الباب السابع:
أصول هامة وقواعد عامة
فصل: لازم القول ولازم المذهب:
وهذه مسألة غاية في الأهمية، فلكل كلام معنى ودلالات، وإرادة المعنى الذي وضع له اللفظ لغة أو اصطلاحا لا بد منه لأن الألفاظ قوالب المعاني وإلا أصبحت الألفاظ غير معبرة عن معانيها التي وضعت لها، فمن تكلم بكلام وجب أن يعرف معناه فيكون هو المقصود من كلامه.
وللكلام لوازم قد تكون حقا أو باطلا، فاللازم الحق يُثبَت لأنه حق ولا حرج فيه، واللازم الباطل لا يلزم القائل به إلا إذا قيل له فالتزم به، وكثير من الأحيان يُنقل الكلام بلازم من لوازمه وأحيانا بلازم غير صحيح فيُلزَم المتكلم بما لا يريده ولا يقصده ولا يلتزم به هو، مثل: من أفتى بعدم وجوب الجهاد في العراق، وهذه الفتوى خطأ بلاشك، ولكن من الناس من يريد إلزام هذا المفتي بولاء الأعداء أو عدم شجاعته أو قلة حيائه وغيرته إلى آخر ذلك، وهذه إلزامات باطلة لا تثبت حتى يقر بها ذلك المفتي، أو تثبت بدليل صحيح من قول أو فعل وهذا أمر آخر، وإنما نتكلم عن إلزام القائل بشيء لم يقله ولم يفعله ولم يلتزم به.
ومثل من تكلم بسوء على مجاهد أو جماعة بحق أو بباطل، فإن من الناس من ينسبه إلى فسق أو بدعة أو كفر وربما تعرّض للقتل، وذلك لأن الذي تصدى له ألزمه بإلزامات لم يقلها ولم يفعلها، وهذا بخلاف من حُكم عليه بما يستحق من العقوبة الشرعية على ما ثبت عليه ارتكابه فهذا أمر آخر لا يعنينا في البحث ولا ننكره إذا جرى وفق الضوابط الشرعية.
ومثل من ظن بنفسه أو بجماعته أنها على حق فألزم نفسه وغيره بلوازم غير صحيحة، منها بطلان الجماعات الأخرى أو تكفيرها لأنها لم تلتحق بما يراه حقا!
قال شيخ الإسلام (المجموع: 29/42): لازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، فهذا مما يجب عليه أن يلتزمه؛ فإن لازم الحق حق، ويجوز أن يضاف إليه إذا عُلم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، وكثير مما يضيفه الناس إلى مذاهب الأئمة من هذا الباب.
والثاني: لازم قوله الذي ليس بحق. فهذا لا يجب التزامه؛ إذ أكثر ما فيه أنه قد تناقض. وقد ثبت أن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين. ثم إن عُرف من حاله أنه يلتزمه بعد ظهوره له فقد يضاف إليه؛ وإلا فلا يجوز أن يضاف إليه قول لو ظهر له فساده لم يلتزمه؛ لكونه قد قال ما يلزمه وهو لا يشعر بفساد ذلك القول ولا يلزمه.
وهذا التفصيل في اختلاف الناس في لازم المذهب؛ هل هو مذهب أو ليس بمذهب؟ هو أجود من إطلاق أحدهما فما كان من اللوازم يرضاه القائل بعد وضوحه له فهو قوله، وما لا يرضاه فليس قوله، وإن كان متناقضا،.... فإذا عُرف هذا، عُرف الفرق بين الواجب من المقالات والواقع منها.
وهذا متوجه في اللوازم التي لم يصرح هو بعدم لزومها، فأما إذا نفى هو اللزوم لم يجز أن يضاف إليه اللازم بحال؛ وإلا لأضيف إلى كل عالم ما اعتقدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لكونه ملتزما لرسالته، فلما لم يضف إليه ما نفاه عن الرسول وإن كان لازما له، ظهر الفرق بين اللازم الذي لم ينفه واللازم الذي نفاه.أهـ
وفي (المجموع: 20/217): سئل شيخ الإسلام: هل لازم المذهب مذهب أم لا؟
فأجاب: قول السائل: هل لازم المذهب مذهب أم ليس بمذهب؟ فالصواب: أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه؛ فإنه إذا كان قد أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبا عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال غير التزامه اللوازم التي يظهر أنها من قبل الكفر والمحال مما هو أكثر، فالذين قالوا بأقوال يلزمها أقوال يعلم أنه لا يلتزمها لكن لم يَعلم أنها تلزمه، ولو كان لازم المذهب مذهبا للزم تكفير كل من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة؛ فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه أو صفاته حقيقة.أهـ
وقال (درء تعارض العقل والنقل: 4/423): ولكن لازم المذهب ليس بمذهب، وليس كل من قال قولا التزم لوازمه التي صرح لفسادها بل قد يتفق العقلاء على مقدمة وإن تناقض بعضهم في لوازمها.أهـ
وقال الشاطبي (الاعتصام: 330): ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضا: أن لازم المذهب ليس بمذهب.اهـ وبهذا قال العز (قواعد الأحكام: 172) والزركشي (البحر المحيط: 1/299) وغيرهم.
قال ابن القيم (النونية وشرحها لابن عيسى: 2/394-401):
ولذاك لم يك لازما لمذاهب الـ***ـعلماء مذهبهم بلا برهان
لا فرق بين ظهوره وخفائه*** قد يذهلون عن اللزوم الداني
بخلاف لازم ما يقول إلاهُنا*** ونبينا المعصوم بالبرهان
قال ابن عثيمين (القواعد المثلى): ودلالة الالتزام مفيدة جداً لطالب العلم إذا تدبر المعنى ووفقه الله تعالى فهماً للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.
واعلم أن اللازم من قول الله تعالى، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا صح أن يكون لازماً فهو حق؛ وذلك لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق، ولأن الله تعالى عالم بما يكون لازماً من كلامه وكلام رسوله فيكون مراداً.
وأما اللازم من قول أحدٍ سوى قول الله ورسوله، فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يُذكر للقائل ويَلتزم به، مثل أن يقول من ينفي الصفات الفعلية لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله عز وجل أن يكون من أفعاله ما هو حادث. فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالاً لما يريد ولا نفاد لأقواله وأفعاله كما قال تعالى:(قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً)، وقال: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وحدوث آحاد فعله تعالى لا يستلزم نقصاً في حقه.
الحال الثانية: أن يُذكر له ويمنع اللازم بينه وبين قوله، مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله تعالى مشابهاً للخلق في صفاته. فيقول المثبت: لا يلزم ذلك، لأن صفات الخالق مضافة إليه لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله تعالى ذاتاً وتمنع أن يكون مشابهاً للخلق في ذاته، فأي فرق بين الذات والصفات؟!.
وحكم اللازم في هاتين الحالتين ظاهر.
الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتاً عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع، فحكمه في هذه الحال ألا ينسب إلى القائل، لأنه يحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم، ويحتمل لو ذكر له فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم. ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول.
فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازماً من قوله، لزم أن يكون قولاً له، لأن ذلك هو الأصل، لاسيما مع قرب التلازم.
قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه، ونحو ذلك.
وهذا القول هو الصواب لأمور:
1) أن لازم القول الصحيح حق فلا تمتنع إضافته إلى المجتهد إذ لا ضرر يلحقه في ذلك، أما اللازم الباطل فلو صحت نسبته للزم تكفير كثير من العلماء كما سبق.
2) أن التناقض ليس مستحيلاً على المجتهد لكثرة وقوعه كما سبق أن نقلنا عن شيخ الإسلام في ذلك.
3) القول بأن لازم المذهب ليس مذهباً على الإطلاق يتعارض مع ما صنعه علماء المذاهب الأربعة من استنتاج مذاهب الأئمة من فتاواهم بطريق التلازم بين ما أفتوا فيه وسكتوا عنه.أهـ
فصل: وجوب رد المتشابه إلى المحكم:
اعتماد المحكم ورد المتشابه إلى المحكم؛ أصل عظيم من أصول الشرع التي أمر الله بها، وحكم على التارك لهذا الأصل المتبع للمتشابه بالزيغ وسوء الطوية وقصد تحريف الكلم، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(آل عمران:7)
والمحكم: هو الواضح البيّن ومن العلماء من جعل الخاص والمقيد والناسخ من المحكم، والمتشابه: هو المجمل غير المبين، ومن العلماء من جعل العام والمطلق والمنسوخ من المتشابه، فلا يجوز الأخذ بالمجمل دون المفصل المبين أو المطلق دون المقيد أو المتقدم دون المتأخر أو العام دون الخاص.
وهذا الأصل (رد المتشابه إلى المحكم) واجب في حق الأدلة الشرعية، وهو واجب أيضا في حق الناس لفهم أحوالهم وأقوالهم ومواقفهم، فالواجب اعتبار الثابت والمعروف والمشهور من أقوال الناس وأفعالهم (المحكم) حين ورود غير الواضح من أقوالهم وأفعالهم (المتشابه) إلى أن يتثبت المسلم من المتشابه ويدركه على وجهه المقصود، وهذه هي الطريق الصحيحة وإلا وقع الإنسان في التخبط في تقويم الناس والنقل عنهم، فقد يرد الخطأ من الإنسان نفسه أو ممن نقل عنه، وقد يكون النقل مجتزأ أو محرّفا أو كان هذا القول أو الفعل لحال خاصة وظرف معين، إلى غير ذلك من الاحتمالات.
فصل: تحرير محل النزاع وتحديد وجه الخلاف:
وهذا لا يأتي إلا بعد استكمال الخطوات السابقة، فكثيراً ما يقع الخلاف، ويستمر النقاش، والمختلفون لا يعرفون على التحديد ما هي نقاط الخلاف بينهم، ولذا يجب تحرير محل النزاع وتحديد وجه الاختلاف وموطنه تحديداً واضحاً قبل الدخول في نقاش أو جدال حتى يتبين أساس الخلاف وتعلم حقيقة قول المخالف، فلا يضيع الوقت في أمور قد يتجادل فيها الناس وهم متفقون عليها، فقد يقع الخلاف بين أناس في الألفاظ دون المعاني والمقاصد، فلو استبدل أحد المختلفين لفظة بأخرى لزال الإشكال بينهما.
