ببعض وتفانَوا وتفرقوا (أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ) برأيك مع كونهم أبناءَ واحدٍ كما ينبئ عنه ذكرُهم بذلك العنوان دون القوم ونحوِه، وأراد عليه السلام بالتفريق ما يستتبعه القتالُ من التفريق الذي لا يرُجى بعده الاجتماعُ (وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) يريد به قولَه عليه السلام: اخلُفني في قومي وأصلح الخ، يعني إني رأيت أن الإصلاحَ في حفظ الدَّهْماءِ والمداراةِ معهم إلى أن ترجِع إليهم فلذلك استأنيتُك لتكون أنت المتدارِكَ للأمر حسبما رأيت لا سيما وقد كانوا في غاية القوةِ ونحن على القلة والضّعف كما يُعرب عنه قوله تعالى: (إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي).أهـ
قال العلامة السعدي (تيسير الكريم الرحمن: 512): (إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) فإنك أمرتني أن أخلفك فيهم فلو تبعتك لتركت ما أمرتني بلزومه وخشيت لائمتك و(أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) حيث تركتهم وليس عندهم راع ولا خليفة فإن هذا يفرقهم ويشتت شملهم فلا تجعلني مع القوم الظالمين ولا تشمت بنا الأعداء فندم موسى على ما صنع بأخيه وهو غير مستحق لذلك.أهـ
إن الواجب استمرار بيان الحق والتنبيه على مواضع الخلل في مسيرة الأمة لكن مع تجنب أي تصرف غير حكيم يؤدي إلى تفريق الأمة وتمزيقها إلى فرق وجماعات متناحرة، دون مصلحة ظاهرة راجحة.
التوحيد وليس الوحدة الموهومة:
هناك فروق واضحة بين صنيع هارون عليه السلام وبين صنيع بعض المسلمين من الشخصيات وربما الجماعات التي تريد جمع الناس –كما يقولون- إذ يريدون تمرير أعظم أبواب الشرك والثناء على أهله لأجلٍ غير معلوم وعدم اتخاذ الأسباب المشروعة في تغيير الواقع بحسب الضوابط الشرعية، بل ربما ظنوا عدم وجود أثر لهذا وقد يصححون بعضه.
لقد كان بنو إسرائيل وقتذاك أهل توحيد طرأ عليهم الشرك، فقام هارون عليه السلام بواجب البيان والإنكار على أتم وجه وأفضل سلوك وقد ترجح عنده أن هذا الشرك لن يطول بل هو مؤقت سيزول بقدوم موسى عليه السلام، ولو تركهم لتفرق الناس وتقاتلوا فيصبح جمعهم على الحق والهدى أمرا عسرا، ويذهب في هذه الفتنة كثير من الدهماء والعامة الذين يمكن ردهم بيسر وسهولة حال حضور الكليم عليه السلام، كما أن هارون كان مستضعفا ولم يكن لديه من المزايا والتأثير والهيبة والصلاحيات التي عند موسى وهو وكيل ووزير وموسى هو الأصيل وولي الأمر، فاجتهد في دفع المفسدة المفرقة والسيطرة على الوضع على حاله مع البيان للجميع، وترجح عند هارون –بفعله ذاك- أنه ملتزم بأمر موسى ووصيته بالإصلاح وعدم اتباع سبيل المفسدين، ولذلك لما رجع موسى استطاع أن يصلح الحال، ولو تركهم هارون لضاعت فرصة الإصلاح هذه، ولوقع تحت طائلة التقصير في عدم لزوم وصية موسى والنص على البقاء والإصلاح، ولاشك أن الإنسان إذا فعل ما باستطاعته فهو مأجور مشكور وليس آثما ولا مؤاخذا، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). 
تلك هي الحال الأولى بينما في الحال الأخرى؛ والتي عليها طائفة من الدعاة والجماعات اليوم؛ هو إقرار الشرك الأعظم -الذي هو أعظم الفتنة- المتأصل في النفوس والمجتمعات المحمي بالقوانين والأعراف والتضحيات، شب عليه الصغير وهرم عليه الكبير بل تعاقبت عليه الأجيال، مع عدم إمكان الجمع بين هؤلاء وبين أهل الحق وعدم وجود فرصة للإصلاح تلوح في الأفق، وعدم وجود المصلحة الراجحة وعدم القيام بواجب البيان والإنكار بل فيه إضفاء الشرعية على صور الكفر والشرك وتمجيد أهله، وبقاء المشرك على شركه بل هي فرصة له لنشر فساده وتعميم شركه. 
فانتبه أخي المسلم إلى بطلان قول بعضهم: (الوحدة أهم من التوحيد)، فهي وسوسة من الشيطان وأمنيّة بلا برهان وطنطنة لا أساس لها من الصحة ولا رصيد لها في الشرع الحكيم البتة، ومن يحتج على هذه المقولة الفاسدة بقصة هارون إنما يحمل النصوص ما لا تحتمل ويبعد النجعة في تأويلها، ولا يسلك مسلك أهل العلم في تقريرها، ولا مسلك المصلحين في تطبيقها، ومن كان مستضعفا وفعل ما يستطيع من طاعة الله ورسوله لم يكن مكلفا بما هو فوق طاقته قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)، ومن لم يستطع فعل الخير فلا يجتهد في فعل الشر، في الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ]، 
وفي مسلم عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: [الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ]. قَالَ قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ:[أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا]. قَالَ قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: [تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ]. قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: [تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ]، أما الإعانة على الشر والشرك فهي مصيبة وداهية وجعل هذا مصلحة إنما هي طريقة واهية ومصلحة لاغية، والله الموفق وحده. 
فصل: التفريق بين حكم الحاكم وولي الأمر وبين ترجيح العالم وفتوى الفقيه:
هذه مسألة هامة لابد من وزنها بميزان دقيق لا وكْس ولا شطط، وقد شرحها وبينها الإمام القرافي في كتابه (أنوار البروق في أنواع الفروق: 2/103)، ولأهمية الموضوع أفرده بكتاب مستقل، وهو كتاب (الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام) فليس فيه إلا الفرق بين حكم الإمام واجتهاد المفتي بسطه في أربعين مسألة منوعة.
وتنبي على هذه المسألة قاعدة جليلة وهي: (حكم الإمام يرفع الخلاف)
قال القرافي (الفروق: 2/103): اعلم أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف ويرجع المخالف عن مذهبه لمذهب الحاكم، وتتغير فتياه بعد الحكم عما كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء، فمن لا يرى وقف المشاع إذا حكم حاكم بصحة وقفه ثم رفعت الواقعة لمن كان يفتي ببطلانه نفذه وأمضاه ولا يحل له بعد ذلك أن يفتي ببطلانه، وكذلك إذا قال إن تزوجتك فأنت طالق فتزوجها وحكم حاكم بصحة هذا النكاح فالذي كان يرى لزوم الطلاق له ينفذ هذا النكاح ولا يحل له بعد ذلك أن يفتي بالطلاق، هذا هو مذهب الجمهور وهو مذهب مالك ولذلك وقع له في كتاب الزكاة وغيره أن حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد لا يرد ولا ينقض.
وقال: وهذا لوجهين وهما الفرق المقصود في هذا الموضع:
أحدهما: أنه لولا ذلك لما استقرت للحكام قاعدة ولبقيت الخصومات على حالها بعد الحكم، وذلك يوجب دوام التشاجر والتنازع وانتشار الفساد ودوام العناد، وهو مناف للحكمة التي لأجلها نصب الحكام. 
وثانيهما وهو أجلهما: أن الله تعالى جعل للحاكم أن ينشئ الحكم في مواضع الاجتهاد بحسب ما يقتضيه الدليل عنده أو عند إمامه الذي قلده، فهو منشئ لحكم الإلزام فيما يلزم والإباحة فيما يباح، كالقضاء بأن الموات الذي ذهب إحياؤه صار مباحا مطلقا كما كان قبل الإحياء والإنشاء،
والفرق بينه وبين المفتي بأن المفتي مخبر كالمترجم مع الحاكم، والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم معه يحكم بغير ما تقدم الحكم فيه من جهة مستنيبه بل ينشئ بحسب ما يقتضيه رأيه.أهـ
قال الشارح: ومراده على الجملة أن المفتي ناقل ومخبر ومعرف بالحكم، والحاكم ليس كذلك بل هو ملزم للحكم ومنفذ له وذلك بيّن. أهـ
غير أن الإمام القرافي ذهب إلى أن حكم الحاكم هو نص من الله تعالى، قال: ومن فهم الفرق بين المفتي والحاكم وأن حكم الحاكم نص من الله تعالى خاص في تلك الصورة المعينة لم يسعه إلا ما قال مالك والجمهور،
وتقريبه بالمثال؛ أن مالكا رحمه الله تعالى دل الدليل عنده على أن تعليق الطلاق قبل الملك يلزم، وهذا الدليل يشمل صورا لا نهاية لها، فإذا رفعت صورة من تلك الصور إلى حاكم شافعي وحكم بصحة النكاح واستمرار العصمة وإبطال الطلاق المعلق كان حكم الشافعي نصا من الله تعالى ورد في خصوص تلك الصورة.أهـ
تنبيهان:
1- حكم الحاكم إنما يرفع الخلاف في زمان ومكان وحال معين ولا يرفع الخلاف في المسألة في كل زمان ومكان وحال، فيجوز لحاكم آخر ليس تابعا لذاك أن يختار ما يراه راجحا أو مناسبا لحال قومه، فينبغي التفريق بين التزام أحد الأقوال اجتهادا لمناسبته لحال أو واقع أو زمن وبين اعتبار أن هذا القول هو الحق وأن غيره باطل دون أدلة قاطعة واضحة لا محيد عنها.
2- قول الإمام القرافي: أن حكم الحاكم نص من الله فيه نظر، بل هو غير صحيح، فإن الحاكم يجتهد فيصيب أو يخطئ، لكن الأخذ باجتهاده -إذا لم يُرفع الخلاف إلا به-، هو القول الراجح كما ذكر، وقد ثبت في الصحيحين عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ]. والعلماء إنما قاسوا العالم المجتهد على الحاكم المجتهد، الواجب المتحتم هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن طاعة الرسول طاعة من يطيعه من أولي الأمر وهم العلماء والأمراء على القول الراجح، ومقتضى هذا عدم طاعتهم فيما هو معصية لله وللرسول، قال ابن تيمية (الجواب الصحيح: 2/238): وأولوا الأمر هم العلماء والأمراء فإذا أمروا بما أمر الله به ورسوله وجبت طاعتهم وإن تنازع الناس في شيء وجب رده إلى الله والرسول لا يرد إلى أحد دون الرسل الذين أرسلهم الله.أهـ
حمل الناس على الرأي الاجتهادي: 
بعض الناس يشتبه عليه الأمر فيخلط بين صلاحيات الفقيه والمجتهد وصلاحيات الحاكم والإمام، وهذا خلط يفضي إلى الغلط،
قال القرافي (الفروق: 2/104): ولكن لما كان الفرق بينهما خفيا جدا حتى إني لم أجد أحدا يحققه خالف في ذلك من خالف ولم يوجب تنفيذ أقضية الحكام في مواقع الخلاف.أهـ
والقول الراجح هو: لا يجوز للفقيه والمجتهد أن يحمل الناس على رأيه واجتهاده ما دام الأمر سائغا، ويجوز للإمام أن يفعل ذلك إذا كانت المصلحة راجحة في حمل الناس على أحد الأقوال، وقد يجب عليه ذلك أحيانا، فإن فتح باب الخلاف بلا ضوابط يمثل معول تهديم للصرح الإسلامي ومدخلا لعبث شياطين الجن والإنس، وإذا كانت الحاجة ماسة إلى جمع الناس على أحد الأقوال فإن جمعهم يعد من السياسة الشرعية، وتكون هذه المسألة داخلة في القاعدة المشهورة التي تقدم بيانها (حكم الحاكم يرفع الخلاف) وهو قول جمهور العلماء. 
ومن الأدلة على جواز حمل ولي الأمر الناس على الراجح في المسائل الاجتهادية، واقعة الحديبية واجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك رغم الخلاف العظيم الذي حصل من الصحابة، حتى وقع من الفاروق ما وقع، ومنها جمع القرآن بأمر الصديق رضي الله عنه رغم خلاف بعض الصحابة لذلك، وكذلك إمضاء عمر رضي الله عنه الطلاق بالثلاث في الموضع الواحد ثلاثا وكان الصحابة متوافرين ومنهم من يقول بخلاف هذا، بل إن أمر الناس لا يصلح في كثير من الأمور إلا بإلزامهم أحد الأقوال في بعض المسائل الاجتهادية وخاصة ما تعم بها البلوى مثل شؤون السلم والحرب والمعاهدات والمواثيق، والمسائل التي تكون من المشتركات بين الناس في دينهم ودنياهم كالشعائر العامة،
وعلى هذا ينبغي التفريق بين التدين في المسائل الشخصية التي لا يتعدى أثرها وبين التزام موقف في مسائل كبرى تعم بها البلوى، ففي الأولى يكون الأمر واسعا، وفي الثانية تقدم المصلحة العامة على مصلحة الفرد.
أما الفقيه والعالم المجتهد فلا يحق له حمل الناس على أحد الأقوال، لأنه:
ý ليست لديه الصلاحيات والسلطة والمكنة التي يستطيع بها فرض الرأي الراجح عليهم.
ý وليس له أن يبطل ترجيحات المجتهدين والعلماء الآخرين، فهو ليس بأحق بالحق منهم.
ý والأصل أن يكون في كل بلد حاكم واحد، بينما يمكن أن يكون فيه علماء وفقهاء مجتهدون كثر.
وقد اختلف فقهاء الصحابة فلم يلزم بعضهم بعضا بقول من الأقوال، ولم ينكروا الاختلاف في المسائل الاجتهادية، ولهذا كان بعض العلماء يقول: إجماعهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة. وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالاً، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا، ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة. وكذلك قال غير واحد من الأئمة: ليس للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه. وقال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي رحمه الله وغيره: إن مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تنكر باليد، وليس لأحد من العلماء أن يلزم الناس باتباعه فيها، ولكن يتكلم فيها بالحجج العلمية، فمن تبين له صحة أحد القولين تبعه، ومن قلد أهل القول الآخر فلا إنكار عليه.

الباب الخامس:
الاجتهاد ومتعلقاته


فصل: لا عصمة إلا لثلاثة: 
الأصول التي لا يتطرق إليها الخلل والتي يجب الرجوع إليها عند كل خلاف هي كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الثابتة الصحيحة، ثم ما علم يقيناً أنه مجمع عليه وهو الإجماع الصحيح، وما سوى هذه الأصول الثلاثة فليس بمعصوم من الخطأ. 
قال ابن تيمية (المجموع: 35/69-70): فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم. وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم، ويقولون :إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم، ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان لا يعصمون، ولا يؤثمون. ومن هذا الباب تولد كثير من فرق أهل البدع والضلال.أهـ 
ويقول الشيخ عوض القرني (فقه الخلاف :3): مسائل الإجماع: هي القضايا التي انعقد إجماع علماء الأمة المجتهدين عليها في أي عصر من العصور، فارتفعت عن الخلاف، ولم يعد لمن جاء بعد أهل الإجماع إلا الموافقة والاتباع.
والإجماع الشرعي القطعي الصحيح دليل يجب المصير إليه والاعتماد عليه، ولا يجوز مخالفته بحال من الأحوال؛ إذ جعل الله سبحانه وتعالى في اجتماع الأمة على أمر من الأمور عصمة، كما جعلها في الوحي المنزل من كتاب أو سنة فضلاً منه وكرماً، قال تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُول مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الُهَدى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيِل المُؤمِنِين نُولِّهِ مَا تَولَّى ونُصلِهِ جَهَنَّمَ وسَاءَت مَصِيراً). 
ويقول شيخ الإسلام (المجموع: 14/172): نعم ، من خالف الكتاب المستبين، أو السنة المستفيضة ، أو ما أجمع عليه سلف الأمة ، يعامل بما يعامل به أهل البدع. أهـ 
ويترتب على هذا الأصل أمور منها: 
أ‌- لا يجوز لأحد أن يخرج عن قطعي الدلالة من كتاب الله وسنة رسوله الثابتة، وما علم يقيناً أن الأمة قد أجمعت عليه.
ب‌- وجوب رد المتشابه إلى المحكم، وظني الدلالة إلى قطعي الدلالة، من الكتاب والسنة، ويدخل في معنى المتشابه العام والمطلق والمجمل والمنسوخ ويدخل في معنى المحكم الخاص والمقيد والمبين والناسخ، لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران:6)، 
ت‌- رد ما تنازع فيه المسلمون إلى الكتاب والسنة، عملاً بقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59)



فصل: رد المعلوم من الدين ضرورة كفر: 
لا يجوز الخلاف في حكم من الأحكام المقطوع بها في الإسلام، والمقطوع به هو المجمع عليه إجماعاً لا شبهة فيه، ومعنى المعلوم من الدين ضرورة: هو ما ثبت به الدليل وعرف واشتهر بحيث لا يحتاج إلى الاستدلال عليه بأدلة لإثبات حكمه، ومن أمثلة هذا؛ الإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن القرآن الذي جمعه الصحابة ويقرؤه المسلمون جميعاً إلى يومنا هذا هو كتاب الله لم ينقص منه شيء، والصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، ووجوب الزكاة والحج، وحرمة الربا والزنا، والخمر، والفواحش، ونحو ذلك من المعلوم من الدين بالضرورة، وكل ذلك لا يجوز فيه خلاف بين الأمة، ورد هذا ومثله كفر، وقد وقع الخلاف في بعض أنواع المحرمات ودخول بعض الصور في المحرم أم لا؟ مثل الخلاف في بعض المشروبات هل هي خمر أم ليست كذلك؟ وبعض البيوع هل هي ربوية أم مباحة؟ وهكذا مما لم ينص عليه والخلاف في مثل هذه الأشياء لا يدخل في حكم من رد معلوما من الدين ضرورة.
فصل: العلم بموارد النص والإجماع وموارد الاجتهاد أو بالثوابت والمتغيرات:
إن ما يقال عن أسباب الخلاف سواء في ثبوت النص أو في دلالته، معظمه يدور في فلك الاجتهاد الذي لا يعاب فيه على المخالف إذا كان خلافه قد صدر عن اجتهاد سائغ، وبالتالي فإن التمييز بين موارد النص والإجماع التي لا يعذر فيها المخالف وموارد الاجتهاد التي يعذر فيها، يعد أمرا ضروريا لكل من تصدى لمسائل الخلاف كي لا يقع في أعراض العلماء والمسلمين لمجرد مخالفتهم لاختياراته العلمية أو العملية، فيعذرهم فيما كان من موارد الاجتهاد أو يرد عليهم بأدب السلف فيما أخطئوا فيه من المجمع عليه. 
يقول ابن القيم (إعلام الموقعين: 3/365): إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل فيها مجتهداً أو مقلدا. أهـ وتقدم كلام شيخ الإسلام مثله قبل.
وبعض إخواننا جعل لنفسه ما سماها المبادئ والثوابت وفي الحقيقة هي من المتغيرات والاجتهادات السائغة، ثم يحب ويبغض ويوالي ويعادي عليها وينسى أو يتناسى أنها اجتهادات سائغة في أحسن أحوالها، والواجب أن تسمى الأشياء بأسمائها الشرعية الصحيحة، ومن أفضل ما كتب في الثوابت والمتغيرات –حسب علمي القاصر- كتاب (الثوابت والمتغيرات) للشيخ صلاح الصاوي، وللشيخ ناصر العمر رسالة نافعة بعنوان ثوابت الأمة في ظل المتغيرات. 
فصل: لا جديد إن لم يكن هنالك جديد:
احذر أي عبد الله من أن تأتي بقول جديد لم يسبقك إليه عالم معتبر، 
واحذر من أن تأتي بقول جديد في مسألة كانت معروفة عند السلف ولم يطرأ عليها تغيير ولم تتأثر بتغير الأحوال والواقع والأشخاص بل إن زيادة قول جديد في مثل هذا يعد من البدع ويعد صاحبه مدَّعياً أن كلَّ من قبله لم يصب الحق في هذه المسألة، وهذا يتضمن اتهاما للأمة بالاجتماع على ضلالة، إلا في النوازل.
وإذا ورد في المسألة أقوال فلا يجوز أن يزاد عليها قول جديد مالم يكن في المسألة جديد،
وقد أفاض شيخ الإسلام في بيان هذه المسألة ونقل عن الإمام أحمد قوله لابنه: يا بني لا تقل قولا لم يسبقك إليه أحد، وبين المسألة أحسن بيان الشيخ بكر أبو زيد في كتابه الرائع (التعالم).
فصل: الاحتياط ومراعاة الخلاف والخروج منه:
لكون الاختلاف مذموما من حيث الجملة، فقد راعى كثير من أهل العلم الخروج من الخلاف في تعليل كثير من الأحكام، ومن ذلك قول بعض فقهاء الحنابلة بكراهة الطهارة بالماء المتغير بمجاورة أو بملح مائي مع أنه طهور، ولكنهم يعللون بمخالفة غيرهم لهم فيما اختاروا، فاستحبوا الخروج من الخلاف بكراهة استعمال ذلك الماء، ومنه قول بعض فقهاء الأحناف بالندب للإشهاد على الرجعة خروجاً من الخلاف، وقول بعض فقهاء المالكية بطواف القدوم بنية الركنية خروجاً من الخلاف، وقول الشافعية باستحباب عدم القصر لسفر أقل من مسيرة ثلاثة أيام للخروج من الخلاف.
ويكاد يطبق علماء المذاهب الأربعة على التعليل بالخروج من الخلاف في اختياراتهم الفقهية، ولكنهم وضعوا لذلك ضوابط من أهمها ما قرره الإمام العز بن عبدالسلام (قواعد الأحكام: 1/253) إذ يقول: والضابط في هذا أن مأخذ المخالف إن كان في غاية الضعف والبعد عن الصواب فلا نظر إليه، ولا التفات عليه، إذ كان ما اعتمد عليه لا يصح نصه دليلاً شرعا، 
ثم قال: وإن تقاربت الأدلة في سائر الخلاف بحيث لا يبعد قول المخالف كل البعد فهذا مما يستحب الخروج من الخلاف فيه حذرا من كون الصواب مع الخصم والشرع يحتاط لفعل الواجبات والمندوبات, كما يحتاط لترك المحرمات والمكروهات.أهـ
فالخلاف إذا كان له حظٌّ من النَّظر، والأدلَّة تحتمله، فالمحققون يكرهون ويستحبون لأجل الخروج منه؛ لا لأنَّ فيه خلافاً بل هو من باب [دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك]، ويتأكد هذا بل قد يتعين حتى مع الخلاف الضعيف إن خشي ترتب مفسدة أعظم على الخلاف.
أما إذا كان الخلاف لا حَظَّ له من النَّظر فلا يُمكن أن نعلِّلَ به المسائل؛ ونأخذ منه حكماً.

فليس كلُّ خلافٍ جاء مُعتَبراً ******* إلا خلافٌ له حظٌّ من النَّظر

ولأنَّ الأحكام لا تثبت إلاّ بدليل، ومراعاة الخلاف غير المعتبر لا تصلح دليلاً شرعياً، فيقال: هذا مكروه، أو غير مكروه بناء عليه، إلاّ إن خشي ترتب مفسدة أعظم جراء الفرقة فتقدر حينها الأمور بقدرها وذلك لأمر خارج عن مجرد الخلاف غير المعتبر، مع العمل على إعادة الحق إلى نصابه وإقرار المصيب على صوابه.
فصل: الاجتهاد والاتباع والتقليد: 
ينقسم الناس في تناولهم المسائل العلمية ثلاثة أقسام: عالم ومتبع ومقلد، فما تنازع فيه الصحابة وأئمة الإسلام بعدهم، وعلم بعد ذلك أن النص بخلافه فإنه يجب علينا فيه اتباع ما تبين أنه موافق للدليل، وعدم اتهام السابقين بكفر أو فسق أو بدعة، ومن لا يحسن فهم الراجح وتمييزه فله أن يقلد أوثق الناس ممن يعرفهم من العلماء، والعالم الذي لديه ملكة الاجتهاد ووصل درجته فعليه الاجتهاد وعلى طالب العلم الرجوع إلى أهل العلم، وإذا استطاع الوصول للراجح من الأقوال فعليه الأخذ بما ترجح ولا يحق له الاجتهاد.
يقول الشيخ العثيمين (الخلاف بين العلماء): والناس ينقسمون في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:
1. عالِم رزقه الله عِلماً وفهماً.
2. طالب علم عنده من العلم، لكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحِّر.
3. عامي لا يدري شيئاً.
أما الأول: فإن له الحق أن يجتهد وأن يقول، بل يجب عليه أن يقول ما كان مقتضى الدليل عنده مهما خالفه مَن خالفه من الناس، لأنه مأمور بذلك. قال تعالى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) وهذا من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله وكلام رسوله.
أما الثاني: الذي رزقه الله علماً ولكنه لم يبلغ درجة الأول، فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات والإطلاقات وبما بلغه، ولكن يجب عليه أن يكون محترزاً في ذلك، وألا يقصِّر عن سؤال مَن هو أعلى منه من أهل العلم؛ لأنه قد يخطئ، وقد لا يصل علمه إلى شيء خصَّص ما كان عامًّا، أو قيَّد ما كان مطلقاً، أو نَسَخَ ما يراه محكماً، وهو لا يدري بذلك.
أما الثالث: وهو مَن ليس عنده علم، فهذا يجب عليه أن يسأل أهل العلم لقوله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ) (الأنبياء:7)، وفي آية أخرى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) (النحل:43-44). فوظيفة هذا أن يسأل،
مَن من العلماء نسأل؟
ولكن مَن يُسأل؟ في البلد علماء كثيرون، وكلٌّ يقول: إنه عالم، أو كلٌّ يقال عنه: إنه عالم، فمن الذي يُسأل؟ هل نقول: يجب عليك أن تتحرى مَن هو أقرب إلى الصواب فتسأله ثم تأخذ بقوله، أو نقول: اسأل مَن شئت ممَّن تراه من أهل العلم، والمفضول قد يوفَّق للعلم في مسألة معيَّنة، ولا يوفَّق مَن هو أفضل منه وأعلم ـ اختلف في هذا أهل العلم؟
فمنهم مَن يرى: أنه يجب على العامي أن يسأل مَن يراه أوثق في علمه من علماء بلده، لأنه كما أن الإنسان الذي أصيب بمرض في جسمه فإنه يطلب لمرضه مَن يراه أقوى معرفة في أمور الطب فكذلك هنا؛ لأن العلم دواء القلوب، فكما أنك تختار لمرضك مَن تراه أقوى فكذلك هنا يجب أن تختار مَن تراه أقوى علماً إذ لا فرق.
ومنهم مَن يرى: أن ذلك ليس بواجب؛ لأن مَن هو أقوى عِلماً قد لا يكون أعلم في كل مسألة بعينها، ويرشح هذا القول أن الناس في عهد الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل.
والذي أرى في هذه المسألة أنه يسأل مَن يراه أفضل في دينه وعلمه لا على سبيل الوجوب، لأن من هو أفضل قد يخطئ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو على سبيل الأولوية، أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه.أهـ
وعلى المسلم أن يحذر من اتباع الهوى في المفاضلة بين العلماء، والحذر من الوقوع في براثن أهل البدع، والأمر يحتاج إلى مزيد من التفصيل فهذا من أعظم البلاء في هذا الزمان، والله المستعان.






فصل: الخلاف توسعة ورحمة أحياناً: 
الخلاف في الأمور الاجتهادية وقع بين الصحابة والتابعين والأئمة وجميع علماء وفضلاء الأمة، وهذا من لوازم غير المعصوم، ولا أحد معصوم من الأمة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما من بعده فالعصمة لإجماعهم ولا عصمة لأحد منهم، بل الخطأ واقع منهم لا محالة. 
وهذا الخلاف الجائز أو السائغ، قد نص كثير من السلف على شموله أنواعاً من الرحمة لهذه الأمة، منها: 
أ‌- الرحمة في عدم المؤاخذة: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، وقد ثبت في الصحيحين أن الله تعالى قال: قد فعلت. والمجتهد المخطئ معذور، بل مأجور أجراً واحداً، كما جاء في الصحيحين عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ]، وقد قاس العلماء حكم اجتهاد العلماء كافة على حكم اجتهاد الحاكم.
ب‌- الرحمة والسعة في جواز أخذ القول الاجتهادي، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة المجتهدين: 
· قال العلامة ابن قدامة المقدسي (مقدمة المغني: 1/4): أما بعد، فإن الله برحمته وطوله وقوته وحوله ضمن بقاء طائفة من هذه الأمة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وجعل السبب في بقائهم بقاء علمائهم واقتداؤهم بأئمتهم وفقهائهم، وجعل هذه الأمة مع علمائها كالأمم الخالية مع أنبيائها، وأظهر في كل طبقة من فقهائها أئمة يقتدى بها وينتهى إلى رأيها، وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام مهد بهم قواعد الإسلام وأوضح بهم مشكلات الأحكام، اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة تحيا القلوب بأخبارهم وتحصل السعادة باقتفاء آثارهم. أهـ 
· وقال الإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم (جامع بيان العلم وفضله 2/80): لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل منهم إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيراً منه قد عمل عمله.أهـ 
· وفي المصدر السابق (2/80): أن عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد اجتمعا فجعلا يتذاكران الحديث فجعل عمر يجيء بالشيء مخالفاً فيه القاسم، وجعل ذلك يشقُّ على القاسم حتى تبين فيه فقال له عمر: لا تفعل فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم. وعن عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله لم يختلفوا ؛ لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق، وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ أحد بقول رجل منهم كان في سعة.أهـ
· وفي (المجموع: 30/79): أن رجلاً صنف كتاباً في الاختلاف فقال أحمد: لا تُسمِّه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة.أهـ 
· قال يحيى بن سعيد (الموافقات: 4/125): اختلاف أهل العلم توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحلل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا.أهـ
وعلى ما تقدم فإن الاختلاف بين المجتهدين –بضوابطه- من آثار الرحمة فإن اختلافهم توسعة للناس، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد وخطؤه مغفور، وعلى المسلم أن يطلب الحق ويتأدب مع الخلق. 
الحق لا يتعدد لكن العذر يتعدد:
لكن بعض العلماء توسعوا في بيان الرحمة من أثر الاختلاف توسعا غير مرضي، قال العلامة ابن عابدين (حاشية ابن عابدين: 1/46): الاختلاف من آثار الرحمة فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر.أهـ
والأمر ليس كما قال بل هو دون ذلك؛ فإن الاختلاف ليس محمودا في نفسه وإنما يعتبر بما آل إليه؛ فإن آل إلى هوى وعصبية وبغي وعدوان وتفرق الكلمة وتصدع الصف فهو مذموم ولا شك، وإن آل إلى غير ذلك مما يحبه الله عز وجل من التيسير والرحمة فهو ممدوح. فالعبرة بالمآل لا بالحال، وإنما الأعمال بخواتيمها، كما قيل في المعصية؛ فإن بعض أهل العلم قالوا: رب معصية خير من طاعة، فليس المراد ذات المعصية؛ لأنها مكروهة للشارع فلا تمدح لذاتها، وإنما المراد بما يؤول إليه حال التائب منها مما يورث الذل والانكسار بين يدي العزيز الجبار، فتحمل صاحبها على خشوع القلب، والاجتهاد في الطاعات والعبادات.
قال شيخ الإسلام (14/159): النزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم. والحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون خفاؤه على المكلف -لما في ظهوره من الشدة عليه- من رحمة الله به، فيكون من باب (لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب قد يكون في نفس الأمر مغصوبا، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله حلالا لا شيء عليه فيه بحال، بخلاف ما إذا علم. فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة، كما أن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة، كما أن رفع الشك قد يكون رحمة وقد يكون عقوبة. والرخصة رحمة. وقد يكون مكروه النفس أنفع كما في الجهاد، (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ).أهـ
والخلاف مذموم، إذا كان اختلافاً حقيقياً يسبب فرقة ويوقع في الحرج، وهذا ما دلت عليه نصوص الوحيين، 
قال ابن القيم: (إغاثة اللهفان: 369): ومن ذلك نهيه عن الذرائع التي توجب الاختلاف والتفرق والعداوة والبغضاء كخطبة الرجل على خطبة أخيه وسومه على سومه وبيعه على بيعه وسؤال المرأة طلاق ضرتها، وقال: [إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا]. فاقتلوا الآخر منهما سدا لذريعة الفتنة والفرقة، ونهى عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا ما أقاموا الصلاة سدا لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم، كما هو الواقع فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة في تلك الشرور إلى الآن.أهـ
بل عمل الخير إذا قصد به التفريق بين المؤمنين كان لصاحبه نصيب من الذم، ومن ذلك أن يخص الوالد بعض أولاده بهبة بل بناء المسجد إذا كان لتفريق المؤمنين لم يكن عملا صالحا، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ). 


فصل: كل مجتهد مأجور وليس كل مجتهد مصيبا:
والاختلاف لا يعني أن كل الأقوال حق، بل الصحيح أن يقال إن كل مجتهد مأجور مغفور له خطؤه وليس كل مجتهد مصيب فإن الحق لا يتعدد لكن العذر يتعدد، وهو قول ابن المبارك والليث ومالك والشافعي والمزني وطائفة من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم،
روى الخطيب البغدادي (الفقيه والمتفقه: 403): عن علي بن الحسن بن شقيق قال: سألت عبد الله بن المبارك عن اختلاف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كله صواب؟ فقال: الصواب واحد، والخطأ موضوع عن القوم أرجو. قلت: فمن أخذ بقول من الأقاويل فهو أيضا موضوع عنه؟ قال: نعم، أرجو إلا أن يكون رجل اختار قولا حتما، ثم نزل به شيء فتحول إلى غيره ترخصا للشيء الذي نزل به. 
وحكى أبو إبراهيم المزني: أن هذا مذهب مالك بن أنس والليث بن سعد.
وعن ابن وهب عن مالك أنه سئل فقيل له: أترى لمن أخذ بحديث حدثه ثقة، عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة؟ قال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، لا يكون الحق في قولين يختلفان.أهـ
وأورده الإمام ابن حزم (الإحكام في أصول الأحكام: 6/246) بلفظ قريب: عن ابن وهب سئل مالك عمن أخذ بحديثين مختلفين حدثه بهما ثقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتراه من ذلك في سعة؟ قال لا والله حتى يصيب الحق وما الحق إلا في واحد، قولان مختلفان يكونان صوابا ما الحق وما الصواب إلا في واحد.أهـ
وفي (الموافقات للشاطبي: 4/129) روى ابن وهب عن مالك أنه قال: ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة، وإنما الحق في واحد.أهـ 
وقال الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي (الموافقات: 4/120): ذم الله الاختلاف وأمر بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة.أهـ
وقال العلامة أبو المظفر السمعاني (قواطع الأدلة: 2/308): اختلف العلماء في حكم أقوال هؤلاء المجتهدين وذكر ذلك في ما يسوغ فيه الاجتهاد من المسائل التي اختلف فيها فقهاء الأمصار وظاهر مذهب الشافعي رحمه الله أن المصيب من المجتهدين واحد والباقون مخطئون غير أنه خطأ يعذر فيه المخطئ ولا يؤثم وقد قال بعض أصحابنا: إن هذا قول الشافعي ومذهبه ولا يعرف له قول سواه وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من أصحاب أبى حنيفة.
وقال بعض أصحابنا: إن للشافعي قولين. أحدهما: ما قلناه والآخر إن كل مجتهد مصيب وهو ظاهر قول مالك وإليه ذهب أكثر أصحاب أبى حنيفة.أهـ
فائدة: حديث (اختلاف أمتي رحمة) لا أصل له وقد اجتهد العلماء كي يجدوا له سندا فلم يجدوا، وتفصيل هذا في السلسلة الضعيفة للألباني حديث رقم (57). 



فصل: الخلاف جائز في الأمور الاجتهادية، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد: 
المسائل التي وقع التنازع فيها بين الأمة منذ عصر الصحابة وإلى يومنا هذا؛ يجوز فيها الخلاف، ولا يجوز رمي من اتبع قولاً منها بكفر أو فسق أو بدعة. ولمن بلغ درجة الاجتهاد أن يختار من الأقوال ما يراه حقا، ولمن عرف الأدلة والأصول أن يرجح بين الأقوال، ولا بأس بالتصويب والتخطئة، وبالقول: إن هذا راجح، وهذا مرجوح، مثل الخلاف: في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة المعراج، وقراءة الفاتحة خلف الإمام في الجهرية، والجهر والإسرار بالبسملة، وإتمام الصلاة في السفر وأمثال ذلك. 
قال العز بن عبد السلام (قواعد الأحكام: 1/109): من أتى شيئاً مختلفاً في تحريمه إن اعتقد تحليله لم يجز الإنكار عليه إلا أن يكون مأخذ المحلل ضعيفا.أهـ 
ويقول إمام الحرمين (الإرشاد: 312): ثم ليس للمجتهد أن يعترض بالردع والزجر على مجتهد آخر في موقع الخلاف إذ كل مجتهد في الفروع مصيب عندنا ومن قال إن المصيب واحد فهو غير متعين عنده فيمتنع زجر أحد المجتهدين الآخر على المذهبين.أهـ 
والقاعدة المشهورة تقول: (إن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد). 
فصل: الإنكار في مسائل الخلاف، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد؟:
المسائل التي ورد فيها دليل، وحصل الخلاف في فهمه وتوجيهه ينقسم فيها الخلاف إلى قسمين:
الأول : الخلاف الضعيف (غير المعتبر) وهو الذي يكون بخلاف الدليل من النص أو الإجماع، ولا تكون للمخالف حجة مقبولة فالخلاف فيه غير معتبر، وإذا كان كذلك فإنه ينكر في مسائله، مثال: حرمة المتعة وحرمة النبيذ المسكر.
الثاني: الخلاف القوي (المعتبر) وهو أن تكون الأدلة متعارضة، والترجيح صعبا، وإذا كان كذلك فإنه لا إنكار في مسائله، مثال: قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية للمأموم، الخلاف فيها قوي والأدلة متنازع فيها، فلا إنكار فيها، وتقدم قولهم:

وليس كل خلافٍ جاء مُعْتَبَرَاً ****** إلا خلافٌ له حظٌ من النظر

ومن العلماء من يفرق بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد، فمسائل الخلاف ما كان فيها دليل من نص أو إجماع يجب العمل به وجوبا ظاهرا، ومسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها نص أو إجماع فليس فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا وأوضحها النوازل، ويكون الاجتهاد فيها في إلحاق النازلة بنص أو إجماع، فلا إنكار فيها.
قال ابن تيمية (الفتاوى الكبرى: 6/96): وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار؛ إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا قديما وجب إنكاره وفاقا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء، 
وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضا، بحسب درجات الإنكار كما ذكرناه من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهدا، أو مقلدا. 
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس.
والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا، مثل حديث صحيح لا معارض من جنسه فيسوغ له -إذا عدم ذلك فيها- الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة. أو لخفاء الأدلة فيها وليس في ذكر كون المسألة قطعية، طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف. وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها. وبالجملة فمن بلغه ما في هذا الباب من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها فليس له عند الله عذر بتقليد من ينهاه عن تقليده.أهـ 
وقال ابن القيم –كلاما يشبه كلام ابن تيمية- (إعلام الموقعين: 3/288): وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها، ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل، أما الأول: فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً شائعاً وجب إنكاره اتفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، 
وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء؟ 
وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مَسَاغ لم تنكر على مَنْ عمل بها مجتهداً أو مقلداً.
وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم.
والصواب ما عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها -إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به- الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في قول العالم "إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، ولا يسوغ فيها الاجتهاد" طَعْنٌ على من خالفها، ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب، والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير، مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل، وأن إصابة الزوج الثاني شرط في حلها للأول، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم ينزل، وأن ربا الفضل حرام، وأن المتعة حرام، وأن النبيذ المسكر حرام، وأن المسلم لا يُقتل بكافر، وأن المسح على الخفين جائز حضراً وسفرا، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق، وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة، وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعقار، وأن الوقف صحيح لازم، وأن دية الأصابع سواء، وأن يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم، وأن الخاتم من حديد يجوز أن يكون صَدَاقاً، وأن التيمم إلى الكوعين بضربة واحدة جائز، وأن صيام الولي عن الميت يجزئ عنه، وأن الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، وأن المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه، وأن السنة أن يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأن خيار المجلس ثابت في البيع، وأن المصَرّاة يرد معها عوض اللبن صاعاً من تمر، وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة، وأن القضاء جائز بشاهد ويمين، إلى أضعاف ذلك من المسائل، ولهذا صرح الأئمة بنقض حكم مَنْ حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها.
وعلى كل حال فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نَبَذَها وراء ظهره.أهـ
قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي (ذيل طبقات الحنابلة: 1/20): عُرِضت على السيف خمس مرات، لا يقال لي ارجع عن مذهبك، ولكن يقال لي: اسكت عمن خالفك. فأقول: لا أسكت.أهـ ومثله في تذكرة الحفاظ وسير أعلام النبلاء للذهبي،
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (الدرر السنية 4/8): فإن أراد القائل مسائل الخلاف فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائناً من كان ولو كان أعلم الناس وأتقاهم، وإذا كان الله بعث محمداً بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتباعه، وترك ما خالفه؛ فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه وينكر عليه، وإن أريد بمسائل الاجتهاد: مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب فهذا كلام صحيح، ولا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفاً لمذهبه أو لعادة الناس، فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم لا يجوز أن ينكر إلا بعلم وهذا كله داخل في قوله (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ).أهـ
وقال العلامة الشوكاني (السيل الجرار: 4/588): هذه المقالة -أي لا إنكار في مسائل الخلاف- قد صارت أعظم ذريعة إلى سدّ باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما بالمثابة التي عرفناك، والمنزلة التي بيّناها لك، وقد وجب بإيجاب الله عز وجل، وبإيجاب رسوله صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، الأمر بما هو معروف من معروفات الشرع، والنهي عما هو منكر من منكراته، ومعيار ذلك الكتاب والسنة، فعلى كل مسلم أن يأمر بما وجده فيهما أو في أحدهما معروفاً، وينهى عما هو فيهما أو في أحدهما منكراً.
وإن قال قائل من أهل العلم بما يخالف ذلك، فقوله منكر يجب إنكاره عليه أولاً، ثم على العامل به ثانياً.
وهذه الشريعة الشريفة التي أُمِرْنا بالأمر بمعروفها، والنهي عن منكرها، هي هذه الموجودة في الكتاب والسنة.أهـ وانظر (الإنكار في مسائل الخلاف: 16) للدكتور عبد الله الطريقي.
وقال الشيخ سفر الحوالي –مختصرا- القاعدة الرابعة: من ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدم الإنكار في مسائل الخلاف، ونقصد بذلك أن الأمر الاجتهادي المحض لا ينكر فيه.
فالمسائل الخلافية التي لا إنكار فيها هي مسائل الاجتهاد المحضة التي يجتهد فيها العلماء فتختلف وجهات نظرهم، والجميع ينطلقون من الكتاب والسنة، وينتهجون منهج الكتاب والسنة، أما العالم أو المذهب الذي يخالف نصاً من النصوص عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو في كتاب الله، فإنه ينكر عليه، ولو قال بذلك بعض الأئمة، فهذا لا يمنع من الإنكار، وإلا لاتبع الناس الأئمة في أخطائهم وأصبحت معروفاً، وتركنا سنة نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أجل أن فلاناً اجتهد فاخطأ، قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) 
مثلاً: إذا أحرم الحاج مفرداً أو متمتعاً أو قارناً، فنقول: هذا لا إنكار فيه، ولو كنت ترى أن التمتع هو الأفضل، فيحسن بك أن تقول ذلك، وأن تبينه له وترشده إليه إرشاداً، لكن ليس لك أن تنكر عليه، وتقول: لا إحرام لك.
أما بعض الأشياء التي ليس فيها نص -في البيع والشراء وما يتعلق به-، وإنما اجتهد العلماء فيها هل يلحقونها بالحلال أو بالحرام، فاشتبه فيها الأمر، فلا إنكار فيها، فلا نعاملها كالمنكر الصريح، ولكن موقفنا هو أن نرشد وننبه الأخ الذي يفعلها إلى ما نراه نحن هو الصواب، لأن الدين النصيحة.أهـ
والخلاصة:
لا إنكار في المسائل الاجتهادية لا بالقول ولا بالفعل ولا يُثَرِّبُ أحد المجتهدين على الآخر، ولا حرج من إدارة النقاش والحوار لتحرير المسألة بصورة أدق، وعلى المسلم النصح للمسلمين في كل حال وفي كل حين بحسب استطاعته، إنما الإنكار على من خالف ما ثبت بالدليل بصورة ظاهرة بيّنة، ويجب أن يكون هذا الإنكار وبيان بطلان القول ورده بحسب الضوابط الشرعية الواردة في إنكار المنكر بعيدا عن الجهل والظلم.
وعلى العالم وطالب العلم أن يوسِع صدره للعلم، فإنّه يزداد عِلماً جديداً، أما من يضيق ذرعا باختلاف العلماء ولا يبحث في مَأْخَذِهم، فإنه يُحرَم بعض العلم والتوفيق، ويوقع نفسه وغيره في الحرج.
حال أهل البدع والظلم؛ 
لأهل الأهواء والبدع طريقة أخرى، فإنهم لا يرضون بطريقة أهل السنة والجماعة إلا ما وافق أهواءهم،
قال ابن تيمية (المجموع: 17/311-312): وهكذا مسائل النزاع التي تنازعت فيها الأمة في الأصول والفروع إذا لم ترد إلى الله والرسول لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن رحمهم الله أقر بعضهم بعضا ولم يبغ بعضهم على بعض كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد فيقر بعضهم بعضا ولا يعتدي عليه، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم فبغى بعضهم على بعض إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه، وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله. 
وهذه حال أهل البدع والظلم؛ كالخوارج وأمثالهم يظلمون الأمة ويعتدون عليهم إذا نازعوهم في بعض مسائل الدين، وكذلك سائر أهل الأهواء فإنهم يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها كما تفعل الرافضة والمعتزلة والجهمية وغيرهم، والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من هؤلاء؛ ابتدعوا بدعة وكفروا من خالفهم فيها واستحلوا منع حقه وعقوبته، فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم إما عادلون وإما ظالمون؛ فالعادل فيهم الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء ولا يظلم غيره، والظالم الذي يعتدي على غيره، وهؤلاء ظالمون مع علمهم بأنهم يظلمون كما قال تعالى : (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) وإلا فلو سلكوا ما علموه من العدل أقر بعضهم بعضا كالمقلدين لأئمة الفقه الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل فجعلوا أئمتهم نوابا عن الرسول وقالوا هذه غاية ما قدرنا عليه فالعادل منهم لا يظلم الآخر ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل مثل أن يدعي أن قول متبوعه هو الصحيح بلا حجة يبديها ويذم من يخالفه مع أنه معذور.أهـ
فصل: اتهم رأيك فأنت لم ولن تدرك العلم كله: 
يجب على المسلم أن يتهم رأيه وإن كان يراه صوابا، ويضع في الاحتمال أن الحق يمكن أن يكون مع مخالفه، وبهذا الشعور يسهل عليه تقبل الحق عندما يلوح ويظهر له، وينبغي أن يسأل كل واحد نفسه: كم حوى من العلم؟ وكم أدرك من الحق؟ قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا)وقال سبحانه: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، ومن أفضل المواعظ في هذا الباب قصة موسى مع الخضر عليهما الصلاة والسلام، فيها عبر عظيمة وفوائد جليلة، وقد أفاض فيها العلامة السعدي في تفسيره، قال الإمام الشافعي: كلما ازددت علما زاد علمي بجهلي.أهـ