وقد يكون الخلاف في جزئية معينة فيعديه بعضهم إلى جزئيات ومواطن أخرى، فلا بد من التأكد من أن الاختلاف ينصب على جزئية واحدة، من جهة واحدة، وأنهم يتصورونها تصوراً كاملاً، فيتحدثون عنها من خلال ظروف واحدة.
وقد حرص سلفنا الصالح على هذه القضية وأكثروا من ذكرها في كتب الأصول والفقه والخلاف، بل كتب العقائد أيضا، فكم من مسألة أغلقوا باب الخلاف فيها بقولهم: هذا في غير محل النزاع، أو قالوا: وتحرير محل النزاع غير هذا.
فصل: لا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم إذا كان المعنى صحيحا:
ومما يدخل في هذا البند؛ التعرف على أسلوب المتكلم ومنهجه وطرق استخدامه للألفاظ، وتفسير المجمل من كلامه بالمفصل والمتشابه بالمحكم، وخاصة إذا صدر عنه شيء لم يعهد عنه، أو كان له مصطلحات خاصة (فلا مشاحة في الاصطلاح والتقسيم إذا كان المعنى صحيحا)، وهذه قاعدة مشهورة، وقد كان لبعض أئمة الدين مصطلحات في العلم الذي برعوا فيه كالبخاري وابن معين والترمذي وأبي حاتم وابنه في الرجال والحديث وللفقهاء الأربعة المتبوعين بعض المصطلحات الخاصة التي يجب معرفتها كالتفريق بين الفرض والواجب والتفريق بين الباطل والفاسد عند الحنفية وعمل أهل المدينة عند المالكية وغير ذلك.
قال العلامة السبكي (قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين: 93): كثيراً ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب -يعني الكتاب الذي وُجدت فيه هذه الكلمة- يغير على الكتاب والمؤلف، ومن عاشره، ومن استن بسنته... إلى أن قال: مع أن المؤلف لم يُرد ذلك الوجه الذي وصل إليه هذا الرجل، فإذا كان هذا الرجل ثقة ومشهوداً له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يُحمل كلامُه وألفاظ كتابه على غير ما تعود منه ومن أمثاله، بل ينبغي: التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله.أهـ
قال ابن تيمية (الصارم المسلول: 287): أخذ مذاهب الفقهاء من الإطلاقات من غير مراجعة لما فسروا به كلامهم وما تقتضيه أصولهم يجر إلى مذاهب قبيحة.أهـ
وقال (الجواب الصحيح: 4/44): يجب أن يفسر كلام المتكلم بعضه ببعض ويؤخذ كلامه هاهنا وهاهنا، وتعرف ما عادته وما يعنيه ويريده بذلك اللفظ إذا تكلم به، وتعرف المعاني التي عرف أنه أرادها في موضع آخر، فإذا عُرف عُرفه وعادته في معانيه وألفاظه كان هذا مما يستعان به على معرفة مراده، وأما إذا استُعمل لفظه في معنى لم تجر عادته باستعماله فيه وتُرك استعماله في المعنى الذي جرت عادته باستعماله فيه، وحُمل كلامه على خلاف المعنى الذي قد عُرف أنه يريده بذلك اللفظ، بجعل كلامه متناقضا وترك حمله على ما يناسب سائر كلامه كان ذلك تحريفا لكلامه عن موضعه وتبديلا لمقاصده وكذبا عليه.أهـ
والواجب إعمال هذه الأصول بحق الناس جميعا واتباع السلوك الصحيح معهم فضلا عن العلماء الأكابر، ليسهل فهم كلامهم ولا يحمل على معان غير مقصودة.
الباب الثامن:
السلوك والآداب الهادية إلى الحق في مسائل الخلاف.
هنالك جملة من الآداب التي إذا اتبعها المسلمون فيما ينشأ بينهم من اختلاف اهتدوا بحول الله ومشيئته ورحمته إلى الحق، ومن أهمها:
أولا: لزوم الاستغفار والإلحاح بالدعاء للوصول للحق.
إن أولى العبادات في هذا الباب، هو المداومة على الدعاء، والانطراح بين يدي العليم الخبير، والانكسار للكبير المتعال والإلحاح في الدعاء وكثرته وتكراره، وتحري أوقات وأحوال الاستجابة، عسى أن يهدي الله تعالى العبد للصواب في الأمور التي يختلف فيها العباد، فالدعاء في الأصل من أفضل القربات، قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)(غافر:60)، في المسند والسنن إلا النسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: [الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ]، ثُمَّ قَرَأَ (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). صَحِيح الجامع (3407)، بل إن الله يغضب على من لا يسأله، في مستدرك الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مَن لم يَدعُ اللهَ يغضبْ عليه] وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، والألباني في السلسلة الصحيحة (2654)، وليعزم المسألة ويلح فيها، في الصحيحين -واللفظ لمسلم-عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلاَ يَقُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ]،
ويتأكد الدعاء إذا اختلطت الأمور واختلف الناس، في صحيح مسلم قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ: [اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]،
وفي الصحيحين عَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ قَالَ: [وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ]،
أنت المنادى به في كل نائبة ******* وأنت ملجأ من ضاقت به الحيلُ
وكذلك لزوم الاستغفار والإكثار منه، فقد يحرم العبد أبوابا من التوفيق بسبب ذنوبه، وقد يسلب الفهم الصحيح لمعاصيه، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا، فقد كانت نجاة آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام من شراك إبليس وخلاصهم من إصر المعصية وأغلالها بتوبتهم وطلبهم المغفرة إذ (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف: 23)، وكان ذلك طريق أبي البشر الثاني نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام حينما شفع لابنه الكافر فأخطأ فسارع بالرجوع والإنابة من دون تردد: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (هود:47) واستغفر لوالديه وأتباعه في وقته وأتباع الملة وأصحاب العقيدة الإسلامية إلى يوم الدين فقال: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَاراً)(نوح:28)وأوصى قومه بالاستغفار وذكرهم وعامة الخلق بأهميته مبينا بعض منافعه متعجبا من إهماله محذرا من تركه، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً)(نوح: 10-13)
وقد فعل نبي الله هود عليه الصلاة والسلام مثله فقال: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) (هود:52)ونبي الله صالح عليه الصلاة والسلام يذكّر به مربوطا بالنعم والآلاء، جاء خبر ذلك بقوله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) (هود:61)
وقصة أبي الأنبياء وإمام الحنيفية إبراهيم عليه الصلاة والسلام طويلة مفصلة معمقة في هذا البابٍ، فإنه لم يكتف بالاستغفار لنفسه بل حاول ذلك لأبيه رغم كفره فنهاه ربه، لتبين عدم إمكان هداية والده فتاب وأناب، ومن ثم استغفر لجميع المؤمنين إلى يوم الحساب فقال: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم:41)،
وأمر خطيب الأنبياء شعيب عليه الصلاة والسلام بالاستغفار مرغبا فقال: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود:90)، والكليم موسى عليه الصلاة والسلام يدعو فيقول: (أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الأعراف:155) والمسيح عيسى عليه الصلاة والسلام يتودد إلى ربه في أحرج المواقف يوم القيامة فيطلب المغفرة للعباد وإن أصابوا العظائم فيقول: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:118)،
وأخبر ربنا سبحانه عن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام أنه قال -مرغبا مرهبا-: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) (هود:3) وحصر الرِّبيون المؤمنون المجاهدون دعاءهم بكلمات أولها الاستغفار وآخرها الاستنصار فأخبر الله عنهم بقوله: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:147)،
ويتأكد الاستغفار عند المعصية وهو الأصل وكذلك عند النعمة والفتح والنصر كما في سورة النصر.
ومن الأحاديث:
في البخاري عن أَبي هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً] وفي مسلم عَنِ الأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: [إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ]، وفي المسند والسنن إلا النسائي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ يُعَدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: [رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَىَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ] وهو في صحيح الجامع (3486)،
يارب كم من الأخطاء قد أتينا ******* وكم على أنفسنا جنينا
لكننا نرجوك يا من يغفرُ ******* وللذنوب والعيوب يسترُ
وكان عليه الصلاة والسلام يعلّم الداخل للإسلام هذا الأمر العظيم، في مسلم عن طارق بنِ أَشيمٍ الأَشْجَعِيِّ رضي الله عنه قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُ مَنْ أَسْلَمَ يَقُولُ: [اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي] وفيه أيضا عن طارق أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّى قَالَ: [قُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي]، وَيَجْمَعُ أَصَابِعَهُ إِلاَّ الإِبْهَامَ: [فَإِنَّ هَؤُلاَءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ]. فانظر إلى عناية النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر العظيم. في المسند وأبي داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ]،
ولا تخلو عبادة من استغفار، وخاصة في خاتمة العبادة، مثل الصلاة والصيام والحج والجهاد وغيرها،
والاستغفار مقدم على التسبيح، فالتطهير مقدم على التعطير، قال الحافظ ابن حجر (الفتح: 11/103): وما ألطف قول ابن الجوزي، إذ سُئل أأسبح أو أستغفر؟ فقال: الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور.
وكان ابن تيمية إذا استعصت عليه مسألة يكثر من الاستغفار حتى يزيد على الألف مرة ويتذلل لله تعالى وينكسر بين يديه حتى يفتح له فيها، وفي النصيحة المشهورة يقول الإمام الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ******* فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العـــلم نور ******* ونور الله لا يؤتـاه عاص
وهذا غيض من فيض وقطرة من بحر، ولمن أراد التفصيل فعلية بكتاب التوابين للمقدسي، وباب علو الهمة في الاستغفار من كتاب علو الهمة لسيد حسين عفاني.