قل للذي يدعي علمـا ومـعـرفة ******* علمت شيئـا وغابت عنك أشـيـا
فالعلم ذو كثـرة في الصحف منتشر ******* وأنت يا خل لم تستكمل الصحفــا

قال العلامة ابن نجيم (الأشباه والنظائر: 381): فائدة: قال في آخر المصفى: إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفينا في الفروع، يجب علينا أن نجيب بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب؛ لأنك لو قطعت القول لما صح قولنا إن المجتهد يخطئ ويصيب، وإذا سئلنا عن معتقدنا ومعتقد خصومنا في العقائد يجب علينا أن نقول: الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا، هكذا نقل عن المشايخ رحمهم الله تعالى.أهـ 
قال الدكتور أحمد بن سعد حمدان الغامدي (الضوابط الفقهية: 25): والصواب أن تقدر نسبة من الخطأ ولو قليلة على فهمك أو حكمك، ونسبة ولو قليلة من الصواب على فهم مخالفك أو حكمه، إذ ليس لديك الدليل القطعي على صوابك وخطئه، وبهذا يمكن أن يفتح باب الحوار، وتتشكل مساحة للتقارب بين المختلفين، ويكبح جماح الغرور لدى المتحاورين.أهـ
ولو قارنت شدة ورع السلف في قضايا العلم والفتيا والحكم بشدة جرأة أهل العصر لرأيت العجب العجاب، في (جامع بيان العلم: 2/57) أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن قضية فبقي يفكر فيها حولاً ثم قال في إحدى خطبه: التمست مسألتكم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما وجدتها فأقول فيها برأيي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.أهـ 
ويقول الإمام الشعبي (صفة الفتوى لابن حمدان): إن المسألة لتعرض على أحدكم فيفتي فيها وهو متكئ على أريكته، ولو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر. أهـ وفي المصدر نفسه: أن أهل المغرب أرسلوا إلى الإمام مالك بن أنس يستفتونه في ثمان وثلاثين مسألة، فأجاب عن ست، وقال في اثنتين وثلاثين: لا أدري.أهـ والقصة مشهورة. 
وفي (جامع بيان العلم وفضله 2/53): أن رجلا سأل القاسم بن محمد -أحد فقهاء التابعين السبعة– فقال: لا أحسنه، فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك، فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرت الناس حولي، والله ما أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي، الزمها فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم، فقال القاسم: والله لئن يقطع لساني أحبّ إليّ من أن أتكلم بما لا علم لي.أهـ 
قال الماوردي (أدب الدنيا والدين: 28): ومن ظن أن للعلم غاية فقد بخسه حقه، ووضعه في غير منزلته، قال بعض العلماء: لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته كنا قد بدأنا العلم بالنقيصة، ولكنا نطلبه لنُنقِص في كل يوم من الجهل ونزداد في كل يوم من العلم، 
وقيل لحماد الراوية: أما تشبع من هذه العلوم؟ فقال: استفرغنا فيها المجهود، فلم نبلغ منها المحدود، فنحن كما قال الشاعر: إذا قطعنا علَما بدا علَمٌ، 
وأنشد الرشيد عن المهدي بيتين وقال أظنهما له: 

يا نفس خوضي بحَارَ الْعِلْمِ أو غُوصي ******* فالنَّاسُ ما بَيْنِ مَعْمومٍ ومَخْصوصِ
لا شيء في هذه الدنيا يُحاط به ******* إلاَّ إحَاطَةَ مَنقوص بمنقوصِ
وقد أدرك الفلاسفة وعلماء الغرب المشهورون هذه الحقيقة حينما أدركهم أجلُهم، قال سقراط حينما أدركته الوفاة: الآن علمت أني لا أعلم شيئا.أهـ
وقال غوته لـمّا جاءه الأجل: كم من آفاق لم نطلع عليها.أهـ
وقال نيوتن وهو في سكرات الموت: إننا في العلم كالطفل على شاطئ بحر زاخر يقذف إليه الموج حين يموج بقطع مِن الصدف فيحسبها كل ما في البحر، وما في البحر ما نعلم.أهـ

واليوم؛ فقد أصبح القول في الدين والعلم كلأ مباحا لجميع الناس، فالعلمانيون والليبراليون، ومقدمو البرامج والمطربون، والممثلون والممثلات، بل والكفار من اليهود والنصارى وغيرهم،كل هؤلاء جعلوا من أنفسهم مفتين؟ يصنفون بحسب أهوائهم من هو المتطرف والمتشدد، ومن الوسطي المعتدل! وما هو من الدين وما ليس منه! وكلهم يقول: إلي فعندي الفقه الوسطي الطيب وما هو إلا فقه غلاة الإرجاء وأهل التسيّب، وما القوم إلا تجار سوء وأصحاب فتنة، فهم في لغط مضل وغلط مذل، والله المستعان.
ولسان حالهم ومقالهم يردد:

العلم ما ينقله الإعلام ****** وليس ما يبثه الإسلام
والحق ما تطلقه الأبواق ******* وليس ما تثبته الأخلاق

ولكن هيهات أن يعدو الخب قدره، قال تعالى: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) 

إن اللآليء تبقى وهي غالية ******* وإنما تعصف الأمواج بالزبد
الباب السادس:
المنهج الأثبت في التبيّن والتثبت














فصل: التزام منهج التبيّن والتثبت: 
الواجب على كل مسلم التبيّن والتثبت في النقل، ولو اتبع المسلمون منهج التبيّن والتثبت فيما ينقل إليهم من أخبار وأقوال ومواقف لزال كثير من الخلاف الذي نراه، وقد بين الله عز وجل في كتابه المنهج الشرعي الذي يجب اتباعه، منهج التثبت والتبيّن وصيانة اللسان عن حرمات المسلمين وعن نقل ما لم يثبت والبعد عن قول ما لم يتبيّن فيه، إذ فصل ربنا سبحانه في سورة النور المنهج الحق الواجب اتباعه وما يجب على المؤمن أن يظنه بأخيه فقال: (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)، ووضع حدا حتى لا يستشري التعرض لأعراض الناس بالقذف وحكم من لم يضبط شهادته فقال تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ)، وأخبر بعظم ذلك الأمر عنده فقال محذرا: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) ، وقال سبحانه مبينا المطلوب قوله: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)، ووعظ المؤمنين ليتبيّنوا فلا يستعجلوا، وذكرّهم بحالهم قبل هدايته لهم، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء:94) وبيّن الطريق القويم للتعامل مع أخبار الفساق، بقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)، ونهى سبحانه عن القفو والقول بغير علم وخوفه السؤال والعقاب، قال سبحانه: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)، وعمم أعظم تعميم وخوف أيما تخويف بقوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قّ:18)
في الصحيحين عن المغيرةِ بنِ شعبةَ أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ. وفي مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثًا فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ]. وفي المسند وأبي داود عن أَبِى مَسْعُودٍ البدري أو حذيفةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا] السلسلة الصحيحة (866)
واعتبر بعض العلماء نقل الأقوال شهادة بأن القائل قد قال هذا القول، والشاهد لابد أن يكون متثبتاً فيما يقول، باذلاً جهده مستفرغاً وسعه كي لا ينسب إلى الناس أمراً لم يصدر عنهم، وإلا كان شاهد زور أو مغفلاً لا تقبل شهادته، وتفصيل هذه المسألة في كتب الأصول، 
في مقدمة مسلم عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ]، هذا لمجرد النقل والتحديث فكيف بمن يذهب بعيدا بتحليلات وتأويلات الأقوال دون التثبت غير مكتف بنقلها، وكيف بمن يبني الأحكام على ذلك؟! 


فصل: الانشغال بالله عن النفس وبالنفس عن الناس:
واعلم –أخياه- أنه لا يجوز جرح مَنْ لا حاجة إلى جرحه والكلام عليه، لأن جرح الناس إنما شُرع للضرورة، وأن نقل الأخطاء مشروع إذا كان لغرض الإصلاح ببيان الحق وهداية الخلق، وإلا فلا يحل نقلها للتندر والاستكثار والتفكه بها والتنقص من أهلها، فشأن المسلم أن ينشغل بدعوة الناس وردهم إلى الإسلام والهدى والحق ردا جميلا، لا أن يوطن نفسه على تصنيف الناس والحكم عليهم، كما لا ينبغي الانشغال بالمفضول عن الفاضل ولا بالمباح عن الواجب والمستحب فكيف بمن ينشغل بالحرام عنهما.
وفي كتاب مدارج السالكين لابن القيم تفصيل وتوسع في هذا الموضوع يحسن الرجوع إليه.
روى أبو نعيم (حلية الأولياء: 3/352) عن شريك قال: سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية فبكى، فندمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه، فقال: إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره.أهـ
قال ابن القيم (الفوائد: 107): من اشتغل بالله عن نفسه كفاه الله مؤونة نفسه، ومن اشتغل بالله عن الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن اشتغل بنفسه عن الله وكله الله إلى نفسه ومن اشتغل بالناس عن الله وكله الله إليهم. وقال (الفوائد: 58): أخسر الناس صفقة من اشتغل عن الله بنفسه، بل أخسر منه من اشتغل عن نفسه بالناس.أهـ

من كل شيء إذا ضيعته عوض ******* وما من الله إن ضيعته عوض

فصل: كلام الأقران يطوى ولا يروى إلا مع الحجة والبرهان:
لا يجوز نقد الناس أو جرحهم أو الإساءة لهم اعتمادا على قول قرين، فإن كلام الأقران من أهل الخير والفضل بعضهم على بعض يطوى ولا يروى إلا إذا كان بحجة وبرهان وفق الضوابط التي شرعت في دين ربنا الرحمن، ويتأكد عدم اعتبار الكلام إذا بدا صدوره بدافع خلاف أو حسد.
قال الإمام البخاري (القراءة خلف الإمام: 102): ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم، وتأويل بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم يسقط عدالتهم إلا ببرهان ثابت وحجة.أهـ
قال الإمام الشافعي (الأم: 7/23): ولا نقبل الجرح من الجارح إلا بتفسير ما يجرح به الجارح المجروح، فإن الناس قد يجرحون بالاختلاف والأهواء، ويكفر بعضهم بعضا ويضلل بعضهم بعضا، ويجرحون بالتأويل، فلا يقبل الجرح إلا بنص ما يرى هو مثله بجرح، سواء أكان الجارح فقيها أو غير فقيه لما وصفت من التأويل.أهـ
قال الشيخ ناصر العمر (سورة الحجرات دراسة تحليلية: 201): الغَيرة –بالفتح- محمودة، وهو أن يغار المرء وينفعل من أجل دين الله، وحرمات الله عز وجل، لكنها قد تجر صاحبها –إن لم يتحرز- شيئا فشيئا، حتى يقع في لحوم العلماء من حيث لا يشعر.
قال سعيد بن جبير: استمعوا لعلم العلماء، ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشد تغايرا –من الغيرة، يعني: اختلافا- من التيوس في ضرابها. أي استفيدوا من كلام العلماء ولكن لا تصدقوا الأقران بعضهم على بعض.أهـ 
قال الإمام الذهبي (ميزان الاعتدال: 1/251 ترجمة الإمام أحمد الأصفهاني): كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى النبيين والصديقين فلو شئت لسردت لك من ذلك كراريس.أهـ 
ومن الناس من يظن أن كل كلام من الأقران بعضهم على بعض مردود، وهذا خطأ، والصحيح أن الكلام يرد:
- إذا صدر من أصحاب العلم والخير والجهاد والديانة بعضهم على بعض، بعد أن ثبتت عدالتهم واشتهر خيرهم وبان حسن سيرتهم. 
- عدم الإتيان بالحجة والبرهان على الكلام.
- ظهور جانب من الحسد أو التنافس غير المشروع أو وجود الخلاف المفضي للجرح. 
فمن ثبتت عدالته بيقين فلا يقبل فيه الجرح إلا مفسراً، ومن لم تثبت عدالته، وكان الجارح ورعاً -وكذلك كان أئمة السنة- فإنه يقبل، ولولا هذا التفريق؛ لم يُقبل كلام أهل السنة في أهل البدعة والضلالة بحجة الخلاف في المعتقد والمنهج، بل إن القرين أخبر وأعلم بقرينه ما لم يكن صاحب هوى أو حاسدا أو لم يكن لديه برهان أو كان كلامه بخلاف المستيقن.
قال الإمام ابن عبد البر (جامع بيان العلم: 2/162): لا يقبل فيمن صحت عدالته وعُلمت بالعلم عنايته وسلم من الكبائر ولزم المروءة والتعاون وكان خيره غالباً وشره أقلَّ عمله، فهذا لا يقبل فيه قول قائل لا برهان له به، فهذا هو الحق الذي لا يصح غيره إن شاء الله.أهـ 
وقال العلامة المعلّمي (التنكيل: 1/57): ومع هذا كله فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب، وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح، ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقاً بأن الجارح كان ساخطاً على المجروح، ولا ترجيح الجرح مطلقاً بأن المعدل كان صديقاً له، وإنما يستدل بالسخط والصداقة على قوة احتمال الخطأ إذا كان محتملاً، فأما إذا لزم من اطراح الجرح أو التعديل نسبة من صدر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع من مثله، فهذا يحتاج إلى بينة أخرى، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطاً أو محباً.أهـ
قال الدكتور محمد لطفي الصباغ (مقدمة تحذير الخواص للسيوطي: 42): إن هذا الإطلاق خطأ كبير في رأيي، ذلك أن أقدر الناس على الحكم على إنسان معين معاصروه الذين خالطوه وعاشروه وعرفوه المعرفة التامة؛ والصواب أن نطلب التأني في قبول الحكم، والتأمل فيه، واشتراط التقوى في الذي يُصدر هذا الحكم وبراءته من اللدد في الخصومة والمنافسة في الدنيا والمبالغة المتطرفة في الحكم.أهـ
فصل: آفة الأخبار رواتها:
ويجب الحذر من رمي الآخرين بالسيئ من القول أو الفعل اعتمادا على قول من عرف بالخطأ والغلط وإن كان من الطائفة ذاتها أو الجماعة نفسها.
ولا يجوز من باب أولى؛ أن ننسب قولاً أو فعلاً إلى عالم أو داعية أو جماعة أو مذهب أو أي مسلم لأن فلاناً قد نسبه إليهم، أو لأن وسائل الإعلام والصحافة محلية أو عالمية وسمتهم ونبزتهم بذلك، فإنها أقرب إلى الكذب منه إلى الصدق.
ولتتذكر –أخياه- وأنت تنسب إلى الآخرين أقوالا أو أفعالا أنك واقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فسائلك ومحاسبك، وسيقاضيك من نسبت إليه باطلا على ما نسبته إليه، فأعدّ للسؤال جواباً، أو اصمت، في الصحيحين عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ]، وفي الأصل المشهور (آفة الأخبار رواتها)، فكم يقال: حدثني الثقة أو من أثق به، وإذا بحثت في حال هذا الثقة وفق منهج علمائنا الأوائل، وجدت أحسن أحواله أنه مجهول الحال، هذا إن لم يكن ممن لا تحل الرواية عنهم من المتروكين والكذابين، والله المستعان.
فصل: عدم الاستعجال في الرد والنقد: 
ومن التثبت التأني وعدم الاستعجال في الجواب والرد قبل أن تقرأ الكلام إلى آخره أو ينهي المتكلم كلامه، وعلى المسلم أن يُوطّنَ نفسه على التأني والتّؤَدَةِ وعدم الاستعجال، وعدم إلقاء الكلام على عواهنه، والدقة في الألفاظ، والتعبير عن المسائل بالطرق العلمية والإجابة عن ما يشكل بالأساليب الصحيحة.
في مسلم عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: [إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ]، وفي الترمذي والبيهقي وأبي يعلى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [التَّأَنِّي مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ]. حسنه الألباني في صحيح الجامع (3011). 
وفي المسند وأبي داود عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ فِي عَمَلِ الآخِرَةِ]. السلسلة الصحيحة (1794) وفي الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالاِقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ]. صحيح الجامع (3010)
وإن المستعجل في الرد والتخطئة كمن يكفر من يريد النطق بالشهادة إذا قال (لا إله) قبل أن يقول (إلا الله)، قال ابن تيمية (المجموع: 31/116): من رام أن يجعل للكلام معنى صحيحا قبل أن يَتمَّ لزمه أن يجعل أول كلمة التوحيد كفرا وآخرها إيمانا ؛ وأن المتكلم بها قد كفر ثم آمن، فنعوذ بالله من هذا الخبال.أهـ
قال الإمام ابن حبان (روضة العقلاء: 119): من علامات الحمق التي يجب للعاقل تفقدهاممن خفي عليه أمره: سرعة الجواب، وترك التثبت، والإفراط في الضحك، وكثرةالالتفات، والوقيعة في الأخيار، والاختلاط بالأشرار.أهـ 
قال القطامي:

قد يدرك المتأني بعضَ حاجته******** وقد يكون مع المستعجل الزللُ
فصل: الرواية باللفظ نفسه أو بمعناه الصحيح:
كل علم لابد فيه من نقل مصدَّق، ونظر محقَّق، وكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق، وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب. 
والأصل في نقل الأقوال أن يكون بلفظها ونصها ونقل الأفعال والأحوال أن يكون بحجمها وحقيقتها، ولا يحل النقل بالمعنى إلا بشروط ذكرها علماء الأصول وأهل الحديث، من أهمها:
- إذا تعذرت الرواية باللفظ كأن يكون نسي اللفظ ويذكر معناه.
- لا يحل النقل بالمعنى إلا لمن يعلم بمعاني الألفاظ ولوازمها ومقتضياتها وما تؤدي إليه.
- أن يذكر أنه ينقل بالمعنى الذي فهمه هو وأن هذا ليس لفظ صاحب الكلام، لرفع اللبس عند السامع، فربما كان المعنى الذي فهمه خطأ.
- أن يحذر من أن يذكر من المعاني ما لا يدل عليه لفظ المتكلم.
- ولا يجوز إذا تعلق الحكم والمقصود باللفظ ولابد. 
ونقل الأحوال والأفعال يجب أن يكون دقيقا جهد الإمكان دون مبالغة أو تطفيف، ومن أخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه من غير اجتهاد يُعذَر به فهو كذاب، وبقدر الزيادة والنقص يقترب الإنسان من الكذب، ويكون الحال أكثر سوءا حينما يُصوّر الحدث تصويرا خياليا بسبب المبالغة الكبيرة بالزيادة أو النقص، ويغلب على الناس المبالغة في مدح من يحبون والمبالغة في ذم من يكرهون، فينقلون بحسب رغباتهم لا بحسب الحال والواقع، وهذا يشوش على السامع والمتلقي.
في السنن عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:[نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ] وفي رواية: [نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ]، صحيح الجامع (6764، 6765) 
والمبالغة أو النقص المخل أو بالمعنى الفاسد نوع من الكذب، والعرب تسمي الخطأ كذبا، في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: جَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُونَ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا، لاَ أَدْرِى لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِى، فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لاَ يَعْقِلَهَا فَلاَ أُحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَىَّ.أهـ
قال النووي في التقريب: قال جمهور السلف والخلف من الطوائف: يجوز بالمعنى في جميعه –يعني: حديث النبي عليه الصلاة والسلام وحديث غيره- إذا قطع بأداء المعنى، وقال في الإرشاد: وذهب جمهور السلف والخلف من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول إلى جواز الرواية بالمعنى في الجميع إذا قطع بأنه أدّى المعنى، وهذا هو الصحيح.أهـ وقال نحوه السيوطي في تدريب الراوي والسخاوي في فتح المغيث.
قال الشوكاني (إرشاد الفحول: 155): -رواية الحديث بالمعنى- من عارف بمعاني الألفاظ جائز، لا إذا لم يكن عارفًا. فإنه لا يجوز له الرواية بالمعنى. قال القاضي في (التقريب): بالإجماع، ومنهم من شرط أن يأتي بلفظ مرادف، كالجلوس مكان القعود أو العكس، ومنهم من شرط أن يكون ما جاء به مساويًا للأصل في الجلاء والخفاء فلا يأتي مكان الجليّ بما هو دونه في الجلاء ولا مكان العام بالخاص ولا مكان المطلق بالمقيد، ولا مكان الأمر بالخبر ولا عكس ذلك.
وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر مما تعبدنا بلفظه، كألفاظ الاستفتاح، والتشهد، وهذا الشرط لا بد منه، وقد قيل إنه مجمع عليه.
وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر من باب المتشابه، كأحاديث الصفات. وحكى إلكيا الطبري الإجماع على هذا؛ لأن اللفظ الذي تكلم به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُدرى هل يساويه اللفظ الذي تكلم به الراوي، ويحتمل ما يحتمله من وجوه التأويل أم لا.
وشرط بعضهم أن لا يكون الخبر من جوامع الكلم، فإن كان من جوامع الكلم، كقوله: [إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ]، [مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ]، و[الْحَرْبُ خُدْعَةً]، و[الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ]، و[الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ]، و[الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي]، لم تجز روايته بالمعنى.
وقال: فإن حفظه لم يجز له أن يرويه بغيره؛ لأن في كلام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الفصاحة ما لا يوجد في غيره وإن لم يحفظ اللفظ جاز له الرواية بالمعنى، وبهذا جزم الماوردي والروياني.أهـ
وقال اللكنوي والقاسمي: قال جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الفقه والأصول والمحدثين ومنهم الأئمة الأربعة وأكثر أتباعهم بجواز الرواية بالمعنى للعارف إذا قطع بأداء المعنى.أهـ
وقد أفاض علماء الأصول والمصطلح في بيان هذه المسألة وشروطها، وللتفصيل ينظر (البحر المحيط) للزركشي و(إرشاد الفحول) للشوكاني، و(توجيه النظر) للجزائري، و(أسباب اختلاف المحدثين) لخلدون الأحدب.

الباب السابع:
أصول هامة وقواعد عامة

فصل: لازم القول ولازم المذهب:
وهذه مسألة غاية في الأهمية، فلكل كلام معنى ودلالات، وإرادة المعنى الذي وضع له اللفظ لغة أو اصطلاحا لا بد منه لأن الألفاظ قوالب المعاني وإلا أصبحت الألفاظ غير معبرة عن معانيها التي وضعت لها، فمن تكلم بكلام وجب أن يعرف معناه فيكون هو المقصود من كلامه.
وللكلام لوازم قد تكون حقا أو باطلا، فاللازم الحق يُثبَت لأنه حق ولا حرج فيه، واللازم الباطل لا يلزم القائل به إلا إذا قيل له فالتزم به، وكثير من الأحيان يُنقل الكلام بلازم من لوازمه وأحيانا بلازم غير صحيح فيُلزَم المتكلم بما لا يريده ولا يقصده ولا يلتزم به هو، مثل: من أفتى بعدم وجوب الجهاد في العراق، وهذه الفتوى خطأ بلاشك، ولكن من الناس من يريد إلزام هذا المفتي بولاء الأعداء أو عدم شجاعته أو قلة حيائه وغيرته إلى آخر ذلك، وهذه إلزامات باطلة لا تثبت حتى يقر بها ذلك المفتي، أو تثبت بدليل صحيح من قول أو فعل وهذا أمر آخر، وإنما نتكلم عن إلزام القائل بشيء لم يقله ولم يفعله ولم يلتزم به.
ومثل من تكلم بسوء على مجاهد أو جماعة بحق أو بباطل، فإن من الناس من ينسبه إلى فسق أو بدعة أو كفر وربما تعرّض للقتل، وذلك لأن الذي تصدى له ألزمه بإلزامات لم يقلها ولم يفعلها، وهذا بخلاف من حُكم عليه بما يستحق من العقوبة الشرعية على ما ثبت عليه ارتكابه فهذا أمر آخر لا يعنينا في البحث ولا ننكره إذا جرى وفق الضوابط الشرعية. 
ومثل من ظن بنفسه أو بجماعته أنها على حق فألزم نفسه وغيره بلوازم غير صحيحة، منها بطلان الجماعات الأخرى أو تكفيرها لأنها لم تلتحق بما يراه حقا!
قال شيخ الإسلام (المجموع: 29/42): لازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه؛ فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا عُلم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذاهب الأئمة من هذا الباب.
والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق. فهذا لا يجب التزامه؛ إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض. وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين. ثم إن عُرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه؛ وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه؛ لكونه قد قال ما يلزمه وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه.
وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب؛ هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله، وإن كان متناقضا،.... فإذا عُرف هذا، عُرف الفرق بين الواجب من المقالات والواقع منها.
وهذا متوجه في اللوازم التي لم يصرح هو بعدم لزومها، فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال؛ وإلا لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لكونه ملتزما لرسالته، فلما لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول وإن كان لازما له، ظهر الفرق بين اللازم الذي لم ينفه واللازم الذي نفاه.أهـ
وفي (المجموع: 20/217): سئل شيخ الإسلام: هل لازم المذهب مذهب أم لا؟
فأجاب: قول السائل: هل لازم المذهب مذهب أم ليس بمذهب؟ فالصواب: أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه؛ فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبا عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال غير التزامه اللوازم التي يظهر أنها من قبل الكفر والمحال مما هو أكثر، فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها لكن لم يَعلم أنها تلزمه، ولو كان لازم المذهب مذهبا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة.أهـ
وقال (درء تعارض العقل والنقل: 4/423): ولكن لازم المذهب ليس بمذهب، وليس كل من قال قولا التزم لوازمه التي صرح لفسادها بل قد يتفق العقلاء على مقدمة وإن تناقض بعضهم في لوازمها.أهـ
وقال الشاطبي (الاعتصام: 330): ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضا: أن لازم المذهب ليس بمذهب.اهـ وبهذا قال العز (قواعد الأحكام: 172) والزركشي (البحر المحيط: 1/299) وغيرهم.
قال ابن القيم (النونية وشرحها لابن عيسى: 2/394-401):

ولذاك لم يك لازما لمذاهب الـ***ـعلماء مذهبهم بلا برهان
لا فرق بين ظهوره وخفائه*** قد يذهلون عن اللزوم الداني
بخلاف لازم ما يقول إلاهُنا*** ونبينا المعصوم بالبرهان

قال ابن عثيمين (القواعد المثلى): ودلالة الالتزام مفيدة جداً لطالب العلم إذا تدبر المعنى ووفقه الله تعالى فهماً للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.
واعلم أن اللازم من قول الله تعالى، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صح أن يكون لازماً فهو حق؛ وذلك لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازماً من كلامه وكلام رسوله فيكون مراداً.
وأما اللازم من قول أحدٍ سوى قول الله ورسوله، فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يُذكر للقائل ويَلتزم به، مثل أن يقول من ينفي الصفات الفعلية لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله عز وجل أن يكون من أفعاله ما هو حادث. فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالاً لما يريد ولا نفاد لأقواله وأفعاله كما قال تعالى:(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً)، وقال: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصاً في حقه.
الحال الثانية: أن يُذكر له ويمنع اللازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابهاً للخلق في صفاته. فيقول المثبت: لا يلزم ذلك، لأن صفات الخالق مضافة إليه لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله تعالى ذاتاً وتمنع أن يكون مشابهاً للخلق في ذاته، فأي فرق بين الذات والصفات؟!.
وحكم اللازم في هاتين الحالتين ظاهر.
الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتاً عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمه في هذه الحال ألا ينسب إلى القائل، لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم. ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول.
فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازماً من قوله، لزم أن يكون قولاً له، لأن ذلك هو الأصل، لاسيما مع قرب التلازم.
قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه، ونحو ذلك.
وهذا القول هو الصواب لأمور:
1) أن لازم القول الصحيح حق فلا تمتنع إضافته إلى المجتهد إذ لا ضرر يلحقه في ذلك، أما اللازم الباطل فلو صحت نسبته للزم تكفير كثير من العلماء كما سبق.
2) أن التناقض ليس مستحيلاً على المجتهد لكثرة وقوعه كما سبق أن نقلنا عن شيخ الإسلام في ذلك.
3) القول بأن لازم المذهب ليس مذهباً على الإطلاق يتعارض مع ما صنعه علماء المذاهب الأربعة من استنتاج مذاهب الأئمة من فتاواهم بطريق التلازم بين ما أفتوا فيه وسكتوا عنه.أهـ
فصل: وجوب رد المتشابه إلى المحكم:
اعتماد المحكم ورد المتشابه إلى المحكم؛ أصل عظيم من أصول الشرع التي أمر الله بها، وحكم على التارك لهذا الأصل المتبع للمتشابه بالزيغ وسوء الطوية وقصد تحريف الكلم، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(آل عمران:7)
والمحكم: هو الواضح البيّن ومن العلماء من جعل الخاص والمقيد والناسخ من المحكم، والمتشابه: هو المجمل غير المبين، ومن العلماء من جعل العام والمطلق والمنسوخ من المتشابه، فلا يجوز الأخذ بالمجمل دون المفصل المبين أو المطلق دون المقيد أو المتقدم دون المتأخر أو العام دون الخاص.
وهذا الأصل (رد المتشابه إلى المحكم) واجب في حق الأدلة الشرعية، وهو واجب أيضا في حق الناس لفهم أحوالهم وأقوالهم ومواقفهم، فالواجب اعتبار الثابت والمعروف والمشهور من أقوال الناس وأفعالهم (المحكم) حين ورود غير الواضح من أقوالهم وأفعالهم (المتشابه) إلى أن يتثبت المسلم من المتشابه ويدركه على وجهه المقصود، وهذه هي الطريق الصحيحة وإلا وقع الإنسان في التخبط في تقويم الناس والنقل عنهم، فقد يرد الخطأ من الإنسان نفسه أو ممن نقل عنه، وقد يكون النقل مجتزأ أو محرّفا أو كان هذا القول أو الفعل لحال خاصة وظرف معين، إلى غير ذلك من الاحتمالات.
فصل: تحرير محل النزاع وتحديد وجه الخلاف: 
وهذا لا يأتي إلا بعد استكمال الخطوات السابقة، فكثيراً ما يقع الخلاف، ويستمر النقاش، والمختلفون لا يعرفون على التحديد ما هي نقاط الخلاف بينهم، ولذا يجب تحرير محل النزاع وتحديد وجه الاختلاف وموطنه تحديداً واضحاً قبل الدخول في نقاش أو جدال حتى يتبين أساس الخلاف وتعلم حقيقة قول المخالف، فلا يضيع الوقت في أمور قد يتجادل فيها الناس وهم متفقون عليها، فقد يقع الخلاف بين أناس في الألفاظ دون المعاني والمقاصد، فلو استبدل أحد المختلفين لفظة بأخرى لزال الإشكال بينهما. 
وقد يكون الخلاف في جزئية معينة فيعديه بعضهم إلى جزئيات ومواطن أخرى، فلا بد من التأكد من أن الاختلاف ينصب على جزئية واحدة، من جهة واحدة، وأنهم يتصورونها تصوراً كاملاً، فيتحدثون عنها من خلال ظروف واحدة. 
وقد حرص سلفنا الصالح على هذه القضية وأكثروا من ذكرها في كتب الأصول والفقه والخلاف، بل كتب العقائد أيضا، فكم من مسألة أغلقوا باب الخلاف فيها بقولهم: هذا في غير محل النزاع، أو قالوا: وتحرير محل النزاع غير هذا.
فصل: لا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم إذا كان المعنى صحيحا:
ومما يدخل في هذا البند؛ التعرف على أسلوب المتكلم ومنهجه وطرق استخدامه للألفاظ، وتفسير المجمل من كلامه بالمفصل والمتشابه بالمحكم، وخاصة إذا صدر عنه شيء لم يعهد عنه، أو كان له مصطلحات خاصة (فلا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم إذا كان المعنى صحيحا)، وهذه قاعدة مشهورة، وقد كان لبعض أئمة الدين مصطلحات في العلم الذي برعوا فيه كالبخاري وابن معين والترمذي وأبي حاتم وابنه في الرجال والحديث وللفقهاء الأربعة المتبوعين بعض المصطلحات الخاصة التي يجب معرفتها كالتفريق بين الفرض والواجب والتفريق بين الباطل والفاسد عند الحنفية وعمل أهل المدينة عند المالكية وغير ذلك.
قال العلامة السبكي (قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين: 93): كثيراً ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب -يعني الكتاب الذي وُجدت فيه هذه الكلمة- يغير على الكتاب والمؤلف، ومن عاشره، ومن استن بسنته... إلى أن قال: مع أن المؤلف لم يُرد ذلك الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل، فإذا كان هذا الرجل ثقة ومشهوداً له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يُحمل كلامُه وألفاظ كتابه على غير ما تعود منه ومن أمثاله، بل ينبغي: التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله.أهـ
قال ابن تيمية (الصارم المسلول: 287): أخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة.أهـ
وقال (الجواب الصحيح: 4/44): يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته وما يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عُرفه وعادته في معانيه وألفاظه كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده، وأما إذا استُعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه وتُرك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحُمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عُرف أنه يريده بذلك اللفظ، بجعل كلامه متناقضا وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه وتبديلا لمقاصده وكذبا عليه.أهـ
والواجب إعمال هذه الأصول بحق الناس جميعا واتباع السلوك الصحيح معهم فضلا عن العلماء الأكابر، ليسهل فهم كلامهم ولا يحمل على معان غير مقصودة. 

الباب الثامن:
السلوك والآداب الهادية إلى الحق في مسائل الخلاف.












هنالك جملة من الآداب التي إذا اتبعها المسلمون فيما ينشأ بينهم من اختلاف اهتدوا بحول الله ومشيئته ورحمته إلى الحق، ومن أهمها: 
أولا: لزوم الاستغفار والإلحاح بالدعاء للوصول للحق.
إن أولى العبادات في هذا الباب، هو المداومة على الدعاء، والانطراح بين يدي العليم الخبير، والانكسار للكبير المتعال والإلحاح في الدعاء وكثرته وتكراره، وتحري أوقات وأحوال الاستجابة، عسى أن يهدي الله تعالى العبد للصواب في الأمور التي يختلف فيها العباد، فالدعاء في الأصل من أفضل القربات، قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)(غافر:60)، في المسند والسنن إلا النسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: [الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ]، ثُمَّ قَرَأَ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). صَحِيح الجامع (3407)، بل إن الله يغضب على من لا يسأله، في مستدرك الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مَن لم يَدعُ اللهَ يغضبْ عليه] وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، والألباني في السلسلة الصحيحة (2654)، وليعزم المسألة ويلح فيها، في الصحيحين -واللفظ لمسلم-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلاَ يَقُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ]،
ويتأكد الدعاء إذا اختلطت الأمور واختلف الناس، في صحيح مسلم قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ: [اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]، 
وفي الصحيحين عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: [وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ]،

أنت المنادى به في كل نائبة ******* وأنت ملجأ من ضاقت به الحيلُ

وكذلك لزوم الاستغفار والإكثار منه، فقد يحرم العبد أبوابا من التوفيق بسبب ذنوبه، وقد يسلب الفهم الصحيح لمعاصيه، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا، فقد كانت نجاة آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام من شراك إبليس وخلاصهم من إصر المعصية وأغلالها بتوبتهم وطلبهم المغفرة إذ (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف: 23)، وكان ذلك طريق أبي البشر الثاني نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام حينما شفع لابنه الكافر فأخطأ فسارع بالرجوع والإنابة من دون تردد: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (هود:47) واستغفر لوالديه وأتباعه في وقته وأتباع الملة وأصحاب العقيدة الإسلامية إلى يوم الدين فقال: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً)(نوح:28)وأوصى قومه بالاستغفار وذكرهم وعامة الخلق بأهميته مبينا بعض منافعه متعجبا من إهماله محذرا من تركه، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً)(نوح: 10-13)
وقد فعل نبي الله هود عليه الصلاة والسلام مثله فقال: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (هود:52)ونبي الله صالح عليه الصلاة والسلام يذكّر به مربوطا بالنعم والآلاء، جاء خبر ذلك بقوله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (هود:61) 
وقصة أبي الأنبياء وإمام الحنيفية إبراهيم عليه الصلاة والسلام طويلة مفصلة معمقة في هذا البابٍ، فإنه لم يكتف بالاستغفار لنفسه بل حاول ذلك لأبيه رغم كفره فنهاه ربه، لتبين عدم إمكان هداية والده فتاب وأناب، ومن ثم استغفر لجميع المؤمنين إلى يوم الحساب فقال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم:41)،
وأمر خطيب الأنبياء شعيب عليه الصلاة والسلام بالاستغفار مرغبا فقال: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود:90)، والكليم موسى عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول: (أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الأعراف:155) والمسيح عيسى عليه الصلاة والسلام يتودد إلى ربه في أحرج المواقف يوم القيامة فيطلب المغفرة للعباد وإن أصابوا العظائم فيقول: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:118)،
وأخبر ربنا سبحانه عن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام أنه قال -مرغبا مرهبا-: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) (هود:3) وحصر الرِّبيون المؤمنون المجاهدون دعاءهم بكلمات أولها الاستغفار وآخرها الاستنصار فأخبر الله عنهم بقوله: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:147)، 
ويتأكد الاستغفار عند المعصية وهو الأصل وكذلك عند النعمة والفتح والنصر كما في سورة النصر.
ومن الأحاديث:
في البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً] وفي مسلم عَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: [إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ]، وفي المسند والسنن إلا النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ يُعَدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: [رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَىَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ] وهو في صحيح الجامع (3486)، 

يارب كم من الأخطاء قد أتينا ******* وكم على أنفسنا جنينا
لكننا نرجوك يا من يغفرُ ******* وللذنوب والعيوب يسترُ
وكان عليه الصلاة والسلام يعلّم الداخل للإسلام هذا الأمر العظيم، في مسلم عن طارق بنِ أَشيمٍ الأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُ مَنْ أَسْلَمَ يَقُولُ: [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي] وفيه أيضا عن طارق أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّى قَالَ: [قُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي]، وَيَجْمَعُ أَصَابِعَهُ إِلاَّ الإِبْهَامَ: [فَإِنَّ هَؤُلاَءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ]. فانظر إلى عناية النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر العظيم. في المسند وأبي داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ]،
ولا تخلو عبادة من استغفار، وخاصة في خاتمة العبادة، مثل الصلاة والصيام والحج والجهاد وغيرها،

والاستغفار مقدم على التسبيح، فالتطهير مقدم على التعطير، قال الحافظ ابن حجر (الفتح: 11/103): وما ألطف قول ابن الجوزي، إذ سُئل أأسبح أو أستغفر؟ فقال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور.
وكان ابن تيمية إذا استعصت عليه مسألة يكثر من الاستغفار حتى يزيد على الألف مرة ويتذلل لله تعالى وينكسر بين يديه حتى يفتح له فيها، وفي النصيحة المشهورة يقول الإمام الشافعي:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي ******* فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العـــلم نور ******* ونور الله لا يؤتـاه عاص