ثانيا: الإخلاص والتجرد:
الواجب على المسلم أن يجعل نيته في المناظرة معرفة الحق الذي يوصل إلى الحق ومرضاته سبحانه وتعالى، وكشف الغموض عن مسألة يختلف فيها المسلمون، ليشارك في نصر الدين ورحمة أهله ويضع لبنة طيبة لرأب الصدع بينهم، وليكون مفتاحا للخير مغلاقا للشر ساعيا إلى جمع الكلمة وإصلاح ذات البين، فإن الإخلاص شرط لقبول العمل، قال تعالى: (فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَل عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا)(الكهف: 110)، وقال تعالى: (وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة:5)، وفي الصحيحين عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ]، فإذا خلصت النية فإن العبد يثاب على ما يبذله من جهد في هذا الصدد، سواء أصاب الحق في المسألة الاجتهادية أو أخطأه، وقد قال العلماء: نية المؤمن أبلغ من عمله. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [لا هِجرة بعدَ الفَتح ولكن جِهادٌ ونيَّةٌ].
إن الإخلاص لله أن يكون الله هو مقصود المرء ومراده، فحينئذ تتفجر ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، وهو سبيل الخلاص والإسلام هو مركب السلامة والإيمان خاتم الأمان، ولا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كله لله، وكلما قوي إخلاص العبد كملت عبوديته، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم الله المنافقين، وإن العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه، ومن تشبه بأهل الصدق والإخلاص وهو مراءٍ كمن تشبه بالأنبياء وهو كاذب، قال ابن رجب (كلمة الإخلاص: 31): ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق.
وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته يكون توفيق الله له وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم قال ابن الجوزي (صيد الخاطر: 287): إذا حسنت السرائر أصلح الله الظواهر، ومن أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في إصلاح السرائر فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر.
فالمخلص يصونه الله بعبادته وحده وإرادة وجهه وخشيته وحده، ورجائه وحده، والطلب منه والذل له والافتقار إليه. فإن العبد المخلص لا يرى نفسه إلا مقصراً والموجب له لهذه الرؤية: استعظام مطلوبه واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها، وقلة زاده في عينه، فمن عرف الله وعرف نفسه ، لم يرَ نفسه إلا بعين النقصان.
قال ابن الجوزي (صيد الخاطر: 80): والله عز وجل معك على قدر صدق الطلب وقوة اللجأ، وخلع الحول والقوة، وهو الموفق.
والنية يثاب عليها المؤمن بمجردها، وأما عمل البدن فهو مقيد بالقدرة، ومن عود نفسه العمل لله لم يكن أشق عليه من العمل لغيره، ومن عود نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله، وهذا في جميع أبواب الأعمال، وإن تخليص الأعمال مما يفسدها يحتاج إلى مجاهدة وصبر فهو ثقيل شديد كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلا أصحاب العزائم، وهو أشد على العاملين من طول الاجتهاد،
قال أبو طالب المكي (قوت القلوب: 2/98): قال بعض السلف: من نجا من الكبر والرياء وحبّ الشهرة فقد سلم، وقال الثوري: ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي لأنها تفلّت عليّ يعني تشرد أو تضعف، فتحتاج إلى مداواة لها، كما قال المنصور: المداومة على العمل حتى يخلص أشد من العمل، وقال الثوري: ما أعتدّ بما ظهر من عملي، وقال عليّ رضي اللّه تعالى عنه: كونوا بقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، فإنه لا يقلّ عمل مع تقوى وكيف يقلّ عمل يتقبل؟، وقال بعضهم: من استوحش من الوحدة وأنس بالجماعة لم يسلم من الرياء، وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العلم الصالح فإذا بلغوه وقع عليهم الهمّ أيتقبل منهم أم لا؟.
وقال مالك بن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل، وقال ابن عجلان: العمل لا يصلح إلاّ بثلاث؛ التقوى للّه عزّ وجلّ، والنية الحسنة، والإصابة، وقد فسر الفضيل قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (هود:7)، قال: أخلصه وأصوبه قيل: وما ذاك؟ قال: العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وقال التياحي: للعمل أربع خصال لا يتم إلاّ بهنّ: معرفة اللّه عزّ وجلّ،ومعرفة الحق، والإخلاص به والعمل على السنّة.أهـ
وقال النووي (بستان العارفين: 8): قيل لأبي يحيى حبيب بن أبي ثابت التابعي مفتي أهل الكوفة والمعول عليه عندهم رحمه الله حدثنا عن أشق شيء؟ قال: مجيء النية، وعن سفيان الثوري رحمه الله قال: ما عالجت أشد علي من نيتي. وعن يزيد بن هارون رحمه الله ما عزت النية في الحديث إلا لشرفها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال إنما يحفظ الرجل على قدر نيته، وعن غيره إنما يعطى الناس على قدر نياتهم. وعن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي بالاسناد الصحيح أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا هذا على أن لا ينسب إلي حرف منه، وقال الشافعي أيضا ما ناظرت أحدا قط على الغلبة ووددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه. وقال أيضا ما كلمت أحدا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعاون ويكون عليه رعاية من الله تعالى وحفظ. وقال الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أريدوا بعلمكم الله تعالى فإني لم أجلس في مجلس قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم ولم أجلس مجلسا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح.أهـ
وبين ابن تيمية أهمية حسن النية وحكم من التزم بها وحكم من أفسدها على نفسه، فقال (المجموع: 28/235): القائل في ذلك بعلم لا بد له من حسن النية، فلو تكلم بحق لقَصْد العلو في الأرض أو الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حمية ورياء، وإن تكلم لأجل الله تعالى مخلصا له الدين كان من المجاهدين في سبيل الله من ورثة الأنبياء خلفاء الرسل.أهـ
وبيّن منزلة الإخلاص في جميع العبادات، ووجوب الخلوص من الأغراض التي تشوبه مفصلا أحوال المصلحين والمفسدين والمتعصبين، وأصحاب الأهواء المقالات المختلفة وحكم هذه الأحوال وأهلها، والواجب الشرعي في كل ذلك، فقال (منهاج السنة: 4/114-117): وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين في غير موضع وهو إمام الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولا أن يكون أمره لله وقصده طاعة الله فيما أمره به، وهو يحب صلاح المأمور أو إقامة الحجة عليه، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته وتنقيص غيره كان ذلك حمية لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطا، ثم إذا رد عليه ذلك وأوذي أو نسب إلى أنه مخطىء وغرضه فاسد طلبت نفسه الانتصار لنفسه وأتاه الشيطان، فكان مبدأ عمله لله ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي، وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهدا معذورا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن يوافقهم وإن كان جاهلا سيء القصد ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله، وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم ويقولون هذا صديقنا وهذا عدونا ..... لا ينظرون إلى موالاة الله ورسوله ومعاداة الله ورسوله، ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، فإذا لم يكن الدين كله لله كانت فتنة، وأصل الدين أن يكون الحب لله والبغض لله والموالاة لله والمعاداة لله والعبادة لله والإستعانة بالله والخوف من الله والرجاء لله والإعطاء لله والمنع لله وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله؛ الذي أمرُه أمرُ الله ونهيُه نهي الله ومعاداتُه معاداة الله وطاعته طاعة الله ومعصيتُه معصية الله.أهـ
وقال الإمام الغزالي (إحياء علوم الدين: 3/369): ويزعم –المخالف- أن غرضه إصلاح الخلق، ولو ظهر من أقرانه من أقبل الخلق عليه وصلحوا على يديه لمات غما وحسدا، ولو أثنى أحد من المترددين إليه على بعض أقرانه لكان أبغض خلق الله إليه.أهـ
فصل: ومن علامات الإخلاص:
والواجب على كل من بوأه الله منزلة في العلم والدعوة والجهاد أن يتجرد عن الهوى عند بحثه قضايا الدين، ومسائل الشرع، وأن لا يكون دافعه إلى ذلك حب الظهور أو الغلبة أو الانتصار للنفس، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، في الترمذي عن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: [مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ] حسنه الألباني في صحيح الجامع (6383).
ومن دخل مسائل الخلاف بعدة الهوى وسلاح العصبية فقليلاً ما يوفق -والعياذ بالله- بالإضافة إلى إحراقه حسناته، وخسرانه وندامته عند لقاء ربه.
ولمن أراد التفصيل فعليه بكتاب الإخلاص لسيد حسين العفاني
ثالثا: لزوم سنة إحسان الظن بالآخرين واجتناب بدعة تزكية النفس واتهام نيات الآخرين:
مهما كان مخالفك مخالفاً للحق في نظرك فإياك أن تتهم نيته، وافترض في أخيك الذي يؤمن بالكتاب والسنة ولم يخرج عن إجماع الأمة، الإخلاص ومحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والرغبة في الوصول إلى الحق، وناظره على هذا الأساس، وكن سليم الصدر نحوه. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (الحجرات:12) وقال عز وجل: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10)
وبهذه الحال ستجتهد كي توصل الحق إلى مخالفك، إن كان الحق معك وتسمع منه وتتبعه إن كان الحق معه، ولكن إذا افترضت فيه سوء النية وقبح المقصد ابتداءا، فإن نقاشك معه سيأخذ منحى آخر بغية كشفه وإحراجه، وإخراج ما تظن من خبيئة سوء عنده، وقد يبادلك الشعور نفسه، فينقلب النقاش عداوة، والرغبة في الوصول إلى الحق رغبة في تحطيم المخالف وبيان ضلاله وانحرافه، فمن الناس من يصنف الآخرين بأنهم يحرثون في البحر، ويستنبتون البذور في الهواء، فأفهامهم سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وأعمالهم باطلة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع عن إنسان خيراً كذبه أو أوله، فاشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، وأول الأعمال والظواهر بأسوأ تأويل، وصادر آراء الآخرين قبل معرفتها، أو سماع الحجة عليها، ومعرفة برهانها.