وهذا غيض من فيض وقطرة من بحر، ولمن أراد التفصيل فعلية بكتاب التوابين للمقدسي، وباب علو الهمة في الاستغفار من كتاب علو الهمة لسيد حسين عفاني.
ثانيا: الإخلاص والتجرد: 
الواجب على المسلم أن يجعل نيته في المناظرة معرفة الحق الذي يوصل إلى الحق ومرضاته سبحانه وتعالى، وكشف الغموض عن مسألة يختلف فيها المسلمون، ليشارك في نصر الدين ورحمة أهله ويضع لبنة طيبة لرأب الصدع بينهم، وليكون مفتاحا للخير مغلاقا للشر ساعيا إلى جمع الكلمة وإصلاح ذات البين، فإن الإخلاص شرط لقبول العمل، قال تعالى: (فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَل عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا)(الكهف: 110)، وقال تعالى: (وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة:5)، وفي الصحيحين عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ]، فإذا خلصت النية فإن العبد يثاب على ما يبذله من جهد في هذا الصدد، سواء أصاب الحق في المسألة الاجتهادية أو أخطأه، وقد قال العلماء: نية المؤمن أبلغ من عمله. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [لا هِجرة بعدَ الفَتح ولكن جِهادٌ ونيَّةٌ].
إن الإخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده، فحينئذ تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، وهو سبيل الخلاص والإسلام هو مركب السلامة والإيمان خاتم الأمان، ولا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كله لله، وكلما قوي إخلاص العبد كملت عبوديته، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم الله المنافقين، وإن العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه، ومن تشبه بأهل الصدق والإخلاص وهو مراءٍ كمن تشبه بالأنبياء وهو كاذب، قال ابن رجب (كلمة الإخلاص: 31): ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق. 
وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته يكون توفيق الله له وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم قال ابن الجوزي (صيد الخاطر: 287): إذا حسنت السرائر أصلح الله الظواهر، ومن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في إصلاح السرائر فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر.
فالمخلص يصونه الله بعبادته وحده وإرادة وجهه وخشيته وحده، ورجائه وحده، والطلب منه والذل له والافتقار إليه. فإن العبد المخلص لا يرى نفسه إلا مقصراً والموجب له لهذه الرؤية: استعظام مطلوبه واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها، وقلة زاده في عينه، فمن عرف الله وعرف نفسه ، لم يرَ نفسه إلا بعين النقصان. 
قال ابن الجوزي (صيد الخاطر: 80): والله عز وجل معك على قدر صدق الطلب وقوة اللجأ، وخلع الحول والقوة، وهو الموفق. 
والنية يثاب عليها المؤمن بمجردها، وأما عمل البدن فهو مقيد بالقدرة، ومن عود نفسه العمل لله لم يكن أشق عليه من العمل لغيره، ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله، وهذا في جميع أبواب الأعمال، وإن تخليص الأعمال مما يفسدها يحتاج إلى مجاهدة وصبر فهو ثقيل شديد كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلا أصحاب العزائم، وهو أشد على العاملين من طول الاجتهاد،
قال أبو طالب المكي (قوت القلوب: 2/98): قال بعض السلف: من نجا من الكبر والرياء وحبّ الشهرة فقد سلم، وقال الثوري: ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي لأنها تفلّت عليّ يعني تشرد أو تضعف، فتحتاج إلى مداواة لها، كما قال المنصور: المداومة على العمل حتى يخلص أشد من العمل، وقال الثوري: ما أعتدّ بما ظهر من عملي، وقال عليّ رضي اللّه تعالى عنه: كونوا بقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، فإنه لا يقلّ عمل مع تقوى وكيف يقلّ عمل يتقبل؟، وقال بعضهم: من استوحش من الوحدة وأنس بالجماعة لم يسلم من الرياء، وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العلم الصالح فإذا بلغوه وقع عليهم الهمّ أيتقبل منهم أم لا؟.
وقال مالك بن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل، وقال ابن عجلان: العمل لا يصلح إلاّ بثلاث؛ التقوى للّه عزّ وجلّ، والنية الحسنة، والإصابة، وقد فسر الفضيل قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (هود:7)، قال: أخلصه وأصوبه قيل: وما ذاك؟ قال: العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وقال التياحي: للعمل أربع خصال لا يتم إلاّ بهنّ: معرفة اللّه عزّ وجلّ،ومعرفة الحق، والإخلاص به والعمل على السنّة.أهـ
وقال النووي (بستان العارفين: 8): قيل لأبي يحيى حبيب بن أبي ثابت التابعي مفتي أهل الكوفة والمعول عليه عندهم رحمه الله حدثنا عن أشق شيء؟ قال: مجيء النية، وعن سفيان الثوري رحمه الله قال: ما عالجت أشد علي من نيتي. وعن يزيد بن هارون رحمه الله ما عزت النية في الحديث إلا لشرفها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال إنما يحفظ الرجل على قدر نيته، وعن غيره إنما يعطى الناس على قدر نياتهم. وعن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي بالاسناد الصحيح أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا هذا على أن لا ينسب إلي حرف منه، وقال الشافعي أيضا ما ناظرت أحدا قط على الغلبة ووددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه. وقال أيضا ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعاون ويكون عليه رعاية من الله تعالى وحفظ. وقال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أريدوا بعلمكم الله تعالى فإني لم أجلس في مجلس قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح.أهـ
وبين ابن تيمية أهمية حسن النية وحكم من التزم بها وحكم من أفسدها على نفسه، فقال (المجموع: 28/235): القائل في ذلك بعلم لا بد له من حسن النية، فلو تكلم بحق لقَصْد العلو في الأرض أو الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء، وإن تكلم لأجل الله تعالى مخلصا له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله من ورثة الأنبياء خلفاء الرسل.أهـ 
وبيّن منزلة الإخلاص في جميع العبادات، ووجوب الخلوص من الأغراض التي تشوبه مفصلا أحوال المصلحين والمفسدين والمتعصبين، وأصحاب الأهواء المقالات المختلفة وحكم هذه الأحوال وأهلها، والواجب الشرعي في كل ذلك، فقال (منهاج السنة: 4/114-117): وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين في غير موضع وهو إمام الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولا أن يكون أمره لله وقصده طاعة الله فيما أمره به، وهو يحب صلاح المأمور أو إقامة الحجة عليه، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته وتنقيص غيره كان ذلك حمية لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطا، ثم إذا رد عليه ذلك وأوذي أو نسب إلى أنه مخطىء وغرضه فاسد طلبت نفسه الانتصار لنفسه وأتاه الشيطان، فكان مبدأ عمله لله ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي، وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهدا معذورا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن يوافقهم وإن كان جاهلا سيء القصد ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله، وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم ويقولون هذا صديقنا وهذا عدونا ..... لا ينظرون إلى موالاة الله ورسوله ومعاداة الله ورسوله، ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، فإذا لم يكن الدين كله لله كانت فتنة، وأصل الدين أن يكون الحب لله والبغض لله والموالاة لله والمعاداة لله والعبادة لله والإستعانة بالله والخوف من الله والرجاء لله والإعطاء لله والمنع لله وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله؛ الذي أمرُه أمرُ الله ونهيُه نهي الله ومعاداتُه معاداة الله وطاعته طاعة الله ومعصيتُه معصية الله.أهـ 
وقال الإمام الغزالي (إحياء علوم الدين: 3/369): ويزعم –المخالف- أن غرضه إصلاح الخلق، ولو ظهر من أقرانه من أقبل الخلق عليه وصلحوا على يديه لمات غما وحسدا، ولو أثنى أحد من المترددين إليه على بعض أقرانه لكان أبغض خلق الله إليه.أهـ
فصل: ومن علامات الإخلاص:
والواجب على كل من بوأه الله منزلة في العلم والدعوة والجهاد أن يتجرد عن الهوى عند بحثه قضايا الدين، ومسائل الشرع، وأن لا يكون دافعه إلى ذلك حب الظهور أو الغلبة أو الانتصار للنفس، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، في الترمذي عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: [مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ] حسنه الألباني في صحيح الجامع (6383). 
ومن دخل مسائل الخلاف بعدة الهوى وسلاح العصبية فقليلاً ما يوفق -والعياذ بالله- بالإضافة إلى إحراقه حسناته، وخسرانه وندامته عند لقاء ربه. 
ولمن أراد التفصيل فعليه بكتاب الإخلاص لسيد حسين العفاني 
ثالثا: لزوم سنة إحسان الظن بالآخرين واجتناب بدعة تزكية النفس واتهام نيات الآخرين: 
مهما كان مخالفك مخالفاً للحق في نظرك فإياك أن تتهم نيته، وافترض في أخيك الذي يؤمن بالكتاب والسنة ولم يخرج عن إجماع الأمة، الإخلاص ومحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والرغبة في الوصول إلى الحق، وناظره على هذا الأساس، وكن سليم الصدر نحوه. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات:12) وقال عز وجل: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10)
وبهذه الحال ستجتهد كي توصل الحق إلى مخالفك، إن كان الحق معك وتسمع منه وتتبعه إن كان الحق معه، ولكن إذا افترضت فيه سوء النية وقبح المقصد ابتداءا، فإن نقاشك معه سيأخذ منحى آخر بغية كشفه وإحراجه، وإخراج ما تظن من خبيئة سوء عنده، وقد يبادلك الشعور نفسه، فينقلب النقاش عداوة، والرغبة في الوصول إلى الحق رغبة في تحطيم المخالف وبيان ضلاله وانحرافه، فمن الناس من يصنف الآخرين بأنهم يحرثون في البحر، ويستنبتون البذور في الهواء، فأفهامهم سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وأعمالهم باطلة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع عن إنسان خيراً كذبه أو أوله، فاشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، وأول الأعمال والظواهر بأسوأ تأويل، وصادر آراء الآخرين قبل معرفتها، أو سماع الحجة عليها، ومعرفة برهانها.

قبحت منابتها وشاه نباتها ******* بسوى الفضائح نبتُها لم يثمر



فصل: كما تدين تدان:
وهذا الصنف من الناس يأتي فيهدم القائم من جسور الثقة بين المسلمين، بدلا من المشاركة في بنائها، ويحفر مكانها خنادق واسعة مهلكة من عدم الثقة وسوء الظن، ثم يطلب بعد ذلك أن يقبل الآخرون ما عنده، ويلومهم على عدم سماع ما لديه من الحق والهدى –بزعمه-!، 
وهذه طريقة الخوارج الحرورية الذين كانوا أول من فرّق المسلمين حين ساء ظنهم بمن سوى طائفتهم، واغتروا بأنفسهم وأعمالهم، فكان في ذلك هلاكهم.
وأحيانا يوضع قبح الطوية وسوء الظن بالآخرين تحت لافتات أخرى، فكم من دعوى للإصلاح والاستدراك والتصفية والتنقية ليس لها في الواقع مواقع، لم تجن الأمة منها إلا التفرق والتشرذم والتناحر.

لقد خاب من يسعى لإيذاء مسلم ******* كما خاب من يرجو سرابا بقيعة

رابعا: التزام الظاهر وترك السرائر إلى الله:
السنة أخذ المسلمين –في مسائل الخلاف- على الظواهر وترك السرائر لله تعالى، في الصحيحين عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يَقُولُ بَعَثَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَأَقْرَعَ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاَءِ. قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: [أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً]. قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ!. قَالَ: [وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ]. قَالَ ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: [لاَ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي]. فَقَالَ خَالِدٌ وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ؟!. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ]، قَالَ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهْوَ مُقَفٍّ فَقَالَ: [إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ]. وَأَظُنُّهُ قَالَ: [لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ]
قال ابن تيمية (المجموع: 7/217): ولم يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار الإسلام كما تكون لليهود والنصارى مقبرة يتميزون بها ومن دفن في مقابر المسلمين صلى عليه المسلمون والصلاة لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن فعلم أن ذلك بناء على الإيمان الظاهر والله يتولى السرائر وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليهم ويستغفر لهم حتى نهي عن ذلك، وعلل ذلك بالكفر فكان ذلك دليلا على أن كل من لم يعلم أنه كافر بالباطن جازت الصلاة عليه والاستغفار له، وإن كانت فيه بدعة وإن كان له ذنوب، وإذا ترك الإمام أو أهل العلم والدين "الصلاة" على بعض المتظاهرين ببدعة أو فجور زجرا عنها، لم يكن ذلك محرما للصلاة عليه والاستغفار له، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن كان يمتنع عن الصلاة عليه وهو الغال وقاتل نفسه والمدين الذي لا وفاء له: [صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ]، وروي أنه كان يستغفر للرجل في الباطن وإن كان في الظاهر يدع ذلك زجرا عن مثل مذهبه كما روي في حديث محلّم بن جثّامة، إلى أن قال: لكن المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها -ولو دعا الناس إليها- كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا، فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافر أصلا والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع.أهـ
خامسا: التزام الإنصاف فهو من العدل الواجب ومن علامات الإيمان:
الإنصاف واجب مأمور به ولو على النفس والأقربين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)(النساء: 135)، والإنصاف للمخالف وإن كان المخالف مكروها، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)، فالإنصاف من علامات الإيمان الكبرى، في البخاري معلقا، َقَالَ عَمَّار بن ياسر: ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ. 
ومن الإنصاف الاعتراف بما عند الطرف الآخر من العلم وما معه من صواب وعدم تحميل كلامه ما لا يحتمل، كان الإمام أحمد يقول في إسحاق (سير أعلام النبلاء: 11/375): لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا.أهـ

وما عبّر الإنسان عن فضل نفسه ******* بمثل اعتقاد الفضل في كل فاضل
وليس من الإنصاف أن يدفع الفتى ******* يد النقص عنه بانتقاص الأفاضل

ولا يقصر المسلم في إنصاف غيره إلا لأسباب حب الجاه والسلطان والنشأة مع أقران غير منصفين وقد فصل هذا الإمام الشوكاني في أدب الطلب ومنتهى الأرب.
فصل: حال المؤمن، واجتماع الحسنات والسيئات في شخص واحد:
والمؤمن لا يتمحض شرا بل فيه خير مع الشر دائما، في مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ] أَوْ قَالَ: [غَيْرَهُ]. فلابد من لزوم منهج التكامل، والتعاون على أساس تعدد الطاقات وتنوع المواهب وحاجة الناس بعضهم لبعض بدلا من التناحر والتجريح والرؤية الجزئية، قال تعالى: (فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ)، وإن ساحة العمل الإسلامي تسع الجميع بل هي بحاجة للجميع.
وقد يجتمع في الشخص الواحد حسنات وسيئات، فإذا توجه الذم إلى ما تضمنه من السيئات، فمن الإنصاف عدم إغفال ما عنده من حسنات، قال ابن تيمية (قاعدة في المحبة: 136-137): وهذه القاعدة قد ذكرناها غير مرة، وهي اجتماع الحسنات والسيئات والثواب والعقاب في حق الشخص الواحد، كما عليه أهل جماعة المسلمين من جميع الطوائف إلا من شذ عنهم من الخوارج والوعيدية من المعتزلة ونحوهم وغالب المرجئة، فإن هؤلاء ليس للشخص عندهم إلا أن يثاب أو يعاقب محمود من كل وجه أو مذموم من كل وجه، وقد بينا فساد هذا في غير هذا الموضع بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وذكرنا أيضا الكلام في الفعل الواحد نوعا وشخصا، 
والغرض هنا أن هؤلاء الذين لبسوا الحق والباطل حصل في مقابلتهم من أعرض عن الحق والباطل جميعا فصار هؤلاء مذمومين على فعل السيئات محمودين على فعل الحسنات، وأولئك يذمون على ترك الحسنات الواجبات ويمدحون على ما قصدوا تركه لله من السيئات، وسبب ذلك أن الإنسان فيه ظلم وجهل فإذا غلب عليه رأي أو خلق استعمله في الحق والباطل جميعا، لم يحفظ حدود الله ولهذا يأمر الله بحفظ حدوده .... إلى أن قال: وفي الإنسان قوتان قوة الحب وقوة البغض، وإنما خلق ذلك فيه ليحب الحق الذي يحبه الله ويبغض الباطل الذي يبغضه الله، وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ويحبونه، والنفس تميل إلى الإشراك بحسب الإمكان فإذا غلب على النفوس قوة المحبة لما يناسبها فأحبت الحق فقد تنجذب بسبب ذلك إلى محبة ما يقارنه من الباطل، ومن هنا مال كثير من النساك إلى محبة الأصوات والصور وغير ذلك بسبب ما فيهم من المحبة التي فيها ما هو لله، لكن لبسوا فيها الحق بالباطل، وكذلك قد يكون الشخص بالمحبة يميل إلى شهوات الغي في بطنه وفرجه وإنفاق الأموال فيها، ثم إنه بسبب ما فيه من الحب والدين يحب الحق وأهله ويعظمهم، فتجد كثيرا من أهل الشهوات وفيهم من المحبة لله ورسوله ما لا يوجد في كثير من النساك كما قال النبي في حمار الذي كان يشرب الخمر كثيرا لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله والحديث في البخاري وغيره. أهـ 
وقال أيضا (المجموع: 10/364-366): وهذا أصل عظيم: وهو أن تعرف الحسنة في نفسها علماً وعملاً، سواء كانت واجبة أو مستحبة، وتعرف السيئة في نفسها علماً وقولاً وعملاً، محظورة كانت أو غير محظورة –إن سميت غير المحظورة سيئة– وأن الدين تحصيل الحسنات والمصالح، وتعطيل السيئات والمفاسد، وأنه كثيراً ما يجتمع في الفعل الواحد، أو في الشخص الواحد الأمران، فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر. كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية والفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية. فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائماً بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان.أهـ 
فصل: العدل والقسط حق مكفول لكل البشر:
العدل قوام الملك والميزان الحق، به تنتصر الأمم وتنهض الشعوب، وبه تعلو الدرجات في الدنيا والآخرة، وضده الظلم وهو ظلمات في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء:58)، وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90)، وقال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(الأنعام:152)، 
وإن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، والباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء. 
في المسند والسنن عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا - مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ - مِثْلُ الْبَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ]. السلسلة الصحيحة (918).
والعدل واجب لجميع البشر ولو كان مستحقه مبغوضا أو مكروها، قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)
والعدل منهج النبيين والمرسلين ومن تبعهم بإحسان وسار على طريقهم وسلك سبيلهم، في كل أمورهم، في الصحيحين أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ]، وفيهما عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلاَدِكُمْ]، 
وفي النسائي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكَارِهِنَا وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْعَدْلِ أَيْنَ كُنَّا لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ. وفي رواية المسند: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَكْرَهِ وَالْمَنْشَطِ وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالأَثَرَةِ عَلَيْنَا وَأَنْ نُقِيمَ أَلْسُنَنَا بِالْعَدْلِ أَيْنَمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ. صححه الألباني في صحيح سنن النسائي (4154) 
وفي المسند عَنْ أبي موسى الأشعري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ]. قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: [يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ]. قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْعَلَ؟ قَالَ: [يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ]. قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: [يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالْعَدْلِ]. قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْعَل؟َ قَالَ: [يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ]. السلسلة الصحيحة (573)
يقول ابن تيمية في تقرير قاعدة العدل والقسط مع المخالفين كائنا من كانوا (منهاج السنة: 2/342): والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، ولا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني، فضلاً عن الرافضي، قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق.أهـ 
أقول: ليسمع هذا ويَفقَهُّ إخوة الجهاد وإخوة الدعوة وإخوة العمل السياسي والإخوة في الميادين كلها، الذين لا يقيمون العدل فيما بينهم فمتى يقيمونه على غيرهم، وليعلموا جميعا أن العدل مألوف والظلم عسوف.
قال تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(الأعراف:28)فلم يكذبهم الله تعالى في قولهم (وجدنا عليها آباءنا) مع كفرهم وضلالهم وإن كان هذا ليس عذرا لهم بل هم مؤاخذون، 
قال العلامة السعدي في تفسير الآية: (قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) وصدقوا في هذا (والله أمرنا بها) وكذبوا في هذا ولهذا رد الله عليهم هذه النسبة فقال: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء). 
وقال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) (الأنعام: 148)
قال الإمام البغوي (معالم التنزيل: 3/201): قلنا: التكذيب ليس في قولهم "لو شاء الله ما أشركنا" بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم: إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) ، فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء)، والدليل على ذلك، قوله: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) بالتشديد، ولو كان ذلك خبرا من الله عز وجل عن كذبهم في قولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) لقال (كذب الذين من قبلهم) بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب.أهـ 
ومقابلة السيئة بمثلها مشروع وعدل ما لم تكن السيئة قد حُرمت لحق الله تعالى، مثل الكذب والزنا والخيانة والتكفير، في المسند والسنن عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ]. السلسلة الصحيحة (423)
قال ابن تيمية (الرد على البكري: 2/16): وأهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالِف يكفرُهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله.أهـ 

فصل: طريق المبتدعة الجهل والظلم وعدم الإنصاف:
طريق المبتدعة والجهال والظلمة بخلاف طريق أهل السنة والعلم والعدل، فلما كان منطلق المبتدعة من الجهل فلا يتحرون بكلامهم وأفعالهم الحق والعدل كانوا ظلمة يظلمون أنفسهم وغيرهم. 
قال ابن تيمية (المجموع: 16/96-97): ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنه هو ظلم نفسه. وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق؛ يتبعون الرسول فلا يبتدعون، ومن اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه، وأهل البدع مثل الخوارج يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم ويستحلون دمه، وهؤلاء كل منهم يرد بدعة الآخرين ولكن هو أيضا مبتدع، فيرد بدعة ببدعة وباطلا بباطل، فإن المعتزلة والكرامية يقولون حقا وباطلا وسنة وبدعة،.. والله يحب الكلام بعلم وعدل ويكره الكلام بجهل وظلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ لاَ يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ]. 
وقد حرم سبحانه الكلام بلا علم مطلقا وخص القول عليه بلا علم بالنهي فقال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) وأمر بالعدل على أعداء المسلمين، فقال: (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
وقال أيضا: أهل السنة أعدل مع المبتدعة من المبتدعة بعضهم مع بعض.أهـ
بل كان يقول للجمهية من الحلولية والنفاة (الرد على البكري: 2/17): أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال.أهـ وقد كان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش. 
سادسا: لزوم سنن الرفق والعفو والرحمة ولين الخلق وترك بدع العنف والفظاظة والغلظة والشدة: 
لاشك أن الغلظة مع المخالفين والقسوة عليهم من عادات أهل البدع كالخوارج والمعتزلة، وأن السنة في لزوم الرفق والعفو والرحمة، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، وقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
إن أهل السنة هم أعرف الناس بالحق وأرحمهم بالخلق، وكم من كلمة نابية جافية تصدر من شخص جاهل نزق تنفّر القلوب وتمزق الصفوف، وتبقى آثارها سنين طوالاً، أو أجيالاً متعاقبة، وصاحبها يجني آثامها، قال الشاعر:

إن القلوب إذا تنافر ودها ******* مثل الزجاجة شعبها لا يجبر

فالواجب على كل من يتصدر أي شأن من شؤون المسلمين، الانتصار للحق لا لشخصه، فإن كان قاسياً غليظاً فقد انتصر لشخصه لا لدعوته، وليتذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون فلن يكون داعية مهما بلغ من الحرص على الدين أحرص من موسى ولا مدعواً مهما كان سيئا أسوء من فرعون –غالبا-، وقد جاء الإرشاد الرباني: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44)
وهذا ابن السماك -أحد علماء السلف- يختلف مع أحد إخوانه في مسألة من المسائل فيغلظ له أخوه، وعند افتراقهم يقول له: غداً نتعاتب، فيقول ابن السماك: غداً نتغافر.
إن العفو والصفح عزيمة ينبغي رعايتها بحيث تقترن بالإصلاح، قال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، وقال: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، وقال تعالى: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ) (الزخرف: 89)، وقال: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر: 85).وقال عز وجل: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
قال شيخ الإسلام (الرد على البكري: 156): وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: (كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق.أهـ وقد قيل: إن الكلام اللين يغلب الحق البيّن.
فصل: عدم تجاوز الشرع في الخصال المذكورة:
أهل السنة والجماعة وسط في كل أمورهم عقيدة وعبادة وسلوكا وخلقا من غير إفراط أو تفريط،
قال ابن تيمية (قاعدة في المحبة: 1/135): إن من الناس من يكون في خلقه سماحة ولين ومحبة فيسمح بمحبته وبتعظيمه ونفعه وماله للحسن الذي يحبه الله ويأمر به، كمحبة الله ورسوله وأوليائه المؤمنين والإنفاق في سبيله ونحو ذلك، ويسمح أيضا بمحبة الفواحش والإنفاق فيها، فتجده يحب الحق والباطل جميعا ويصدق بهما ويعين عليهما، 
ومنهم من يكون في خلقه قوة فيمتنع من فعل الفواحش ويبغضها، ويمتنع مع ذلك من محبة نفع الناس والإحسان إليهم والحلم عن سيئاتهم، فتجده يبغض الحق والباطل جميعا ويكذب بهما ولا يعين على واحد منهما بل ربما صد عنهما، 
وذلك لأن النفس أمارة بالسوء والشيطان يزين للمرء سوء عمله فيراه حسنا وهو متبع هواها وما فيها من العلم والإيمان يدعوه إلى الخير حتى تذهب الحسنات بالسيئات وإنما يفعل من الحسنات ما أقبلت عليه إرادته ومحبته دون ما أبغضته.أهـ 
فعلى المسلم أن يضبط تصرفاته بضوابط الكتاب والسنة، فيقف عند الحدود التي حدها الله تعالى ويلتزم الحكمة ويضع الأمور في نصابها بلا إفراط أو تفريط، والاحتياط حسن ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط.


فصل: أهل السنة أوسع الناس رحمةً وأعظمهم شفقة، وأصدقهم نصحاً:
نعم لقد كان من أبرز صفات أهل السنة والجماعة أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فإنهم أصحاب هدى واتباع، وأرباب عمل وإقتداء، ولذا كانوا أعلم الناس بالحق ويقبلونه حيث كان ومع من كان، وأحرص الناس على تبليغ الدين والدعوة إليه، ومنابذة أهل الأهواء والبدع، وفي نفس الوقت فإنهم يرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى، ولذا كانوا أوسع الناس رحمةً وأعظمهم شفقة، وأصدقهم نصحاً.
يقول الإمام ابن رجب (شرح حديث ما ذئبان جائعان: 19): كان خلفاء الرسل وأتباعهم من أمراء العدل وأتباعهم وقضاتهم لا يدعون إلى تعظيم نفوسهم البتة، بل إلى تعظيم الله وحده وإفراده بالعبودية والإلهية ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوة إلى الله وحده .
وكانت الرسل وأتباعهم يصبرون على الأذى في الدعوة إلى الله ويتحملون في تنفيذ أوامر الله من الخلق غاية المشقة وهم صابرون بل راضون بذلك، كما كان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول لأبيه في خلافته: إذا حُرص على تنفيذ الحق وإقامة العدل يا أبت لوددت ُ أني غلت بي وبك القدور في الله عز وجل.أهـ

طابت منابتها فطاب صنيعُها ******* إن الفعال إلى المنابت تنسبُ

سابعا: اتباع الحق وإن كان مع الخصم والمناظر: 
يجب على المسلم الذي يخالف أخاه في مسألة ألا يدخل نقاشاً معه إلا إذا نوى أن يتبع الحق أنى وجده، وأنه إن تبين له أن الحق مع مخالفه اتبعه وشكر لأخيه الذي ظهر الحق على يده، فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس. في المسند وأبي داود والترمذيعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: [لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ] السلسلة الصحيحة (416)
إن قبول الحق من مخالفك حق وفضيلة، فالمؤمن يجب أن يذعن للحق عندما يتبين له، ولا يجوز له رد الحق كبراً لأنه من العظائم، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بقوله: [الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ] رواه مسلم عن ابن مسعود، وبطر الحق: رده، وغمط الناس: ظلمهم. 
قال الشافعي (قواعد الأحكام: 126): ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه فإن كان الحق معي اتبعني وإذا كان الحق معه اتبعته.أهـ 
واتباع الحق متى ظهر؛ هو منهج أئمة الأمة ووصيتهم لأتباعهم بعيدا عن التعصب لهم بالباطل ورد الحق لأجل قول عالم ظهر ضعفه وعدم إصابته الحق في اجتهاده، فإن حب النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه أعظم من حب واتباع أي عالم مهما كانت منزلته من غير انتقاص له، واتباع الحق بعد ظهوره أولى من البقاء على تقليد عالم على خطئه بل كان ينهى العلماء عن تقليدهم على خطئهم وينفرون وينفّرون من ذلك.
وعلماء الدين كلُّهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأنْ يكون الدين كله لله وأن تكون كلمته هي العليا، وكلُّهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحد منهم، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيراً، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم.
كما قال عمر رضي الله عنه في مهور النساء وردَّت المرأة بقوله تعالى : (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (النساء:20)، فرجع عن قوله وقال: أصابتِ امرأةٌ ورجلٌ أخطأ.
وكان بعض المشهورين إذا قال في رأيه بشيء يقول: هذا رأينا فمن جاءنا برأي أحسنَ منه قبلناه.
وكان الشافعي يبالغ في هذا المعنى، ويوصي أصحابه باتباع الحق وقبول السنة إذا ظهرت لهم على خلاف قوله، وأن يضرب بقوله حينئذٍ الحائط، وكان يقول في كتبه: لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب والسنة لأن الله تعالى يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء:82).
قال ابن رجب الحنبلي (الحكم الجديرة بالإذاعة: 17): من هنا رد الصحابة ومن بعدهم من العلماء على كل من خالف سنة صحيحة، وربما أغلظوا في الرد -لا بغضاً له بل هو محبوب عندهم، معظم في نفوسهم- لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليهم، وأمره فوق كل أمر مخلوق. فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أولى أن يقدم ويتبع، ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفوراً له، بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بخلافه، بل يرضى بمخالفة أمره ومتابعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ظهر أمره بخلافه. كما أوصى الشافعي: إذا صح الحديث في خلاف قوله؛ أن يتبع الحديث ويترك قوله. وكان يقول: ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، وما ناظرت أحداً فباليت أظهر الحق على لسانه أو على لساني. لأن تناظرهم كان لظهور أمر الله ورسوله لا لظهور نفوسهم والانتصار لها.أهـ

إذا تضاربت الأقوال واختلطت ******* فإنني عند قول الحق وقاف

فصل: خطر التكلف واتباع سنة الضرائر لرد الحق:
قبول الحق واجب والرجوع عن الباطل فضيلة، لكن من الناس من يتمسك برأيه وموقفه ولو كان باطلا، ويبحث عن كل شاردة وواردة لإثبات ذلك، وقد يتكلف ويتمحل في حواره ونقاشه ويأتي بالغرائب والشبهات والأقاويل الضعيفة كي لا يرجع عن رأيه وموقفه، فيسلك في هذا مسلك الضرائر وليس مسلك العلماء والفضلاء،
قال الغزالي (إحياء علوم الدين: 1/44): فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في جحده بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه طول عمره، ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق، ... إلى أن قال: وأنت ترى أن جميع المجالس تنقضي في المدافعات والمجادلات حتى يقيس المستدل على أصل بعلة يظنها، فيقال له ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلل بهذه العلة فيقول هذا ما ظهر لي، فإن ظهر لك ما هو أوضح منه وأولى فاذكره حتى أنظر فيه، فيصر المعترض ويقول فيه معان سوى ما ذكرته وقد عرفتها ولا أذكرها إذ لا يلزمني ذكرها... ولا يعرف هذا المسكين أن قوله: إني أعرفه ولا أذكره إذ لا يلزمني، كذب على الشرع فإنه إن كان لا يعرف معناه وإنما يدعيه ليعجز خصمه فهو فاسق كذاب، عصى الله تعالى وتعرض لسخطه بدعواه معرفة هو خال عنها، وإن كان صادقا فقد فسق بإخفائه ما عرفه من أمر الشرع، وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه وينظر فيه فإن كان قويا رجع إليه وإن كان ضعيفا أظهر له ضعفه وأخرجه عن ظلمة الجهل إلى نور العلم، ولا خلاف أن إظهار ما علم من علوم الدين بعد السؤال عنه واجب لازم. وقال: اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس وقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدو الله إبليس، ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحب الجاه وغيرها كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقذف والقتل والسرقة، وكما أن الذي خير بين الشرب والفواحش وسائر الفواحش استصغر الشرب فأقدم عليه فدعاه ذلك إلى ارتكاب بقية الفواحش في سكره، فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها في النفس وهيج فيه جميع الأخلاق المذمومة. إلى أن قال: الفرح لمساءة الناس والغم لمسارهم ومن لا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه فهو بعيد من أخلاق المؤمنين، فكل من طلب المباهاة بإظهار الفضل يسره لا محالة ما يسوء أقرانه وأشكاله الذين يسامونه في الفضل ويكون التباغض بينهم كما بين الضرائر، فكما أن إحدى الضرائر إذا رأت صاحبتها من بعيد ارتعدت فرائصها واصفر لونها، فكذا ترى المناظر إذا رأى مناظرا تغير لونه واضطرب عليه فكره، فكأنه يشاهد شيطانا ماردا أو سبعا ضاريا فأين الاستئناس والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين عند اللقاء وما نقل عنهم من المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء والضراء حتى قال الشافعي رضي الله عنه العلم بين أهل الفضل والعقل رحم متصل فلا أدري كيف يدعي الاقتداء بمذهبه جماعة صار العلم بينهم عداوة قاطعة.أهـ
ثامنا: بقاء الأخوة مع الخلاف في المسائل الاجتهادية أولى من دفع المخالف إلى الشقاق والعداوة: 
إذا علمت من مخالفك أنه لا يبقى أخاً إلا ببقائه على ما هو عليه من أمر مرجوح ورأي مخالف للحق في نظرك، وترجح لديك أن كلامك ونصحك له في هذا سيحمله على الشقاق والبعد وربما البغضاء والعداوة، فتركه على ما هو عليه أولى من دفعه إلى الشقاق، لأن بقاء المسلمين إخوة في الدين مع اختلافهم في المسائل الاجتهادية خير من تفرقهم وتمزقهم مع بقائهم على خلافاتهم.
قال الشاطبي (الاعتصام: 453): قال الغزالي في بعض كتبه : أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهلة أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستفزا في قلب مجنون فضلا عن قلب عاقل، 
هذا ما قال وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية فالواجب تسكين الثائرة ما قدر على ذلك.أهـ 
وقال الشاطبي (الموافقات: 5/173-174): وكانوا مع هذا –الخلاف-أهل مودة وتناصح، أخوة الإسلام فيما بينهم قائمة، فلما حدثت الأهواء المردية التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهرت العداوات، وتحزب أهلها فصاروا شيعا دل على أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه، فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية، وهي قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).أهـ 
وقال ابن تيمية (المجموع: 28/129-130): وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به؛ بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ؛ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام،
وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعا؛ أو يتركوهما جميعا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا من منكر؛ ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهي عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف. ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر؛ وتارة يصلح النهي؛ وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا. وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد محمودها ويذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه. وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق؛ فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية؛ وإذا تركها كان عاصيا فترك الأمر الواجب معصية؛ وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع.أهـ
وقد تناولت هذا الموضوع في ثلاث رسائل عن المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات نشرت سابقا.
فصل: تأليف القلوب أعظم:
ويجب على كل ذي دين وعقل أن يتجنب دفع المخالف إلى شر أعظم، فإن مصلحة التأليف في الدين عظيمة، في سنن أبي داود عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أَبِى بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا. ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ فَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ. وقِيلَ لَهُ عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا قَالَ الْخِلاَفُ شَرٌّ.
وهذا هو منهج الصحابة رضي الله عنهم عند اختلافهم وتنازعهم حيث كانوا، يتناظرون ولكن مع بقاء الألفة وأخوة الدين.
يقول شيخ الإسلام (المجموع: 24/172-173): فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته، وأنهم هم الجماعة، وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) ، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسالة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين.أهـ
ويقول مبينا ما يجب على المؤمنين فيما بينهم من الأخوة والموالاة والنصرة والتراحم والتعاطف والائتلاف وما ينهون عنه من الفرقة والاختلاف (المجموع: 3/419-421): وقد جعل الله فيها عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعلهم إخوة، وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين، وأمرهم سبحانه بالائتلاف، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ)فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة، ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه صلى الله عليه وسلم ممن كان هكذا.
فصل: فعل أهل البدع:
فهذا فعْل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين، واستحلوا دماء من خالفهم، وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه، وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله، ويؤخر من أخره الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأن يرضى بما رضي الله به ورسوله، وأن يكون المسلمون يداً واحدة، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يُضلل غيره ويكفّره، وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين، فليس كل من أخطأ يكون كافراً ولا فاسقاً، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال الله تعالى في كتابه في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، وثبت في الصحيح أن الله قال: [قد فعلت]، لاسيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام، مثل أن يكون على مذهب الشافعي، أو منتسباً إلى الشيخ عدي، ثم بعد هذا قد يخالف في شيء، وربما كان الصواب معه، فكيف يستحل عرضه ودمه أو ماله؟ مع ما قد ذكره الله تعالى من حقوق المسلم والمؤمن.أهـ 
لقد وقع في ساحات العمل الإسلامي من المفاسد ما يندى له الجبين، فقد حمل بعض المسلمين خلافهم مع إخوانهم إلى تبديع مخالفيهم وتفسيقهم بل وتكفيرهم بل وقتلهم، مثل ما حصل في أفغانستان والعراق والصومال وفلسطين وأغلب ما حصل مرجعه إلى الجهل والظلم وعدم الوقوف عند حدود الشرع، وربما تدخلت أيادٍ خبيثة من خارج الصف الإسلامي لإذكاء الفتنة ولو كانت صغيرة أو افتعال أزمة وإن لم تكن موجودة فنجحت في كثير من الأحيان، نسأل الله تعالى برحمته أن يرد جميع المسلمين إلى الهدى والحق والأخوة والألفة إنه سميع مجيب. 
تاسعا: الابتعاد عن الحوار المعلن إلا للحاجة:
إن الحوار يزداد مشقة على المخطئ كلما زاد عدد الحضور، ويزداد إذا كان في الفضائيات وربما صعب الرجوع عن الخطأ إلى الصواب، وقد يتكلف المناظر فيأتي بكل طاحنة عاجنة خابزة وبكل ما يستحضر من متردية ونطيحة ويحشر ما يتوهم أنه من الأدلة على صواب رأيه كي لا يقع في حرج الاعتراف بالخطأ!! أو يؤيد ما تمسك به لفترة طويلة أو لئلا يقع تحت طائلة لوم الأتباع والمناصرين والمحبين أو لئلا يعذله العذال ويشمت به من اختلف معه وغير ذلك من الأسباب، لذلك ينبغي الحرص على سلوك أقرب الطرق وأفضلها للوصول إلى الحق وحمل المخطئ على الأخذ به.
قال الشوكاني (أدب الطلب: 56): وكثيرا ما تجد الرجلين المنصفين من أهل العلم قد تباريا في مسألة وتعارضا في بحث، فبحث كل واحد منهما عن أدلة ما ذهب إليه فجاء بالمتردية والنطيحة، على علم منه بأن الحق في الجانب الآخر، وأن ما جاء به لا يسمن ولا يغني من جوع، وهذا نوع من التعصب دقيق جدا، يقع فيه كثير من أهل الإنصاف، ولا سيما إذا كان بمحضر من الناس، وأنه لا يرجع المبطل إلى الحق إلا في أندر الأحوال، وغالب وقوع هذا في مجالس الدروس ومجامع أهل العلم.أهـ
عاشرا:مراعاة أحوال الناس واختلاف بيئاتهم:
معرفة أحوال الناس والواقع الذي يعيشونه وبيئتهم لابد منه قبل دعوتهم أو الحكم عليهم أو الفتيا لهم، وأدلة هذا الأمر كثيرة فإن الشريعة ما جاءت إلا لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، ولذا فإن الفتوى تتغير زمانا ومكانا وحالا،
قال ابن القيم (إعلام الموقعين: 3/149): فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، الشريعة مبنية على مصالح العباد، هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل.
فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا.أهـ
وقال (إعلام الموقعين: 1/87-88): ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع؛ بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع؛ وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان صلى الله عليه وسلم بقوله ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما إلى معرفة عين الأم.أهـ
قال الشيخ الغامدي (الضوابط الفقهية: 48): إن هناك بعض المسائل قد يقبل فيها الخلاف بسبب اختلاف أحوال الناس وتنوع أوضاعهم فإن قُدر له أن يُستفتى فيها فعليه أن يراعي الظروف والأحوال.أهـ 
وقال ابن القيم (إعلام الموقعين: 3/253-255): لأن الأحكام المترتبة على القرائن تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالعقود في المعاملات والعيوب في الأعواض في المبايعات ونحو ذلك، فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن من المبيع عند الإطلاق على السكة والنقد المتجدد دون ما قبله، وكذلك إذا كان الشيء عيبا في العادة رد به المبيع، فإن تغيرت العادة بحيث لم يعد عيبا لم يرد به المبيع، قالوا: وبهذا تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهذا مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه، وإن وقع الخلاف في تحقيقه: هل وجد أم لا؟
ثم تطرق إلى قول المالكية في العرف وما ينبني عليه: ونقل قولهم: وعلى هذا أبدا تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك، قالوا: فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، قالوا: وعلى هذه القاعدة تخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات؛ فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحا تستغني عن النية ، 
قال: وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان.أهـ
قال الشوكاني (أدب الطلب: 56): أرشدك على ما تستعين به على القيام بالحجة؛ وهو أنك لا تأت الناس بغتة وتصك وجوههم مكافحة ومجاهرة، وتنعى عليهم ما هم فيه نعيا صريحا، وتطلب منهم مفارقة ما ألفوه طلبا مضيقا، وتقتضيه اقتضاءا حثيثا، بل اسلك معهم مسالك المتبصرين في جذب القلوب إلى ما يطلبه الله من عباده، ورغبهم في ثواب المنقادين للشرع المؤثرين للدليل على الرأي وللحق على الباطل.أهـ
حادي عشر: مخاطبة الناس بحسب مداركهم:
على العالم والمفتي والداعية والخطيب وكل متكلم أن يراعي أفهام الناس ومداركهم، ولا يذكر لهم ما يحدث لهم فتنة لعدم فهمهم، ولا يذكر لهم إلا ما يترجح عند حاجتهم إليه، وأن يذكر الكليات والمقاصد الجامعة والقضايا التي ينتفع منها الناس ويتجنب المسائل الدقيقة إلا لأهلها، والتفاصيل العلمية التي لا يحتاجها الناس، وخاصة في الأمور المتشابهة فقد لا تدركها عقولهم فتأتي بمردود سيء، ومن أظهرها نُهِي عن ذلك فإن أصر عوقب على فعله، وكذلك يستحق العقوبة من أظهر موارد النزاع التي يكون بسبب إظهارها فساد عام. 
وليس من هذا الباب بيان ما لا بد للناس منه، أو ما يمكن أن يسمعه الناس منك ومن غيرك، فلئن سمعوه منك على وجهه الصحيح خير من أن يسمعوه من غيرك على غير وجهه.
في مقدمة مسلم قَالَ عَبْد اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً. 
وفي البخاري قَالَ عَلِىٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. 
وفيه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِى مَنْزِلِهِ بِمِنًى، وَهْوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، إِذْ رَجَعَ إِلَىَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي فُلاَنٍ يَقُولُ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلاَنًا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِى بَكْرٍ إِلاَّ فَلْتَةً، فَتَمَّتْ!. فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ إِنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِي النَّاسِ، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَنْ لاَ يَعُوهَا، وَأَنْ لاَ يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا. فَقَالَ عُمَرُ أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ.أهـ 
قال شيخ الإسلام (المجموع: 12/237): فالواجب على المسلم أن يَلزَم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه، إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل، وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى..... إلى أن قال: والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف، فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله.أهـ
وهذا فهم دقيق وعميق للدين ولشرع الله، فيجب على العلماء والدعاة أن يبلغوا العامة مجملات الدين الثابتة بالنص والإجماع، ويمنعوهم من الخوض في دقائق العلم والتفاصيل، فكثيراً ما يتطرق إليها الخلاف، فإذا لم يكن عند المطلع عليها رصيد كبير من العلم والحلم والحكمة مما يعذر به المخالف وقعت الفتنة والفرقة والاختلاف الذي يعتبر تجنبه من أعظم ما أرشد إليه الدين، فهل نعي مثل هذا الفقه الرشيد؟
ثاني عشر: عدم تجاوز الحد في الرد:
غالبا ما يؤدي الرد على المخالف إلى البغي والعدوان، وربما يُنسب إلى أمور لم يفعلها ولا يقرها، وهذا من صفات المنافقين التي نهينا عنها وأخلاقهم التي حذرنا نبينا منها، وهي بخلاف صفات المؤمنين الذين يحبهم الله ويحبونه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة:54)، وقال سبحانه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) (الفتح:29)
في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاق، حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ]. 