قبحت منابتها وشاه نباتها ******* بسوى الفضائح نبتُها لم يثمر
فصل: كما تدين تدان:
وهذا الصنف من الناس يأتي فيهدم القائم من جسور الثقة بين المسلمين، بدلا من المشاركة في بنائها، ويحفر مكانها خنادق واسعة مهلكة من عدم الثقة وسوء الظن، ثم يطلب بعد ذلك أن يقبل الآخرون ما عنده، ويلومهم على عدم سماع ما لديه من الحق والهدى –بزعمه-!،
وهذه طريقة الخوارج الحرورية الذين كانوا أول من فرّق المسلمين حين ساء ظنهم بمن سوى طائفتهم، واغتروا بأنفسهم وأعمالهم، فكان في ذلك هلاكهم.
وأحيانا يوضع قبح الطوية وسوء الظن بالآخرين تحت لافتات أخرى، فكم من دعوى للإصلاح والاستدراك والتصفية والتنقية ليس لها في الواقع مواقع، لم تجن الأمة منها إلا التفرق والتشرذم والتناحر.
لقد خاب من يسعى لإيذاء مسلم ******* كما خاب من يرجو سرابا بقيعة
رابعا: التزام الظاهر وترك السرائر إلى الله:
السنة أخذ المسلمين –في مسائل الخلاف- على الظواهر وترك السرائر لله تعالى، في الصحيحين عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يَقُولُ بَعَثَ عَلِىُّ بْنُ أَبِى طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَأَقْرَعَ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاَءِ. قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: [أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً]. قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ!. قَالَ: [وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ]. قَالَ ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ، قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: [لاَ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي]. فَقَالَ خَالِدٌ وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ؟!. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ قُلُوبَ النَّاسِ، وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ]، قَالَ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهْوَ مُقَفٍّ فَقَالَ: [إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ]. وَأَظُنُّهُ قَالَ: [لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ]
قال ابن تيمية (المجموع: 7/217): ولم يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار الإسلام كما تكون لليهود والنصارى مقبرة يتميزون بها ومن دفن في مقابر المسلمين صلى عليه المسلمون والصلاة لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن فعلم أن ذلك بناء على الإيمان الظاهر والله يتولى السرائر وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليهم ويستغفر لهم حتى نهي عن ذلك، وعلل ذلك بالكفر فكان ذلك دليلا على أن كل من لم يعلم أنه كافر بالباطن جازت الصلاة عليه والاستغفار له، وإن كانت فيه بدعة وإن كان له ذنوب، وإذا ترك الإمام أو أهل العلم والدين "الصلاة" على بعض المتظاهرين ببدعة أو فجور زجرا عنها، لم يكن ذلك محرما للصلاة عليه والاستغفار له، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن كان يمتنع عن الصلاة عليه وهو الغال وقاتل نفسه والمدين الذي لا وفاء له: [صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ]، وروي أنه كان يستغفر للرجل في الباطن وإن كان في الظاهر يدع ذلك زجرا عن مثل مذهبه كما روي في حديث محلّم بن جثّامة، إلى أن قال: لكن المقصود هنا أنه لا يجعل أحد بمجرد ذنب يذنبه ولا ببدعة ابتدعها -ولو دعا الناس إليها- كافرا في الباطن إلا إذا كان منافقا، فأما من كان في قلبه الإيمان بالرسول وما جاء به وقد غلط في بعض ما تأوله من البدع فهذا ليس بكافر أصلا والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالا للأمة وتكفيرا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم لا علي بن أبي طالب ولا غيره بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع.أهـ
خامسا: التزام الإنصاف فهو من العدل الواجب ومن علامات الإيمان:
الإنصاف واجب مأمور به ولو على النفس والأقربين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً)(النساء: 135)، والإنصاف للمخالف وإن كان المخالف مكروها، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)، فالإنصاف من علامات الإيمان الكبرى، في البخاري معلقا، َقَالَ عَمَّار بن ياسر: ثَلاَثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلاَمِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.
ومن الإنصاف الاعتراف بما عند الطرف الآخر من العلم وما معه من صواب وعدم تحميل كلامه ما لا يحتمل، كان الإمام أحمد يقول في إسحاق (سير أعلام النبلاء: 11/375): لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا.أهـ
وما عبّر الإنسان عن فضل نفسه ******* بمثل اعتقاد الفضل في كل فاضل
وليس من الإنصاف أن يدفع الفتى ******* يد النقص عنه بانتقاص الأفاضل
ولا يقصر المسلم في إنصاف غيره إلا لأسباب حب الجاه والسلطان والنشأة مع أقران غير منصفين وقد فصل هذا الإمام الشوكاني في أدب الطلب ومنتهى الأرب.
فصل: حال المؤمن، واجتماع الحسنات والسيئات في شخص واحد:
والمؤمن لا يتمحض شرا بل فيه خير مع الشر دائما، في مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ] أَوْ قَالَ: [غَيْرَهُ]. فلابد من لزوم منهج التكامل، والتعاون على أساس تعدد الطاقات وتنوع المواهب وحاجة الناس بعضهم لبعض بدلا من التناحر والتجريح والرؤية الجزئية، قال تعالى: (فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ)، وإن ساحة العمل الإسلامي تسع الجميع بل هي بحاجة للجميع.
وقد يجتمع في الشخص الواحد حسنات وسيئات، فإذا توجه الذم إلى ما تضمنه من السيئات، فمن الإنصاف عدم إغفال ما عنده من حسنات، قال ابن تيمية (قاعدة في المحبة: 136-137): وهذه القاعدة قد ذكرناها غير مرة، وهي اجتماع الحسنات والسيئات والثواب والعقاب في حق الشخص الواحد، كما عليه أهل جماعة المسلمين من جميع الطوائف إلا من شذ عنهم من الخوارج والوعيدية من المعتزلة ونحوهم وغالب المرجئة، فإن هؤلاء ليس للشخص عندهم إلا أن يثاب أو يعاقب محمود من كل وجه أو مذموم من كل وجه، وقد بينا فساد هذا في غير هذا الموضع بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة وذكرنا أيضا الكلام في الفعل الواحد نوعا وشخصا،
والغرض هنا أن هؤلاء الذين لبسوا الحق والباطل حصل في مقابلتهم من أعرض عن الحق والباطل جميعا فصار هؤلاء مذمومين على فعل السيئات محمودين على فعل الحسنات، وأولئك يذمون على ترك الحسنات الواجبات ويمدحون على ما قصدوا تركه لله من السيئات، وسبب ذلك أن الإنسان فيه ظلم وجهل فإذا غلب عليه رأي أو خلق استعمله في الحق والباطل جميعا، لم يحفظ حدود الله ولهذا يأمر الله بحفظ حدوده .... إلى أن قال: وفي الإنسان قوتان قوة الحب وقوة البغض، وإنما خلق ذلك فيه ليحب الحق الذي يحبه الله ويبغض الباطل الذي يبغضه الله، وهؤلاء هم الذين يحبهم الله ويحبونه، والنفس تميل إلى الإشراك بحسب الإمكان فإذا غلب على النفوس قوة المحبة لما يناسبها فأحبت الحق فقد تنجذب بسبب ذلك إلى محبة ما يقارنه من الباطل، ومن هنا مال كثير من النساك إلى محبة الأصوات والصور وغير ذلك بسبب ما فيهم من المحبة التي فيها ما هو لله، لكن لبسوا فيها الحق بالباطل، وكذلك قد يكون الشخص بالمحبة يميل إلى شهوات الغي في بطنه وفرجه وإنفاق الأموال فيها، ثم إنه بسبب ما فيه من الحب والدين يحب الحق وأهله ويعظمهم، فتجد كثيرا من أهل الشهوات وفيهم من المحبة لله ورسوله ما لا يوجد في كثير من النساك كما قال النبي في حمار الذي كان يشرب الخمر كثيرا لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله والحديث في البخاري وغيره. أهـ
وقال أيضا (المجموع: 10/364-366): وهذا أصل عظيم: وهو أن تعرف الحسنة في نفسها علماً وعملاً، سواء كانت واجبة أو مستحبة، وتعرف السيئة في نفسها علماً وقولاً وعملاً، محظورة كانت أو غير محظورة –إن سميت غير المحظورة سيئة– وأن الدين تحصيل الحسنات والمصالح، وتعطيل السيئات والمفاسد، وأنه كثيراً ما يجتمع في الفعل الواحد، أو في الشخص الواحد الأمران، فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر. كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية والفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية. فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائماً بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان.أهـ
فصل: العدل والقسط حق مكفول لكل البشر:
العدل قوام الملك والميزان الحق، به تنتصر الأمم وتنهض الشعوب، وبه تعلو الدرجات في الدنيا والآخرة، وضده الظلم وهو ظلمات في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً) (النساء:58)، وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل:90)، وقال تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(الأنعام:152)،
وإن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، والباغي يصرع في الدنيا وإن كان مغفورا له مرحوما في الآخرة، وذلك أن العدل نظام كل شيء.
في المسند والسنن عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا - مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ - مِثْلُ الْبَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ]. السلسلة الصحيحة (918).
والعدل واجب لجميع البشر ولو كان مستحقه مبغوضا أو مكروها، قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة:8)
والعدل منهج النبيين والمرسلين ومن تبعهم بإحسان وسار على طريقهم وسلك سبيلهم، في كل أمورهم، في الصحيحين أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ]، وفيهما عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلاَدِكُمْ]،
وفي النسائي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكَارِهِنَا وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْعَدْلِ أَيْنَ كُنَّا لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ. وفي رواية المسند: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَكْرَهِ وَالْمَنْشَطِ وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالأَثَرَةِ عَلَيْنَا وَأَنْ نُقِيمَ أَلْسُنَنَا بِالْعَدْلِ أَيْنَمَا كُنَّا لاَ نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ. صححه الألباني في صحيح سنن النسائي (4154)
وفي المسند عَنْ أبي موسى الأشعري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ]. قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: [يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ]. قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْعَلَ؟ قَالَ: [يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ]. قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: [يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ أَوْ بِالْعَدْلِ]. قَالَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَفْعَل؟َ قَالَ: [يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ]. السلسلة الصحيحة (573)
يقول ابن تيمية في تقرير قاعدة العدل والقسط مع المخالفين كائنا من كانوا (منهاج السنة: 2/342): والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، ولا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني، فضلاً عن الرافضي، قولاً فيه حق أن نتركه أو نرده كله، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق.أهـ
أقول: ليسمع هذا ويَفقَهُّ إخوة الجهاد وإخوة الدعوة وإخوة العمل السياسي والإخوة في الميادين كلها، الذين لا يقيمون العدل فيما بينهم فمتى يقيمونه على غيرهم، وليعلموا جميعا أن العدل مألوف والظلم عسوف.
قال تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ)(الأعراف:28)فلم يكذبهم الله تعالى في قولهم (وجدنا عليها آباءنا) مع كفرهم وضلالهم وإن كان هذا ليس عذرا لهم بل هم مؤاخذون،
قال العلامة السعدي في تفسير الآية: (قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) وصدقوا في هذا (والله أمرنا بها) وكذبوا في هذا ولهذا رد الله عليهم هذه النسبة فقال: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء).
وقال تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) (الأنعام: 148)
قال الإمام البغوي (معالم التنزيل: 3/201): قلنا: التكذيب ليس في قولهم "لو شاء الله ما أشركنا" بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم: إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) ، فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى: (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء)، والدليل على ذلك، قوله: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) بالتشديد، ولو كان ذلك خبرا من الله عز وجل عن كذبهم في قولهم: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) لقال (كذب الذين من قبلهم) بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب.أهـ
ومقابلة السيئة بمثلها مشروع وعدل ما لم تكن السيئة قد حُرمت لحق الله تعالى، مثل الكذب والزنا والخيانة والتكفير، في المسند والسنن عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ]. السلسلة الصحيحة (423)
قال ابن تيمية (الرد على البكري: 2/16): وأهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالِف يكفرُهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله.أهـ
فصل: طريق المبتدعة الجهل والظلم وعدم الإنصاف:
طريق المبتدعة والجهال والظلمة بخلاف طريق أهل السنة والعلم والعدل، فلما كان منطلق المبتدعة من الجهل فلا يتحرون بكلامهم وأفعالهم الحق والعدل كانوا ظلمة يظلمون أنفسهم وغيرهم.
قال ابن تيمية (المجموع: 16/96-97): ومن لم يعدل في خصومه ومنازعيه ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد، بل ابتدع بدعة وعادى من خالفه فيها أو كفره فإنه هو ظلم نفسه. وأهل السنة والعلم والإيمان يعلمون الحق ويرحمون الخلق؛ يتبعون الرسول فلا يبتدعون، ومن اجتهد فأخطأ خطأ يعذره فيه الرسول عذروه، وأهل البدع مثل الخوارج يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم ويستحلون دمه، وهؤلاء كل منهم يرد بدعة الآخرين ولكن هو أيضا مبتدع، فيرد بدعة ببدعة وباطلا بباطل، فإن المعتزلة والكرامية يقولون حقا وباطلا وسنة وبدعة،.. والله يحب الكلام بعلم وعدل ويكره الكلام بجهل وظلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ لاَ يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ].
وقد حرم سبحانه الكلام بلا علم مطلقا وخص القول عليه بلا علم بالنهي فقال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) وأمر بالعدل على أعداء المسلمين، فقال: (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
وقال أيضا: أهل السنة أعدل مع المبتدعة من المبتدعة بعضهم مع بعض.أهـ
بل كان يقول للجمهية من الحلولية والنفاة (الرد على البكري: 2/17): أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال.أهـ وقد كان هذا خطاباً لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش.
سادسا: لزوم سنن الرفق والعفو والرحمة ولين الخلق وترك بدع العنف والفظاظة والغلظة والشدة:
لاشك أن الغلظة مع المخالفين والقسوة عليهم من عادات أهل البدع كالخوارج والمعتزلة، وأن السنة في لزوم الرفق والعفو والرحمة، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، وقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
إن أهل السنة هم أعرف الناس بالحق وأرحمهم بالخلق، وكم من كلمة نابية جافية تصدر من شخص جاهل نزق تنفّر القلوب وتمزق الصفوف، وتبقى آثارها سنين طوالاً، أو أجيالاً متعاقبة، وصاحبها يجني آثامها، قال الشاعر:
إن القلوب إذا تنافر ودها ******* مثل الزجاجة شعبها لا يجبر
فالواجب على كل من يتصدر أي شأن من شؤون المسلمين، الانتصار للحق لا لشخصه، فإن كان قاسياً غليظاً فقد انتصر لشخصه لا لدعوته، وليتذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون فلن يكون داعية مهما بلغ من الحرص على الدين أحرص من موسى ولا مدعواً مهما كان سيئا أسوء من فرعون –غالبا-، وقد جاء الإرشاد الرباني: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طـه:44)
وهذا ابن السماك -أحد علماء السلف- يختلف مع أحد إخوانه في مسألة من المسائل فيغلظ له أخوه، وعند افتراقهم يقول له: غداً نتعاتب، فيقول ابن السماك: غداً نتغافر.
إن العفو والصفح عزيمة ينبغي رعايتها بحيث تقترن بالإصلاح، قال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، وقال: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)، وقال تعالى: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ) (الزخرف: 89)، وقال: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر: 85).وقال عز وجل: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
قال شيخ الإسلام (الرد على البكري: 156): وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: (كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم، كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق.أهـ وقد قيل: إن الكلام اللين يغلب الحق البيّن.
فصل: عدم تجاوز الشرع في الخصال المذكورة:
أهل السنة والجماعة وسط في كل أمورهم عقيدة وعبادة وسلوكا وخلقا من غير إفراط أو تفريط،
قال ابن تيمية (قاعدة في المحبة: 1/135): إن من الناس من يكون في خلقه سماحة ولين ومحبة فيسمح بمحبته وبتعظيمه ونفعه وماله للحسن الذي يحبه الله ويأمر به، كمحبة الله ورسوله وأوليائه المؤمنين والإنفاق في سبيله ونحو ذلك، ويسمح أيضا بمحبة الفواحش والإنفاق فيها، فتجده يحب الحق والباطل جميعا ويصدق بهما ويعين عليهما،
ومنهم من يكون في خلقه قوة فيمتنع من فعل الفواحش ويبغضها، ويمتنع مع ذلك من محبة نفع الناس والإحسان إليهم والحلم عن سيئاتهم، فتجده يبغض الحق والباطل جميعا ويكذب بهما ولا يعين على واحد منهما بل ربما صد عنهما،
وذلك لأن النفس أمارة بالسوء والشيطان يزين للمرء سوء عمله فيراه حسنا وهو متبع هواها وما فيها من العلم والإيمان يدعوه إلى الخير حتى تذهب الحسنات بالسيئات وإنما يفعل من الحسنات ما أقبلت عليه إرادته ومحبته دون ما أبغضته.أهـ
فعلى المسلم أن يضبط تصرفاته بضوابط الكتاب والسنة، فيقف عند الحدود التي حدها الله تعالى ويلتزم الحكمة ويضع الأمور في نصابها بلا إفراط أو تفريط، والاحتياط حسن ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك فالاحتياط ترك هذا الاحتياط.
فصل: أهل السنة أوسع الناس رحمةً وأعظمهم شفقة، وأصدقهم نصحاً:
نعم لقد كان من أبرز صفات أهل السنة والجماعة أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فإنهم أصحاب هدى واتباع، وأرباب عمل وإقتداء، ولذا كانوا أعلم الناس بالحق ويقبلونه حيث كان ومع من كان، وأحرص الناس على تبليغ الدين والدعوة إليه، ومنابذة أهل الأهواء والبدع، وفي نفس الوقت فإنهم يرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى، ولذا كانوا أوسع الناس رحمةً وأعظمهم شفقة، وأصدقهم نصحاً.
يقول الإمام ابن رجب (شرح حديث ما ذئبان جائعان: 19): كان خلفاء الرسل وأتباعهم من أمراء العدل وأتباعهم وقضاتهم لا يدعون إلى تعظيم نفوسهم البتة، بل إلى تعظيم الله وحده وإفراده بالعبودية والإلهية ومنهم من كان لا يريد الولاية إلا للاستعانة بها على الدعوة إلى الله وحده .
وكانت الرسل وأتباعهم يصبرون على الأذى في الدعوة إلى الله ويتحملون في تنفيذ أوامر الله من الخلق غاية المشقة وهم صابرون بل راضون بذلك، كما كان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول لأبيه في خلافته: إذا حُرص على تنفيذ الحق وإقامة العدل يا أبت لوددت ُ أني غلت بي وبك القدور في الله عز وجل.أهـ
طابت منابتها فطاب صنيعُها ******* إن الفعال إلى المنابت تنسبُ
سابعا: اتباع الحق وإن كان مع الخصم والمناظر:
يجب على المسلم الذي يخالف أخاه في مسألة ألا يدخل نقاشاً معه إلا إذا نوى أن يتبع الحق أنى وجده، وأنه إن تبين له أن الحق مع مخالفه اتبعه وشكر لأخيه الذي ظهر الحق على يده، فإنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس. في المسند وأبي داود والترمذيعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: [لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ] السلسلة الصحيحة (416)
إن قبول الحق من مخالفك حق وفضيلة، فالمؤمن يجب أن يذعن للحق عندما يتبين له، ولا يجوز له رد الحق كبراً لأنه من العظائم، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الكبر بقوله: [الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ] رواه مسلم عن ابن مسعود، وبطر الحق: رده، وغمط الناس: ظلمهم.