عمي بصائرهم طمس مشاعرهم ******* كأنهم في مراعي وَهْمِهم غنمُ
فالشر منطقهم والغدر شيمتهم ******* والخبث ديدنهم إن العدو همُ

قال الإمام القرافي (أنوار البروق في أنواع الفروق: 8/261): أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يشهر الناس فسادها وعيبها وأنهم على غير الصواب ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها، وينفر عن تلك المفاسد ما أمكن بشرط أن لا يتعدى فيها الصدق، ولا يفترى على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال على المبتدع إنه يشرب الخمر، ولا أنه يزني ولا غير ذلك مما ليس فيه، وهذا القسم داخل في النصيحة غير أنه لا يتوقف على المشاورة، ولا مقارنة الوقوع في المفسدة ومن مات من أهل الضلال ولم يترك شيعة تعظمه، ولا كتبا تقرأ، ولا سببا يخشى منه إفساد لغيره فينبغي أن يستر بستر الله تعالى، ولا يذكر له عيب البتة، وحسابه على الله تعالى،.. فالأصل اتباع هذا إلا ما استثناه صاحب الشرع.أهـ
وقال شيخ الإسلام (المجموع: 14/482): في سياق كلامه حول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الرابع: ألا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم أو نهيهم أو هجرهم أو عقوبتهم ؛ بل يقال لمن اعتدى عليهم عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت كما قال : (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ)الآية. وقال: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، وقال: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)، فإن كثيرا من الآمرين الناهين قد يتعدى حدود الله إما بجهل وإما بظلم، وهذا باب يجب التثبت فيه وسواء في ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين والعاصين. الخامس: أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع من العلم والرفق والصبر وحسن القصد وسلوك السبيل القصد، فإن ذلك داخل في قوله: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) وفي قوله: (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) . فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيها المعنى الآخر. وهو إقبال المرء على مصلحة نفسه علما وعملا وإعراضه عما لا يعنيه كما قال صاحب الشريعة: [مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ]، ولا سيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه، لا سيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة. وكذلك العمل فصاحبه إما معتد ظالم وإما سفيه عابث، وما أكثر ما يصور الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ويكون من باب الظلم والعدوان. فتأمل الآية في هذه الأمور من أنفع الأشياء للمرء وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب؛ الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن؛ محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور في قولهم : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا)، وبإزاء هذا العدوان تقصير آخرين فيما أمروا به من الحق أو فيما أمروا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الأمور كلها، فما أحسن ما قال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين -لا يبالي بأيهما ظفر- غلو أو تقصير. فالمعين على الإثم والعدوان بإزائه تارك الإعانة على البر والتقوى، وفاعل المأمور به وزيادة منهي عنها بإزائه تارك المنهي عنه وبعض المأمور به والله يهدينا الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله.أهـ
قال ابن أمير حاج (التقرير والتحبير: 6/119): من هنا وقع التخبط وإلا فالحق أن لا يبنى الجدل إلا على وجه الإرشاد والاسترشاد لا للعلية والاستدلال، والواجب رد الجميع إلى ما دلت عليه الأدلة الشرعية، وكيف لا والجدل مأمور به بالحق، كما دل عليه القرآن وفعله الصحابة والسلف، ثم كما في الواضح لولا ما يلزم من إنكار الباطل واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في رده عن ضلالته لما حسنت المجادلة للإيحاش فيها غالبا، وإذا نفرت النفوس عميت القلوب وخمدت الخواطر وانسدت أبواب الفوائد، ولكن فيها أعظم المنفعة إذا قصد بها نصرة الحق والتقوي على الاجتهاد، ونعوذ بالله من قصد المغالبة وبيان الفراهة، فضلا عن قصد التغطية على الحق وترويج الباطل بآفة من الآفات من محاباة لأرباب المناصب تقربا إليهم، أو مناضلة مردودة دوما لحصول المنزلة في قلوب العوام والتعظيم لديهم إلى غير ذلك من القصود المحرمة أو المكروهة، ومن بان له سوء قصد خصمه فالذي يظهر أنه إن أدى إلى مكروه فمكروه ومحرم فمحرم، لأنه إعانة على ذلك وقد قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وقال عز وجل: (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ)،
قال ابن الجوزي وهذا أدب حسن علمه الله تعالى عباده ليردوا به من جادل تعنتا فلا يجيبوه، وقد ذكر بعض العلماء أن اجتماع جمع متجادلين في مسألة مع أن كلا منهم لا يطمع أن يرجع إذا ظهرت له الحجة ولا فيه مؤانسة ومودة وتوطئة القلوب لوعي الحق بل هو إلى الضد محمل ما روى أحمد وحسنه وصححه الترمذي عن عَنْ أَبِى أُمَامَةَ مرفوعا: [مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ]، ثُمَّ تَلاَ الآيَةَ (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ).أهـ
وعلى المسلم أن يعَوِّد نفسه على الحلم والصبر، وألا ينتصر لنفسه في المسائل العلمية، حتى لو طعن المقابل في علمه، أو في طريقة إيراده، فلا يتأثر لأنه مُبَلِّغ للعلم والدين وليس منتصراً لنفسه، والمنتصر لنفسه يَحْرِمها انتصار الله عز وجل له وتوفيقه.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، وقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، في الصحيحين عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِىَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ]، وفيهما عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: [إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ]. وفي الأفراد للدارقطني عن أبي هريرة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إنَّما العلمُ بالتَّعلُّمِ وإنَّما الحِلْمُ بالتَّحلُّمِ ، ومن يتَحَر الخيرَ يعطَه، ومن يتَوَقَّ الشَّرَّ يوقَه]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2328).
قال الغزالي (إحياء علوم الدين: 1/43): وأما المبتدع بعد أن يعلم من الجدل ولو شيئاً يسيراً فقلما ينفع معه الكلام؛ فإنك إن أفحمته لم يترك مذهبه وأحال بالقصور على نفسه وقدر أن عند غيره جواباً ما وهو عاجز عنه، وإنما أنت ملبس عليه بقوة المجادلة. وأما العامي إذا صرف عن الحق بنوع جدل يمكن أن يرد إليه بمثله قبل أن يشتد التعصب للأهواء؛ فإذا اشتد تعصبهم وقع اليأس منهم؛ إذ التعصب سبب يرسخ العقائد في النفوس وهو من آفات علماء السوء؛ فإنهم يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة - لا في معرض التعصب والتحقير - لأنجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا باستتباع ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم، وسموه ذباً عن الدين ونضالاً عن المسلمين، وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس. وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها في السلف فإياك وأن تحوم حولها، واجتنبها اجتناب السم القاتل فإنها الداء العضال.أهـ
قال ابن القيم ( الجواب الكافي: 113): وفى اللسان آفتان عظيمتان إن خلص العبد من أحدهما لم يخلص من الآخرة: آفة الكلام وآفة السكوت، وقد يكون كل منهما أعظم إثما من الأخرى في وقتها، فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين، وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم كفوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، فلا ترى أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة فضلا أن تضره في آخرته، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله عز و جل وما اتصل به.أهـ 
قال الشيخ علي القرني (حروف تجر الحتوف: 37): عبدَالله: ما الحيوان الذي يأكل لحم أخيه بعد موته؟ الأسد؟ النمر؟ الثعلب؟ لا، لا تألفها بل تأنفها، لا يفعلها إلا ذلكم الحيوان الذي إذا ولغ في الإناء احتيج إلى غسله لا مرة بل إلى سبع والتراب، إنه الكلب لا يفعلها إلا كلب، وشبه الشيء منجذب إليه، 

ألم تقرأ القرآن عمرك مرة ******* فما لك تعمى عنه في كل مرة

قال الله تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات: من الآية12) وكم من حروف تجر الحتوف.أهـ
فصل: تجاوز للشرع بلا حدود:
لقد وصل الحال ببعض إخواننا إلى تصنيف إخوانه بأنهم شر من اليهود والنصارى، وهذه زلة عسى الله أن يغفرها لجهل صاحبها بما يقول، فإنها مخالَفة للحق صريحة وعدوان على المسلمين بطريقة قبيحة، من غير بدعة فعلوها ولا جريرة عظيمة اقترفوها، ولا كفر بواح صراح!!! 
إن هذه الأهواء غالبا ما تكون لتحصيل جاه موهوم وتقديس الذات والأنا ورؤية خيرية النفس على غيرها، وهو عين ما وقع فيه إبليس إذ(قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، وإن جعل لها أصحابها عناوين براقة كالنصح والحفاظ على المبادئ ولزوم الثوابت وصيانة مصالح الأمة!! وقليل من الناس من يتنبه لخفايا النفوس ودغل القلوب!

يا واعظ الناس قد أصبحت متهما****** إن عبت منهم أمورا أنت تأتيها
وأعظم الإثم بعد الشرك نعلمه ******* في كل نفس عماها عن مَساويها
عرّفتَها بعيوب الناس تُبصرُها ****** منهم، ولا تُبصر العيبَ الذي فيها

قال الحسن البصري: هؤلاء ملّوا العبادة وخف عليهم القول وقلّ ورعهم فتكلموا.

ومن يزرع الحنظل لا يرتجي ****** أن يجتني السكر من غرسته

إن الكتاب والسنة وإجماع الأمة تأبى هذا التصنيف وكلام الأئمة بخلافه تماما، وقد أنكروا على من صنف عامة أصحاب البدع الكبرى هذا التصنيف من دون تمييز، وخطئوا قوله وردوا فعله، فكيف بمن يصنف أهل الخير والجهاد والإيمان هذا التصنيف،
قال شيخ الإسلام (المجموع: 35/201): كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به؛ وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم؛ فإن اليهود والنصارى كفار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام. والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له لم يكن كافرا به؛ ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم.أهـ 
وهذا لا يشمل كل من انتسب إلى هذه الطوائف ففيهم من هو كافر بالكتاب ومكذب للرسول صلى الله عليه وسلم كما هو معروف عن أئمة الرافضة ورؤوس الدجل والنفاق، مثلا. 
وقال (المجموع: 13/95-96): والخير والشر درجات فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ما هو خير منه، وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفارا.أهـ
ويوضح الموقف بصورة أجلى وأوضح، الإمام الذهبي (سير أعلام النبلاء: 10/202) إذ يقول في ترجمة بشر المريسي: هو بشر الشر وبشر الحافي بشر الخير، كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السنة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة.
ومن كفر ببدعة وإن جلت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع، كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها.أهـ
قال الشيخ الغامدي تعقيبا على كلام شيخ الإسلام (الضوابط الفقهية: 78): كلام جميل يفرق فيه بين من حُكم بكفره من المسلمين ومن كان كافرا أصليا وأن هذا الكفر ليس كالكفر الأصلي.أهـ
فصل: موجهات إضافية للنفس وتربيتها: 
فإن أبت النفوس الانصياع فلنعلم أن الداء في النفس وأهوائها وليس في الفهم، وها هنا مسلك آخر لتدارك الأمر يدور حول وعظ النفوس وتذكيرها بما يخرجها من شَرَك الأهواء الذي أردى الكثيرين.
v الاستحضار الدائم لغاية خلق الإنسان وضيق فترة الحياة عن تحقيق هذه الغاية فلا وقت إذن للمماراة وتحمل معاناة فساد ذات البين وأعمال الجاهلين، قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)
v الاستحضار الدائم لحقيقة الدنيا وخداعها قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
v الاستحضار الدائم لكيد الشيطان قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)
v فذواتنا التي ننتصر لها سيبغتها الموت ويطويها القبر، وكذلك الذين نود الحظوة عندهم، كلهم ستطويهم القبور، ويذهب بهم الموت، وتبقى الحسرات، قال تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) (الصافات:24) 
وللشيخ عبدالعزيز البغدادي رسالة بعنوان الباب اقتبست منها كثيرا من الفقرات والعبارات قال في آخرها: هذا هو الواجب التزامه في مسائل الخلاف، وهذه هي مواعظ النفوس الواجبة في هذه الحال، وكلاهما يمثلان فرض الوقت على المسلمين المختلفين، والعجب ممن يسيرون في تكريس الخلاف وتجذيره، وهم في غيهم سادرون، وعن الحق معرضون، وللعباد ظالمون، وعن لجج الفتن والابتلاءات التي تعصف ببلادنا ذاهلون، فمتى نفيق على الحقيقة ؟؟!!.













الباب التاسع:
ما بعد الخلاف














إذا وقع الخلاف بين المسلمين في المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، وهي الأمور الاجتهادية، أو التي اختلف الصحابة والأئمة فيها قديماً، واتبعت الخطوات السابقة قضي على آثار الخلاف السيئة بإذن الله، ووصل المختلفان إلى الوفاق، ووفقنا بحول الله إلى الحق. فإن لم يكن وظهر لكل منهما صحة نظره وسلامة قوله، وأنه لا يستطيع أن يدين الله إلا بما يراه، فإن واجب المختلفين ما يأتي: 
أولا: المداومة على الدعاء من الله تعالى بتأليف القلوب ورفع الغل منها :
لقد علمنا الله تعالى أن القلوب بيده وهو الذي يؤلف بينها، كي يداوم المؤمنون بدعائه للتأليف بين قلوبهم واستنزال رحمته ومودته بينهم، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)، وقال: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
ويعلمنا سبحانه وتعالى ما يقول المسلم في دعائه لإخوانه بظهر الغيب فيقول جل وعلا: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)
فداوم – أخي المسلم – على الدعاء الخالص، يفسح الله في قلبك ما تجد فيه محلاً لإخوانك.
ثانيا: وجوب إصلاح ذات البين والحذر من الحالقة والتمسك بالأخوة وحقوقها واجتناب خوارمها: 
لا يجوز لمسلم أن يقاطع أخاه المسلم لرأي رآه، أو اجتهاد اجتهد فيه ما دام يعلم أنه تحرى الحق، واتبع ما يظن أنه الصواب، ولو أن كل مختلفين تهاجرا لم يبق مسلم مع مسلم. في الصحيحين عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ].
وفي الصحيحين -واللفظ للبخاري- عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ]. ولفظ مسلم: [لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ - أَوْ قَالَ لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ]. وفي رواية النسائي: [حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ].
قال السخاوي: وهي زيادة صحيحة لأنها خارجة من مخرج «الصحيحين» بل هي على شرطهما، وأخرجها ابن مندة في كتاب الإيمان له، وصححها الألباني
قال الإمام ابن حجر العسقلاني (فتح الباري: 1/85): فائدة: قال الكرماني: ومن الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاءا.أهـ
قال الإمام ابن الصلاح (شرح النووي على مسلم: 2/17): وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك، إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص عليه شيء من النعمة، وذلك سهل قريب على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين.أهـ
وقال الإمام الصنعاني (سبل السلام: 4/165): هذا على رواية الأخ ورواية الجار عامة للمسلم والكافر والفاسق والصديق والعدو والقريب والأجنبي والأقرب جوارا والأبعد فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة لمحبة الخير له فهو في أعلى المراتب ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به وهلم جرا إلى الخصلة الواحدة فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله وقد أخرج الطبراني من حديث جابر الجيران ثلاثة جار له حق وهو المشرك له حق الجوار وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام وجار له ثلاثة حقوق جار مسلم له رحم له حق الإسلام والرحم والجوار وأخرج البخاري في الأدب المفرد أن عبد الله بن عمر ذبح شاة فأهدى منها لجاره اليهودي، فإن كان الجار أخا أحب له ما يحب لنفسه وإن كان كافرا أحب له الدخول في الإيمان مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الإيمان.أهـ
وقد جمعت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بين القلوب، قال تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:63)، 
يقول ابن تيمية (المجموع: 24/170–171): إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان قد بُعث إلى ذوي أهواء متفرقة وقلوب متشتتة وآراء متباينة فجمع به الشمل وألف به بين القلوب وعصم به من كيد الشيطان. ثم إنه سبحانه وتعالى بيّن أن هذا الأصل – وهو الجماعة – عماد لدينه ... وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق. أهـ
فصل: من أجمع الكلمات وأجملها وأجودها:
جماع الدين: تأليف القلوب واجتماع الكلمة وإصلاح ذات البين والتعاون على البر والتقوى، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأنفال: من الآية1)، في المسند وأبي داود والترمذي عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ] قَالُوا: بَلَى. قَالَ: [إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ]الصحيحة (391)، قَوْله [وَفسادُ ذَاتِ الْبَيْنِ]: يعني الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَقَوْله: [الْحَالِقَةُ] لأنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ، في البيهقي والبزار عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: [هِيَ الْحَالِقَةُ لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ] صحيح الترغيب والترهيب (2888). 
قال شيخ الإسلام (المجموع: 28/51-56 باختصار): وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول:(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ). وقال: وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأهل هذا الأصل: هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة، وجماع السنة: طاعة الرسول. وقال: وتعلمون رضي الله عنكم إني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين – فضلاً عن أصحابنا – بشيء أصلاً: لا باطناً ولا ظاهراً. ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً. بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل: إما أن يكون مجتهداً مصيباً، أو مخطئاً، أو مذنباً، فالأول: مأجور مشكور، والثاني: مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين.... وقال: وتعلمون أنا جميعاً متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصر بعضنا البعض أعظم مما كان وأشد.... إلى أن قال: وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم. أهـ 
في المسند والسنن عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ]. قَالَ زَائِدَةُ قَالَ السَّائِبُ يَعْنِى بِالْجَمَاعَةِ الصَّلاَةَ فِي الْجَمَاعَةِ. صحيح الجامع (5701)
قال ابن تيمية (المجموع: 3/286): وقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: [إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ]-المسند-، فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاً أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. 
وقال عن الصلاة بين الأذانين يوم الجمعة (24/194-195): الصلاة بينه (الأذان الأول) وبين الأذان الثاني جائزة حسنة، وليست سنة راتبة، كالصلاة قبل صلاة المغرب، وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكر عليه، وهذا أعدل الأقوال، وكلام الإمام أحمد يدل عليه، وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يظنون أن هذه سنة راتبة، أو أنها واجبة، فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست سنة راتبة ولا واجبة. لا سيما إذا داوم الناس عليها فينبغي تركها أحيانا حتى لا تشبه الفرض، كما استحب أكثر العلماء أن لا يداوم على قراءة السجدة يوم الجمعة، مع أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها، فإذا كان يكره المداومة على ذلك فترك المداومة على ما لم يسنه النبي صلى الله عليه وسلم أولى، وإن صلاها الرجل بين الأذانين أحيانا ؛ لأنها تطوع مطلق، أو صلاة بين الأذانين، كما يصلي قبل العصر والعشاء، لا لأنها سنة راتبة فهذا جائز. وإن كان الرجل مع قوم يصلونها، فإن كان مطاعا إذا تركها -وبين لهم السنة- لم ينكروا عليه، بل عرفوا السنة فتركها حسن، وإن لم يكن مطاعا ورأى أن في صلاتها تأليفا لقلوبهم إلى ما هو أنفع، أو دفعا للخصام والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم، وقبولهم له، ونحو ذلك، فهذا أيضا حسن.أهـ
ثم بين أنه لو سُمح للمسلمين أن يتهاجروا مع كل خلاف فإنه لن يبقى بينهم أخوة فقال (المجموع: 24/173-174): وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا، لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة، ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فأدركتهم العصر في الطريق، فقال قوم: لا نصلي إلا في بني قريظة، وفاتتهم العصر. وقال قوم: لم يُرد منا تأخير الصلاة، فصلوا في الطريق، فلم يعب واحداً من الطائفتين)وأخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهذا وإن كان في الأحكام فما لم يكن من الأصول المهمة فهو ملحق بالأحكام. أهـ 