قال الشافعي (قواعد الأحكام: 126): ما ناظرت أحداً إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه فإن كان الحق معي اتبعني وإذا كان الحق معه اتبعته.أهـ
واتباع الحق متى ظهر؛ هو منهج أئمة الأمة ووصيتهم لأتباعهم بعيدا عن التعصب لهم بالباطل ورد الحق لأجل قول عالم ظهر ضعفه وعدم إصابته الحق في اجتهاده، فإن حب النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه أعظم من حب واتباع أي عالم مهما كانت منزلته من غير انتقاص له، واتباع الحق بعد ظهوره أولى من البقاء على تقليد عالم على خطئه بل كان ينهى العلماء عن تقليدهم على خطئهم وينفرون وينفّرون من ذلك.
وعلماء الدين كلُّهم مجمعون على قصد إظهار الحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأنْ يكون الدين كله لله وأن تكون كلمته هي العليا، وكلُّهم معترفون بأن الإحاطة بالعلم كله من غير شذوذ شيء منه ليس هو مرتبة أحد منهم، ولا ادعاه أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، فلهذا كان أئمة السلف المجمع على علمهم وفضلهم يقبلون الحق ممن أورده عليهم وإن كان صغيراً، ويوصون أصحابهم وأتباعهم بقبول الحق إذا ظهر في غير قولهم.
كما قال عمر رضي الله عنه في مهور النساء وردَّت المرأة بقوله تعالى : (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (النساء:20)، فرجع عن قوله وقال: أصابتِ امرأةٌ ورجلٌ أخطأ.
وكان بعض المشهورين إذا قال في رأيه بشيء يقول: هذا رأينا فمن جاءنا برأي أحسنَ منه قبلناه.
وكان الشافعي يبالغ في هذا المعنى، ويوصي أصحابه باتباع الحق وقبول السنة إذا ظهرت لهم على خلاف قوله، وأن يضرب بقوله حينئذٍ الحائط، وكان يقول في كتبه: لا بد أن يوجد فيها ما يخالف الكتاب والسنة لأن الله تعالى يقول: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء:82).
قال ابن رجب الحنبلي (الحكم الجديرة بالإذاعة: 17): من هنا رد الصحابة ومن بعدهم من العلماء على كل من خالف سنة صحيحة، وربما أغلظوا في الرد -لا بغضاً له بل هو محبوب عندهم، معظم في نفوسهم- لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليهم، وأمره فوق كل أمر مخلوق. فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أولى أن يقدم ويتبع، ولا يمنع من ذلك تعظيم من خالف أمره وإن كان مغفوراً له، بل ذلك المخالف المغفور له لا يكره أن يخالف أمره إذا ظهر أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بخلافه، بل يرضى بمخالفة أمره ومتابعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ظهر أمره بخلافه. كما أوصى الشافعي: إذا صح الحديث في خلاف قوله؛ أن يتبع الحديث ويترك قوله. وكان يقول: ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، وما ناظرت أحداً فباليت أظهر الحق على لسانه أو على لساني. لأن تناظرهم كان لظهور أمر الله ورسوله لا لظهور نفوسهم والانتصار لها.أهـ
إذا تضاربت الأقوال واختلطت ******* فإنني عند قول الحق وقاف
فصل: خطر التكلف واتباع سنة الضرائر لرد الحق:
قبول الحق واجب والرجوع عن الباطل فضيلة، لكن من الناس من يتمسك برأيه وموقفه ولو كان باطلا، ويبحث عن كل شاردة وواردة لإثبات ذلك، وقد يتكلف ويتمحل في حواره ونقاشه ويأتي بالغرائب والشبهات والأقاويل الضعيفة كي لا يرجع عن رأيه وموقفه، فيسلك في هذا مسلك الضرائر وليس مسلك العلماء والفضلاء،
قال الغزالي (إحياء علوم الدين: 1/44): فانظر إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسودّ وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به وكيف يجهد في جحده بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه طول عمره، ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنهم في تعاونهم على النظر في الحق، ... إلى أن قال: وأنت ترى أن جميع المجالس تنقضي في المدافعات والمجادلات حتى يقيس المستدل على أصل بعلة يظنها، فيقال له ما الدليل على أن الحكم في الأصل معلل بهذه العلة فيقول هذا ما ظهر لي، فإن ظهر لك ما هو أوضح منه وأولى فاذكره حتى أنظر فيه، فيصر المعترض ويقول فيه معان سوى ما ذكرته وقد عرفتها ولا أذكرها إذ لا يلزمني ذكرها... ولا يعرف هذا المسكين أن قوله: إني أعرفه ولا أذكره إذ لا يلزمني، كذب على الشرع فإنه إن كان لا يعرف معناه وإنما يدعيه ليعجز خصمه فهو فاسق كذاب، عصى الله تعالى وتعرض لسخطه بدعواه معرفة هو خال عنها، وإن كان صادقا فقد فسق بإخفائه ما عرفه من أمر الشرع، وقد سأله أخوه المسلم ليفهمه وينظر فيه فإن كان قويا رجع إليه وإن كان ضعيفا أظهر له ضعفه وأخرجه عن ظلمة الجهل إلى نور العلم، ولا خلاف أن إظهار ما علم من علوم الدين بعد السؤال عنه واجب لازم. وقال: اعلم وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام وإظهار الفضل والشرف والتشدق عند الناس وقصد المباهاة والمماراة واستمالة وجوه الناس هي منبع جميع الأخلاق المذمومة عند الله المحمودة عند عدو الله إبليس، ونسبتها إلى الفواحش الباطنة من الكبر والعجب والحسد والمنافسة وتزكية النفس وحب الجاه وغيرها كنسبة شرب الخمر إلى الفواحش الظاهرة من الزنا والقذف والقتل والسرقة، وكما أن الذي خير بين الشرب والفواحش وسائر الفواحش استصغر الشرب فأقدم عليه فدعاه ذلك إلى ارتكاب بقية الفواحش في سكره، فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها في النفس وهيج فيه جميع الأخلاق المذمومة. إلى أن قال: الفرح لمساءة الناس والغم لمسارهم ومن لا يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه فهو بعيد من أخلاق المؤمنين، فكل من طلب المباهاة بإظهار الفضل يسره لا محالة ما يسوء أقرانه وأشكاله الذين يسامونه في الفضل ويكون التباغض بينهم كما بين الضرائر، فكما أن إحدى الضرائر إذا رأت صاحبتها من بعيد ارتعدت فرائصها واصفر لونها، فكذا ترى المناظر إذا رأى مناظرا تغير لونه واضطرب عليه فكره، فكأنه يشاهد شيطانا ماردا أو سبعا ضاريا فأين الاستئناس والاسترواح الذي كان يجري بين علماء الدين عند اللقاء وما نقل عنهم من المؤاخاة والتناصر والتساهم في السراء والضراء حتى قال الشافعي رضي الله عنه العلم بين أهل الفضل والعقل رحم متصل فلا أدري كيف يدعي الاقتداء بمذهبه جماعة صار العلم بينهم عداوة قاطعة.أهـ
ثامنا: بقاء الأخوة مع الخلاف في المسائل الاجتهادية أولى من دفع المخالف إلى الشقاق والعداوة:
إذا علمت من مخالفك أنه لا يبقى أخاً إلا ببقائه على ما هو عليه من أمر مرجوح ورأي مخالف للحق في نظرك، وترجح لديك أن كلامك ونصحك له في هذا سيحمله على الشقاق والبعد وربما البغضاء والعداوة، فتركه على ما هو عليه أولى من دفعه إلى الشقاق، لأن بقاء المسلمين إخوة في الدين مع اختلافهم في المسائل الاجتهادية خير من تفرقهم وتمزقهم مع بقائهم على خلافاتهم.
قال الشاطبي (الاعتصام: 453): قال الغزالي في بعض كتبه : أكثر الجهالات إنما رسخت في قلوب العوام بتعصب جماعة من جهلة أهل الحق أظهروا الحق في معرض التحدي والإدلال ونظروا إلى ضعفاء الخصوم بعين التحقير والازدراء فثارت من بواطنهم دواعي المعاندة والمخالفة ورسخت في قلوبهم الاعتقادات الباطلة وتعذر على العلماء المتلطفين محوها مع ظهور فسادها حتى انتهى التعصب بطائفة إلى أن اعتقدوا أن الحروف التي نطقوا بها في الحال بعد السكوت عنها طول العمر قديمة ولولا استيلاء الشيطان بواسطة العناد والتعصب للأهواء لما وجد مثل هذا الاعتقاد مستفزا في قلب مجنون فضلا عن قلب عاقل،
هذا ما قال وهو الحق الذي تشهد له العوائد الجارية فالواجب تسكين الثائرة ما قدر على ذلك.أهـ
وقال الشاطبي (الموافقات: 5/173-174): وكانوا مع هذا –الخلاف-أهل مودة وتناصح، أخوة الإسلام فيما بينهم قائمة، فلما حدثت الأهواء المردية التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهرت العداوات، وتحزب أهلها فصاروا شيعا دل على أنه إنما حدث ذلك من المسائل المحدثة التي ألقاها الشيطان على أفواه أوليائه، فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها، ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من أمر الدين في شيء، وأنها التي عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتفسير الآية، وهي قوله تعالى: (إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).أهـ
وقال ابن تيمية (المجموع: 28/129-130): وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به؛ بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ؛ لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام،
وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعا؛ أو يتركوهما جميعا: لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا من منكر؛ ينظر: فإن كان المعروف أكثر أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإن كان المنكر أغلب نهي عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف. ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما. فتارة يصلح الأمر؛ وتارة يصلح النهي؛ وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
وأما من جهة النوع فيؤمر بالمعروف مطلقا وينهى عن المنكر مطلقا. وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها ويحمد محمودها ويذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه. وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق؛ فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية؛ وإذا تركها كان عاصيا فترك الأمر الواجب معصية؛ وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية، وهذا باب واسع.أهـ
وقد تناولت هذا الموضوع في ثلاث رسائل عن المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات نشرت سابقا.