ثالثا: الحب والبغض والحمد والذم والولاء والبراء لله.
إن مما يذيب زهم الخلاف ويسل سخائم الصدور ويرفع الدرجات ويقيل العثرات هو سلامة الصدور لجميع المسلمين وارتقاء معارج الأخلاق النبيلة والتأدب بآداب الخلاف والتعامل بين المختلفين بما يحب كل واحد أن يعامله إخوانه به، فيحب لهم ما يحب لنفسه الخير ويبغض لهم ما يبغض لنفسه من الشر ويكون الحب لله والبغض لله والولاء لله والبراء لله، كي لا يعيش الإنسان بولاءات متناقضة وربما متناحرة، وليكون كل عضو في جسد الأمة المكرمة حياً وفياً لكل أعضاء جسدها، ولو كان على تنغيص وألم في بعض الأحيان، وتعب ونصب وربما مشقة وعسر في أحيان أخرى ، لكن في كل ذلك؛ أجر عظيم وثواب جزيل.
ومادام الأمر كذلك فإنه ليس شيء يحمل على تواصل الحب والتئام القلوب مثل الوفاء ومنه أداء الحقوق كالسلام والنصح وكف الأذى بكل صوره وأشكاله قولا وفعلا.
ومع قِلَّة الأوفياء وقُلٍّ في الوفاء، إلا أن الحديث عن الوفاء والحب في الله ومآل هذا من الجنة والنعيم ومرضاة رب العالمين، يثير في النفس شجوناً وينشئ في القلب نشوة وفي الجسد راحة، ربما لا يكون لها مثيل إلا بلوغُ تأويلها والانغماسُ في حقيقتها.
في الطبراني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [أَوثق عرى الإيمان الموالاةُ في الله والمعاداةُ في الله والمحبةُ في الله والبغضُ في الله عز وجل] صحيح الجامع (2539)، وفي المسند عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َقَالَ: [إِنَّ أَوْسَطَ عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ] علقه البخاري وهو في صحيح الجامع (2009) وكلها يجب أن تكون وفق ضوابط الشرع لا بالأهواء.
قال ابن تيمية (المجموع: 28/228-229): فأما الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة، فإنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان، قال الله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، ومن كان فيه إيمان وفيه فجور، أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي، كما يقول الخوارج والمعتزلة، ولا يُجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفسّاق في الإيمان والدين والبغض والموالاة والمعاداة، قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فجعلهم أخوة مع وجود الاقتتال والبغي. أهـ 
ويبين ابن القيم المسلك الصحيح في البحث عن الحق عند الاختلاف، وأنه لا يوجب معاداة ولا افتراقا، بل تبقى الألفة والمحبة فيقول (الصواعق المرسلة: 516-518): فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدي لما اختلف فيه من الحق، فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلا وأقومهم قيلا، وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى، يقر بعضهم بعضا عليه ويواليه ويناصره، وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم بالتناظر والتشاور وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب، فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركته قوة بصيرته، فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة وعرضت على الحاكم الذي لا يجور وهو كتاب الله وسنة رسوله وتجرد الناظر عن التعصب والحمية واستفرغ وسعه وقصد طاعة الله ورسوله فقل أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه، فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه، ومراتب القرب والبعد متفاوتة، وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقا في الكلمة ولا تبديدا للشمل، فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة ولا قطع بينه وبينه عصمة بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنا ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه، فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق.أهـ 
فالواجب على المسلم أن يشمل بخلقه الكريم جميع الجماعات والأشخاص الملتزمين بأصول أهل السنة والجماعة فيفعل الواجبات المبنية على أخوة الدين ويجتنب المنهيات المتعارضة مع أخوة الدين لهم جميعا دون حزبية أو فئوية أو عصبية.
وهذه سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم التي أمر أتباعه باتباعها وقصد السبيل فيها في أحاديث كثيرة منها: في الصحيحين واللفظ للبخاري، عن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى]، وفيهما عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] وفيهما عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:[لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ] وفي مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ] قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: [إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ].وفي الترمذي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ] صحيح الجامع (6706) 
رابعا: الحذر من رمي المخالف في الأمور الاجتهادية بالبدعة والفسق: 
لا يجوز اتهام المخالف ولا التشنيع عليه، ولا ذكره من أجل مخالفته، ولا رميه بالبدعة والفسق، ومن صنع شيئاً من ذلك فهو مبتدع مخالف لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم. 
قال شيخ الإسلام (المجموع: 19/122): وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء، والسياسة، وغير ذلك.... وهم الأئمة الذين ثَبَتَ بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة، ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم.أهـ 
وقال (الآداب الشرعية: 1/186): وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف، وقد تيقنا صحة أحد القولين.أهـ 
فالواجب الاعتذار لأهل الفضل عما وقعوا فيه من خطأ، في المسند وأبي داود والأدب المفرد للبخاري عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [أَقِيلُوا ذَوِى الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلاَّ الْحُدُودَ]، صحيح الجامع (1185).
خامسا: إعذار المخالف وترك أمره لله سبحانه وتعالى: 
من الأدب الشرعي الواجب، الاعتذار لأهل الفضل عما وقعوا فيه من خطأ عن اجتهاد، وإعذار من يخالفك الرأي من المسلمين في الأمور الاجتهادية، وأن تكل أمره إلى الله سبحانه، وتنزهه من فساد النية وإرادة غير الحق ما دام ظاهره هو الدين والعدل، فالتماس العذر لمن أخطأ في الدين ضرورة، إذ ليس كل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمه كل الناس ويفهمونه.
يقول ابن تيمية (درء تعارض العقل والنقل 1/189): وأما أهل العلم والإيمان فإنهم يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقاً، وما خالفه كان باطلاً، ومن كان قصده متابعته من المؤمنين، وأخطأ بعد اجتهاده الذي استفرغ به وسعه، غفر الله له خطأه، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الخبرية أو المسائل العملية، فإنه ليس كل ما كان معلوماً متيقناً لبعض الناس، يجب أن يكون معلوماً متيقناً لغيره، وليس كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه كل الناس ويفهمونه، بل كثير منهم لم يسمع كثيراً منه، وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده، وإن كان كلامه في نفسه محكماً مقروناً بما يبين مراده.أهـ
فصل: ولأئمة الدين والدعاة وقادة الجهاد والعمل الإسلامي حق زائد: 
إن جهابذة علماء الأمة هم الذين حفظوا لها دينها فاستقامت على الشريعة الغراء دهرها، وكان بهم فضل الله عظيما عليها؛ إذ صنعوا بيئة لطلاب العلم وطيئة، وزرعوا بساتين غناء ذوات أفنان ثمارها يانعة لكل الناس مريئة، أجواؤها صافية مفعمة بالروح والريحان وظلال ظليلة هنيئة، بذلوا كل ذلك بلا منّ ولا أذى، ليسير العبد إلى ربه على طريق مستقيم وخير وهدى لتنشر الحق لكل الشعوب، وترفع المظالم التي اجتثت العدل.
وأئمة الجهاد والعمل الإسلامي هم منارات الطريق إلى الدرجات العلى في الدنيا والآخرة وصناع الحياة الكريمة وحماة الديار الذين يذبون عن دين الأمة وعرضها وأرضها، 
ومهما تأخرت الأزمان وتباعدت الأوطان، فسيبقى العلماء وقادة الخير منارات الرشاد وعيبات الأمانة، تقصدها القرون وتؤمها الأجيال وتزهر بها القناديل وتوقد بزيتها المصابيح فتزداد تألقا وتوهجا، وليس يخفى وما ينبغي، أن الثروة الثرة العطاء الوارفة الظلال، إنما هي لهداية الخلق ونصحهم، والرحمة بهم، لكن طائفة ممن ينتسب للعلم وأهله جعلوا من أقلامهم سهاما مسمومة ومن ألسنتهم سيوفا قاطعة ومن أبصارهم شررا ملتهبة، تلاحق العلم وأهله والجهاد والقائمين عليه وتتسلط على المسلمين دون الكفار المعتدين.
إن دين الإسلام إنما يتم بأمرين؛ أحدهما؛ معرفة فضل الأئمة وحقوقهم ومقاديرهم، وترك كل ما يجّر إلى ثلمهم، والثاني: النصيحة لله سبحانه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وإبانة ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى.
ولما تقدم فإنه يحرم تحريما مغلظا رمي أحد من المشهود لهم بالخير من سلف الأمة بالبدعة والفسق والتشنيع عليهم، حتى لو علم أنه خالف في بعض الأمور القطعية اجتهاداً منه، وكذلك فالنهي مغلظ في مسألة الإساءة لعلماء الأمة وقادة العمل الإسلامي وأمراء الجهاد وحملة رايته.
فالرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَم صدق وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا؛ قد يكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور بل مأجور ولا يجوز أن يتّبع فيها، مع بقاء منزلته في قلوب المؤمنين .
والواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة ألا يحكيها لمن يتقلّد بها، بل يسكت عن ذكرها إلى أن يتيقن صحتها وإلا توقف في قبولها فما أكثر ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له.
قال الشاطبي (الموافقات: 4/170-171): إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدا له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عدت زلة، وإلا فلو كانت معتدا بها لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتا فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين.أهـ
روى الخطيب (الكفاية في علم الرواية: 239) بسنده عن سعيد بن المسيب أنه قال: ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب، لا بد، ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه، من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.أهـ
وقال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن نصر المروزي (سير أعلام النبلاء: 14/40): ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا ابن نصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، هو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة.أهـ 
وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة لعذر يعذرون به، وفيهم يقول ابن تيمية (المجموع: 19/191-192): وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأي رَأوْه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وفي الصحيح أن الله قال: [قد فعلت].أهـ
ويقول (الصفدية: 1/265): لكن شيوخ أهل العلم الذين لهم لسان صدق، وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ منكر، فأصل الإيمان بالله ورسوله إذا كان ثابتاً، غفر لأحدهم خطأه الذي أخطأه بعد اجتهاد.أهـ


فصل: ولو كان صدّيقا:
فليس من شرط الصديق أن يكون عمله كله صحيحا ولا قوله كله سنة، بل قد يخطئ، وعلينا التماس العذر له مع بيان الحق الذي ندين به، وإيضاح الصواب الذي نعتقده، 
قال ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/599): وإن كان كثير من العباد والعلماء بل والأمراء قد يكون معذورا فيما أحدث لنوع اجتهاد فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح وإن كان التارك له قد يكون معذورا لاجتهاده بل قد يكون صدِّيقاً عظيماً، فليس من شرط الصدِّيق أن يكون قوله كله صحيحاً، وعمله كله سنة.أهـ 
وللشيخ ناصر العمر رسالة ماتعة بعنوان (لحوم العلماء مسمومة) ولأهمية الموضوع فقد عقد في كتابه (سورة الحجرات دراسة تحليلية) فصلا خاصا بعنوان الأدب مع العلماء، يحسن الرجوع إليه، ومما قال فيه (217-218): إننا لا ندعو إلى تقديس الأشخاص أو التغاضي عن الأخطاء، أو السكوت عن الحق، بل ندعو إلى المنهج الصحيح في بيان الحق، بدون انتهاك لأعراض العلماء فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء. ثم قال: إن من أساء الأدب مع العلماء فسيلقى جزاءه عاجلا أو آجلا، يقول الحافظ ابن رجب: "والواقع يشهد بذلك، فإن من سبر أخبار الناس وتواريخ العالم وقف على أخبار مَن مكر بأخيه فعاد مكره عليه، وكان ذلك سببا لنجاته وسلامته". أي: سببا لنجاة الممكور به وسلامته. أهـ 

والله يمهل من بغى ******* لكنه لا يهمل

يقول الشيخ عوض القرني (فقه الخلاف: 25): والناس في حق الدعاة والعلماء، ما بين غال وجاف، فأناس مازالوا في أبجديات العلم، وإذا ذكر لهم الأئمة والعلماء وكبار الدعاة قالوا: هم رجال ونحن رجال، وكم من رويبضة نال من الأخيار الأبرار، وملأ الآفاق ضجيجاً وعويلاً، وكان حقه أن يؤخذ على يديه، ويحجر على لسانه، وأناس غلوا في العلماء وكبار الدعاة حتى فقدوا أمامهم شخصياتهم، وسلبوا إرادتهم، وأصبحوا يسلّمون بكل ما قالوا، بلا تفكير ولا روية، والحق وسط بين طرفين. أهـ

إن السعيد له من غيره عظة ******* وفي التجاريب تحكيم ومعتبر

يقول الحافظ ابن رجب (جامع العلوم والحكم: 1/330): وها هنا أمر خفي ينبغي التفطن له؛ وهو أن كثيراً من أئمة الدين قد يقول قولاً مرجوحاً ويكون مجتهداً فيه مأجوراً على اجتهاده فيه موضوعاً عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ولا انتصر له ولا والى من وافقه ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه، وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده. وأما هذا التابع فقد شاب انتصاره لما يظن أنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته وأن لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق، فافهم هذا فإنه فهم عظيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.أهـ
قال الشيخ محمد صالح المنجد: الناس في العلماء ثلاثة أقسام :
القسم الأول: فريق يستخفُ بالعلماء ولا يعرف لهم قدرهم، ولا ينتفعُ بأقوالهم، ولا يستنيرُ بأفهامهم وبيانهم، بل هو مغرورٌ بنفسه كما حصل ويحصل من بعض المنتسبين لطلب العلم، والمنتسبين للأخذ بالدليل، وهذا تفريط.
القسم الثاني: فريق يغلو في العلماء، فكل جماعة تتخذ لها إماماً لا تعرف إلاَّ أقواله، ولا تعتد بأقوال سواه، ولا تنظرُ في كتابٍ ولا سنة، وهذا إفراطٌ في تعظيم العلماء وتفريط فيما يجب من الاعتصام بالكتاب والسنة.
القسم الثالث: فريق توسطوا فجعلوا الحَكَم هو الكتاب والسنة، وجعلوا التحاكم إليهما، وآمنوا بأن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما أرشد إلى ذلك الأئمة أنفسهم ، فابن عباس رضي الله عنهما ينكر على الذين يتعصبون لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويقول: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر" فكيف بمن عارض كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بقول من دون أبي بكر وعمر بكثير كثير.أهـ 
فصل: من صور الاعتذار لأئمة الدين وصالحي الأمة:
قال ابن تيمية (المجموع: 11/391-392) والخلق ما أوتوا من العلم إلا قليلا، وما نقل عن الجنيد أنه قال: انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة، فهذا ما أعرفه من كلام الجنيد، وفيه نظر، هل قاله؟ ولعل الأشبه أنه ليس من كلامه المعهود، فإن كان قد قال هذا فأراد عدم العلم بما لم يصل إليه، لم يرد بذلك أن الأنبياء والأولياء لم يحصل لهم يقين ومعرفة وهدى وعلم، فإن الجنيد أجل من أن يريد هذا، وهذا الكلام مردود على من قاله. إلى أن قال: فإن الاستقامة والمتابعة غالبة عليه –الجنيد- وإن كان كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ثم معصوم من الخطأ غير الرسول ؛ لكن الشيوخ الذين عرف صحة طريقتهم علم أنهم لا يقصدون ما يعلم فساده بالضرورة من العقل والدين. 
وقال (14/365-366 ): ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد الله : أنه لما دخل الزنج البصرة. قيل له في ذلك. فقال: هاه إن ببلدكم هذا من لو سألوا الله أن يزيل الجبال عن أماكنها لأزالها. ولو سألوه: أن لا يقيم القيامة لما أقامها. لكنهم يعلمون مواضع رضاه فلا يسألونه إلا ما يحب . وهذه الحكاية : إما كذب على سهل -وهو الذي نختار أن يكون حقا- أو تكون غلطا منه. فلا حول ولا قوة إلا بالله. وذلك: أن ما أخبر الله أن يكون فلا بد أن يكون، ولو سأله أهل السموات والأرض أن لا يكون: لم يجبهم مثل إقامة القيامة وأن لا يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين وغير ذلك. بل كل ما علم الله أنه يكون فلا يقبل الله دعاء أحد في أن لا يكون، لكن الدعاء سبب يقضي الله به ما علم الله: أنه سيكون بهذا السبب كما يقضي بسائر الأسباب ما علم: أنه سيكون بها. وقد سأل الله تعالى -من هو أفضل من كل من في البصرة بكثير- ما هو دون هذا فلم يجابوا. لما سبق الحكم بخلاف ذلك كما سأله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يغفر لأبيه، وكما سأله نوح عليه السلام سأله نجاة ابنه، فقيل له: (يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ).أهـ

الباب العاشر:
تمام العلم استعماله
وتمام العمل استقلاله










فصل: وجوب تطبيق الأصول الشرعية على الأقوال والأعمال كافة:

لم أكتب ما كتبت وأجمع ما جمعت لأن أحدا لا يعلمه، بل هو تذكير لمن علمه، وتفهيم لمن جهله، لكن المشكل لا يحل عند إدراك العلم في المسألة وإنما بالعمل به، وإلا فالعلم حجة على العالم لا حجة له،
ومن مصائب هذا الزمان أن كثيرا من الناس ومنهم علماء وفضلاء لا يطبقون العلم الشرعي ولا ينزلون القواعد الشرعية والأصول الصحيحة على أعمالهم وأقوالهم اليومية، وكأن أصول الفقه ومصطلح الحديث وقواعد المقاصد وضعت للأولين فحسب، أو لقراءتها وتدريسها فقط، فالناس يقرؤون ويفهمون لكن لا يلحقون أفراد وآحاد أحوالهم وأفعالهم بما عرفوه من الأحكام الشرعية، ولذا نرى التخبط في نقل الأخبار والحكم على الأفراد والجماعات، وعدم وزن ما يسمعون بالموازين العلمية الصحيحة التي يعرفونها، وهذه خسارة كبيرة، فإن العلم لا يتعلمه المسلم لأنه قصة من قصص الأولين فحسب، ولا لأنه من جملة المحفوظات، ولكن يتعلم العلم وينشره للعمل به والاحتكام إليه، وإدخاله في كل أمورنا، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)،
وما لم نجعل من العلم الشرعي والأصول الصحيحة حكما لأقوالنا وأفعالنا وتصرفاتنا في كل أمورنا فسنبقى في لجة التخليط ودائرة التخبط وعدم الاستقرار في الأحكام، وإن جهل ما يبتدئ به المتعلم أقبح من جهل ما ينتهي إليه العالم، قيل لبعض الحكماء: مَن أذل الناس؟ فقال: عالم يجري عليه حكم جاهل.
فصل: المقصد من تعلم العلم:
أيها المسلم:
تعلم العلم لتعمل به، ولا تتعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره، ولغيرك نوره، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيها الناس، تعلموا كتاب الله تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله أن يقول: قد علمت فماذا عملت إذ علمت؟ وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: تعلموا فإذا علمتم فاعملوا، وقال مالك بن دينار: العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلب، كما يزل الماء عن الصفا، وقال مالك: كن عالما أو متعلما أو مستمعا، وإياك والرابعة فإنها مهلكة، ولا تكون عالما حتى تكون عاملا، ولا تكون مؤمنا حتى تكون تقيا، وقالوا: لولا العمل لم يطلب العلم، ولولا العلم لم يطلب العمل.
قال سهل بن مزاحم (اقتضاء العلم العمل: 2): الأمر أضيق على العالم من عقد التسعين، مع أن الجاهل لا يعذر بجهالته، لكن العالم أشد عذابا إذا ترك ما علم فلم يعمل به، وهل أدرك من السلف الماضين الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد والعمل الصالح والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا؟ وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى إلا بالتشمير في السعي والرضى بالميسور، وبذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟ وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب؟ وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا ككانزهما؟ وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها، كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها، وراعى واجباتها فلينظر امرؤ لنفسه وليغتنم وقته، فإن الثواء قليل والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، والله تعالى بالمرصاد، وإليه المرجع والمعاد (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) 
قال أبو عبد الله الروذباري (اقتضاء العلم العمل: 32): العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص، الإخلاص لله يورث الفهم عن الله.أهـ
وخير من القول فاعله، وخير من الصواب قائله، وخير من العلم حامله، وفي منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به، وقال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به، وثمرة العمل أن يؤجر عليه، خير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع، والعلم أفضل من العمل لمن جهل، والعمل أفضل من العلم لمن علم، 
العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه أقام وإلا ارتحل، وإن ثمرة العلوم العمل بالعلوم، ومن تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله، فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد، ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد.
قال سهل بن عبدالله التستري (اقتضاء العلم العمل: 24): الدنيا جهل وموات إلا العلم، والعلم كله حجة إلا العمل به، والعمل به كله هباء إلا الإخلاص والإخلاص على خطر عظيم حتى يختم به. وقال: العلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به.
قال حاتم الطائي:

ولم يحمدوا من عالم غير عامل******* ولم يحمدوا من عامل غير عالم
رأوا طرقات المجد عوجا قطيعة******* وأفظع عجز عندهم عجز حازم

لأنه لما كان علمه حجة على من أخذ عنه واقتبسه منه حتى يلزمه العمل به والمصير إليه كان عليه أحج وله ألزم؛ لأن مرتبة العلم قبل مرتبة القول ، كما أن مرتبة العلم قبل مرتبة العمل.
الخاتمة:
إخوتاه:
إن الأيام تمر مر السحاب تأكل من أجسادنا وتنقص من أعمارنا نذكر منها ما فات وما لم يفت ولا يبقى منها إلا قطرات يسيرة لا تروي غليلا ولا تشفي عليلا ونحن في غفلة، قد قال فيها الحسن رحمه الله الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، في البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ قَالَ أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: [اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ]. سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم. 
فواجب علينا جميعا أن نقف عند الأمر العتيق من غير مجاوزة الحد إلا ما كان تجديدا أو اجتهادا على وفق منهج الأولين لاستنباط حكم لأمر طارف وحال طارئ، فإن التالد من خير الأمة إلى اليوم خالد، معينه لا ينضب كأن عرقَه من النشاط يتصبب، وإذا طعن العدو في ذلك الجسد فإن دمَه يشخب ليقول للجميع أنا ما زلت حيا غضا مباركا طريا.





ثم أما بعد:
أيها الأخ الكريم:
هل بقي مبرر لنا أو لغيرنا للتفرق وعدم إعذار إخواننا، ورفض التعاون والتكامل والتنسيق معهم؟!!بعد ما تقدم بيانه في هذا البحث، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)
في المسند والترمذي عَنْ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ لأَصْحَابِهِ:[اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا].
اللهم اكفنا دواعي الهوى، واصرف عنا سبل الردى، وألزمنا التقوى ووفقنا للحق والهدى، اللهم ألف بين قلوبنا على محبتك واجمع صفوفنا على رضوانك ووحد كلمتنا على طاعتك، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا وبالطيبات آجالنا وبلغنا مما يرضيك آمالنا،
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم داو جرحانا وعاف مرضانا وفك قيد أسرانا وتقبل قتلانا شهداء عندك وارفع درجاتهم في عليين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء والميتين،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمير الجيش الإسلامي في العراق
12 ربيع الآخر 1431 للهجرة
28 آذار 2010 للميلاد
للتحميل بصيغة: doc


 
< السابق   التالى >
spacer.png, 0 kB
بوسترات
الأكثر قراءة
أخر البيانات المضافة
 

الرئيسية | رسائل الأمير | البيانات السياسية | الناطق الرسمي | تصريحات إعلامية | البيانات العسكرية | الحصاد الشهري | موقف الركن | إصدارات مرئية رئيسية | الإصدارات المرئية الخاصة
  | الإصدارات السمعية | عمليات مصورة | فتوى ورسائل | مقالات | نشاطات | مجلة الفرسان | المنهج الشرعي | إتصل بنا |  

الموقع الرسمي للجيش الإسلامي في العراق
برعاية مؤسسة البراق الإعلامية