فصل: تأليف القلوب أعظم:
ويجب على كل ذي دين وعقل أن يتجنب دفع المخالف إلى شر أعظم، فإن مصلحة التأليف في الدين عظيمة، في سنن أبي داود عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أَبِى بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا. ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ فَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ. وقِيلَ لَهُ عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا قَالَ الْخِلاَفُ شَرٌّ.
وهذا هو منهج الصحابة رضي الله عنهم عند اختلافهم وتنازعهم حيث كانوا، يتناظرون ولكن مع بقاء الألفة وأخوة الدين.
يقول شيخ الإسلام (المجموع: 24/172-173): فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته، وأنهم هم الجماعة، وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) ، وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة، وربما اختلف قولهم في المسالة العلمية والعملية، مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين.أهـ
ويقول مبينا ما يجب على المؤمنين فيما بينهم من الأخوة والموالاة والنصرة والتراحم والتعاطف والائتلاف وما ينهون عنه من الفرقة والاختلاف (المجموع: 3/419-421): وقد جعل الله فيها عباده المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وجعلهم إخوة، وجعلهم متناصرين متراحمين متعاطفين، وأمرهم سبحانه بالائتلاف، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ)فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة، ويعادي طائفة أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى، وقد برأ الله نبيه صلى الله عليه وسلم ممن كان هكذا.
فصل: فعل أهل البدع:
فهذا فعْل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا جماعة المسلمين، واستحلوا دماء من خالفهم، وأما أهل السنة والجماعة فهم معتصمون بحبل الله، وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه، وإن كان غيره أتقى لله منه، وإنما الواجب أن يقدم من قدمه الله ورسوله، ويؤخر من أخره الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله، وأن يرضى بما رضي الله به ورسوله، وأن يكون المسلمون يداً واحدة، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يُضلل غيره ويكفّره، وقد يكون الصواب معه وهو الموافق للكتاب والسنة، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين، فليس كل من أخطأ يكون كافراً ولا فاسقاً، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، وقد قال الله تعالى في كتابه في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا)، وثبت في الصحيح أن الله قال: [قد فعلت]، لاسيما وقد يكون من يوافقكم في أخص من الإسلام، مثل أن يكون على مذهب الشافعي، أو منتسباً إلى الشيخ عدي، ثم بعد هذا قد يخالف في شيء، وربما كان الصواب معه، فكيف يستحل عرضه ودمه أو ماله؟ مع ما قد ذكره الله تعالى من حقوق المسلم والمؤمن.أهـ
لقد وقع في ساحات العمل الإسلامي من المفاسد ما يندى له الجبين، فقد حمل بعض المسلمين خلافهم مع إخوانهم إلى تبديع مخالفيهم وتفسيقهم بل وتكفيرهم بل وقتلهم، مثل ما حصل في أفغانستان والعراق والصومال وفلسطين وأغلب ما حصل مرجعه إلى الجهل والظلم وعدم الوقوف عند حدود الشرع، وربما تدخلت أيادٍ خبيثة من خارج الصف الإسلامي لإذكاء الفتنة ولو كانت صغيرة أو افتعال أزمة وإن لم تكن موجودة فنجحت في كثير من الأحيان، نسأل الله تعالى برحمته أن يرد جميع المسلمين إلى الهدى والحق والأخوة والألفة إنه سميع مجيب.
تاسعا: الابتعاد عن الحوار المعلن إلا للحاجة:
إن الحوار يزداد مشقة على المخطئ كلما زاد عدد الحضور، ويزداد إذا كان في الفضائيات وربما صعب الرجوع عن الخطأ إلى الصواب، وقد يتكلف المناظر فيأتي بكل طاحنة عاجنة خابزة وبكل ما يستحضر من متردية ونطيحة ويحشر ما يتوهم أنه من الأدلة على صواب رأيه كي لا يقع في حرج الاعتراف بالخطأ!! أو يؤيد ما تمسك به لفترة طويلة أو لئلا يقع تحت طائلة لوم الأتباع والمناصرين والمحبين أو لئلا يعذله العذال ويشمت به من اختلف معه وغير ذلك من الأسباب، لذلك ينبغي الحرص على سلوك أقرب الطرق وأفضلها للوصول إلى الحق وحمل المخطئ على الأخذ به.
قال الشوكاني (أدب الطلب: 56): وكثيرا ما تجد الرجلين المنصفين من أهل العلم قد تباريا في مسألة وتعارضا في بحث، فبحث كل واحد منهما عن أدلة ما ذهب إليه فجاء بالمتردية والنطيحة، على علم منه بأن الحق في الجانب الآخر، وأن ما جاء به لا يسمن ولا يغني من جوع، وهذا نوع من التعصب دقيق جدا، يقع فيه كثير من أهل الإنصاف، ولا سيما إذا كان بمحضر من الناس، وأنه لا يرجع المبطل إلى الحق إلا في أندر الأحوال، وغالب وقوع هذا في مجالس الدروس ومجامع أهل العلم.أهـ
عاشرا:مراعاة أحوال الناس واختلاف بيئاتهم:
معرفة أحوال الناس والواقع الذي يعيشونه وبيئتهم لابد منه قبل دعوتهم أو الحكم عليهم أو الفتيا لهم، وأدلة هذا الأمر كثيرة فإن الشريعة ما جاءت إلا لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، ولذا فإن الفتوى تتغير زمانا ومكانا وحالا،
قال ابن القيم (إعلام الموقعين: 3/149): فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، الشريعة مبنية على مصالح العباد، هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل.
فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا.أهـ
وقال (إعلام الموقعين: 1/87-88): ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع؛ بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع؛ وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه، وكما توصل سليمان صلى الله عليه وسلم بقوله ائتوني بالسكين حتى أشق الولد بينكما إلى معرفة عين الأم.أهـ
قال الشيخ الغامدي (الضوابط الفقهية: 48): إن هناك بعض المسائل قد يقبل فيها الخلاف بسبب اختلاف أحوال الناس وتنوع أوضاعهم فإن قُدر له أن يُستفتى فيها فعليه أن يراعي الظروف والأحوال.أهـ
وقال ابن القيم (إعلام الموقعين: 3/253-255): لأن الأحكام المترتبة على القرائن تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالعقود في المعاملات والعيوب في الأعواض في المبايعات ونحو ذلك، فلو تغيرت العادة في النقد والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن من المبيع عند الإطلاق على السكة والنقد المتجدد دون ما قبله، وكذلك إذا كان الشيء عيبا في العادة رد به المبيع، فإن تغيرت العادة بحيث لم يعد عيبا لم يرد به المبيع، قالوا: وبهذا تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهذا مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه، وإن وقع الخلاف في تحقيقه: هل وجد أم لا؟
ثم تطرق إلى قول المالكية في العرف وما ينبني عليه: ونقل قولهم: وعلى هذا أبدا تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدد في العرف فاعتبره، ومهما سقط فألغه، ولا تجمد على المنقول في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك، وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك، قالوا: فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، قالوا: وعلى هذه القاعدة تخرج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات؛ فقد يصير الصريح كناية يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحا تستغني عن النية ،
قال: وهذا محض الفقه، ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان.أهـ
قال الشوكاني (أدب الطلب: 56): أرشدك على ما تستعين به على القيام بالحجة؛ وهو أنك لا تأت الناس بغتة وتصك وجوههم مكافحة ومجاهرة، وتنعى عليهم ما هم فيه نعيا صريحا، وتطلب منهم مفارقة ما ألفوه طلبا مضيقا، وتقتضيه اقتضاءا حثيثا، بل اسلك معهم مسالك المتبصرين في جذب القلوب إلى ما يطلبه الله من عباده، ورغبهم في ثواب المنقادين للشرع المؤثرين للدليل على الرأي وللحق على الباطل.أهـ
حادي عشر: مخاطبة الناس بحسب مداركهم:
على العالم والمفتي والداعية والخطيب وكل متكلم أن يراعي أفهام الناس ومداركهم، ولا يذكر لهم ما يحدث لهم فتنة لعدم فهمهم، ولا يذكر لهم إلا ما يترجح عند حاجتهم إليه، وأن يذكر الكليات والمقاصد الجامعة والقضايا التي ينتفع منها الناس ويتجنب المسائل الدقيقة إلا لأهلها، والتفاصيل العلمية التي لا يحتاجها الناس، وخاصة في الأمور المتشابهة فقد لا تدركها عقولهم فتأتي بمردود سيء، ومن أظهرها نُهِي عن ذلك فإن أصر عوقب على فعله، وكذلك يستحق العقوبة من أظهر موارد النزاع التي يكون بسبب إظهارها فساد عام.
وليس من هذا الباب بيان ما لا بد للناس منه، أو ما يمكن أن يسمعه الناس منك ومن غيرك، فلئن سمعوه منك على وجهه الصحيح خير من أن يسمعوه من غيرك على غير وجهه.
في مقدمة مسلم قَالَ عَبْد اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً.
وفي البخاري قَالَ عَلِىٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وفيه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالاً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِى مَنْزِلِهِ بِمِنًى، وَهْوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، إِذْ رَجَعَ إِلَىَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ لَكَ فِي فُلاَنٍ يَقُولُ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ لَقَدْ بَايَعْتُ فُلاَنًا، فَوَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِى بَكْرٍ إِلاَّ فَلْتَةً، فَتَمَّتْ!. فَغَضِبَ عُمَرُ ثُمَّ قَالَ إِنِّي إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ، فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى قُرْبِكَ حِينَ تَقُومُ فِي النَّاسِ، وَأَنَا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَنْ لاَ يَعُوهَا، وَأَنْ لاَ يَضَعُوهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ، فَتَقُولَ مَا قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا. فَقَالَ عُمَرُ أَمَا وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ.أهـ
قال شيخ الإسلام (المجموع: 12/237): فالواجب على المسلم أن يَلزَم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنة خلفائه الراشدين، والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان. وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه، إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل، وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى..... إلى أن قال: والواجب أمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف، فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله.أهـ
وهذا فهم دقيق وعميق للدين ولشرع الله، فيجب على العلماء والدعاة أن يبلغوا العامة مجملات الدين الثابتة بالنص والإجماع، ويمنعوهم من الخوض في دقائق العلم والتفاصيل، فكثيراً ما يتطرق إليها الخلاف، فإذا لم يكن عند المطلع عليها رصيد كبير من العلم والحلم والحكمة مما يعذر به المخالف وقعت الفتنة والفرقة والاختلاف الذي يعتبر تجنبه من أعظم ما أرشد إليه الدين، فهل نعي مثل هذا الفقه الرشيد؟
ثاني عشر: عدم تجاوز الحد في الرد:
غالبا ما يؤدي الرد على المخالف إلى البغي والعدوان، وربما يُنسب إلى أمور لم يفعلها ولا يقرها، وهذا من صفات المنافقين التي نهينا عنها وأخلاقهم التي حذرنا نبينا منها، وهي بخلاف صفات المؤمنين الذين يحبهم الله ويحبونه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة:54)، وقال سبحانه: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) (الفتح:29)
في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاق، حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ].
عمي بصائرهم طمس مشاعرهم ******* كأنهم في مراعي وَهْمِهم غنمُ
فالشر منطقهم والغدر شيمتهم ******* والخبث ديدنهم إن العدو همُ
قال الإمام القرافي (أنوار البروق في أنواع الفروق: 8/261): أرباب البدع والتصانيف المضلة ينبغي أن يشهر الناس فسادها وعيبها وأنهم على غير الصواب ليحذرها الناس الضعفاء فلا يقعوا فيها، وينفر عن تلك المفاسد ما أمكن بشرط أن لا يتعدى فيها الصدق، ولا يفترى على أهلها من الفسوق والفواحش ما لم يفعلوه بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال على المبتدع إنه يشرب الخمر، ولا أنه يزني ولا غير ذلك مما ليس فيه، وهذا القسم داخل في النصيحة غير أنه لا يتوقف على المشاورة، ولا مقارنة الوقوع في المفسدة ومن مات من أهل الضلال ولم يترك شيعة تعظمه، ولا كتبا تقرأ، ولا سببا يخشى منه إفساد لغيره فينبغي أن يستر بستر الله تعالى، ولا يذكر له عيب البتة، وحسابه على الله تعالى،.. فالأصل اتباع هذا إلا ما استثناه صاحب الشرع.أهـ
وقال شيخ الإسلام (المجموع: 14/482): في سياق كلامه حول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الرابع: ألا يعتدي على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم أو نهيهم أو هجرهم أو عقوبتهم ؛ بل يقال لمن اعتدى عليهم عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت كما قال : (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ)الآية. وقال: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، وقال: (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)، فإن كثيرا من الآمرين الناهين قد يتعدى حدود الله إما بجهل وإما بظلم، وهذا باب يجب التثبت فيه وسواء في ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين والعاصين. الخامس: أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع من العلم والرفق والصبر وحسن القصد وسلوك السبيل القصد، فإن ذلك داخل في قوله: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) وفي قوله: (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) . فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفيها المعنى الآخر. وهو إقبال المرء على مصلحة نفسه علما وعملا وإعراضه عما لا يعنيه كما قال صاحب الشريعة: [مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ]، ولا سيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه، لا سيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة. وكذلك العمل فصاحبه إما معتد ظالم وإما سفيه عابث، وما أكثر ما يصور الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله ويكون من باب الظلم والعدوان. فتأمل الآية في هذه الأمور من أنفع الأشياء للمرء وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب؛ الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن؛ محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور في قولهم : (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا)، وبإزاء هذا العدوان تقصير آخرين فيما أمروا به من الحق أو فيما أمروا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه الأمور كلها، فما أحسن ما قال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين -لا يبالي بأيهما ظفر- غلو أو تقصير. فالمعين على الإثم والعدوان بإزائه تارك الإعانة على البر والتقوى، وفاعل المأمور به وزيادة منهي عنها بإزائه تارك المنهي عنه وبعض المأمور به والله يهدينا الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله.أهـ
قال ابن أمير حاج (التقرير والتحبير: 6/119): من هنا وقع التخبط وإلا فالحق أن لا يبنى الجدل إلا على وجه الإرشاد والاسترشاد لا للعلية والاستدلال، والواجب رد الجميع إلى ما دلت عليه الأدلة الشرعية، وكيف لا والجدل مأمور به بالحق، كما دل عليه القرآن وفعله الصحابة والسلف، ثم كما في الواضح لولا ما يلزم من إنكار الباطل واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في رده عن ضلالته لما حسنت المجادلة للإيحاش فيها غالبا، وإذا نفرت النفوس عميت القلوب وخمدت الخواطر وانسدت أبواب الفوائد، ولكن فيها أعظم المنفعة إذا قصد بها نصرة الحق والتقوي على الاجتهاد، ونعوذ بالله من قصد المغالبة وبيان الفراهة، فضلا عن قصد التغطية على الحق وترويج الباطل بآفة من الآفات من محاباة لأرباب المناصب تقربا إليهم، أو مناضلة مردودة دوما لحصول المنزلة في قلوب العوام والتعظيم لديهم إلى غير ذلك من القصود المحرمة أو المكروهة، ومن بان له سوء قصد خصمه فالذي يظهر أنه إن أدى إلى مكروه فمكروه ومحرم فمحرم، لأنه إعانة على ذلك وقد قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) وقال عز وجل: (وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ)،
قال ابن الجوزي وهذا أدب حسن علمه الله تعالى عباده ليردوا به من جادل تعنتا فلا يجيبوه، وقد ذكر بعض العلماء أن اجتماع جمع متجادلين في مسألة مع أن كلا منهم لا يطمع أن يرجع إذا ظهرت له الحجة ولا فيه مؤانسة ومودة وتوطئة القلوب لوعي الحق بل هو إلى الضد محمل ما روى أحمد وحسنه وصححه الترمذي عن عَنْ أَبِى أُمَامَةَ مرفوعا: [مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الْجَدَلَ]، ثُمَّ تَلاَ الآيَةَ (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ).أهـ
وعلى المسلم أن يعَوِّد نفسه على الحلم والصبر، وألا ينتصر لنفسه في المسائل العلمية، حتى لو طعن المقابل في علمه، أو في طريقة إيراده، فلا يتأثر لأنه مُبَلِّغ للعلم والدين وليس منتصراً لنفسه، والمنتصر لنفسه يَحْرِمها انتصار الله عز وجل له وتوفيقه.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، وقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، في الصحيحين عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِىَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ]، وفيهما عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: [إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ]. وفي الأفراد للدارقطني عن أبي هريرة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [إنَّما العلمُ بالتَّعلُّمِ وإنَّما الحِلْمُ بالتَّحلُّمِ ، ومن يتَحَر الخيرَ يعطَه، ومن يتَوَقَّ الشَّرَّ يوقَه]، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2328).
قال الغزالي (إحياء علوم الدين: 1/43): وأما المبتدع بعد أن يعلم من الجدل ولو شيئاً يسيراً فقلما ينفع معه الكلام؛ فإنك إن أفحمته لم يترك مذهبه وأحال بالقصور على نفسه وقدر أن عند غيره جواباً ما وهو عاجز عنه، وإنما أنت ملبس عليه بقوة المجادلة. وأما العامي إذا صرف عن الحق بنوع جدل يمكن أن يرد إليه بمثله قبل أن يشتد التعصب للأهواء؛ فإذا اشتد تعصبهم وقع اليأس منهم؛ إذ التعصب سبب يرسخ العقائد في النفوس وهو من آفات علماء السوء؛ فإنهم يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة - لا في معرض التعصب والتحقير - لأنجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا باستتباع ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم، وسموه ذباً عن الدين ونضالاً عن المسلمين، وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس. وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها في السلف فإياك وأن تحوم حولها، واجتنبها اجتناب السم القاتل فإنها الداء العضال.أهـ
قال ابن القيم ( الجواب الكافي: 113): وفى اللسان آفتان عظيمتان إن خلص العبد من أحدهما لم يخلص من الآخرة: آفة الكلام وآفة السكوت، وقد يكون كل منهما أعظم إثما من الأخرى في وقتها، فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق عاص لله، وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين، وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم كفوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، فلا ترى أحدهم أنه يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة فضلا أن تضره في آخرته، وإن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله عز و جل وما اتصل به.أهـ
قال الشيخ علي القرني (حروف تجر الحتوف: 37): عبدَالله: ما الحيوان الذي يأكل لحم أخيه بعد موته؟ الأسد؟ النمر؟ الثعلب؟ لا، لا تألفها بل تأنفها، لا يفعلها إلا ذلكم الحيوان الذي إذا ولغ في الإناء احتيج إلى غسله لا مرة بل إلى سبع والتراب، إنه الكلب لا يفعلها إلا كلب، وشبه الشيء منجذب إليه،
ألم تقرأ القرآن عمرك مرة ******* فما لك تعمى عنه في كل مرة
قال الله تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات: من الآية12) وكم من حروف تجر الحتوف.أهـ
فصل: تجاوز للشرع بلا حدود:
لقد وصل الحال ببعض إخواننا إلى تصنيف إخوانه بأنهم شر من اليهود والنصارى، وهذه زلة عسى الله أن يغفرها لجهل صاحبها بما يقول، فإنها مخالَفة للحق صريحة وعدوان على المسلمين بطريقة قبيحة، من غير بدعة فعلوها ولا جريرة عظيمة اقترفوها، ولا كفر بواح صراح!!!
إن هذه الأهواء غالبا ما تكون لتحصيل جاه موهوم وتقديس الذات والأنا ورؤية خيرية النفس على غيرها، وهو عين ما وقع فيه إبليس إذ(قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، وإن جعل لها أصحابها عناوين براقة كالنصح والحفاظ على المبادئ ولزوم الثوابت وصيانة مصالح الأمة!! وقليل من الناس من يتنبه لخفايا النفوس ودغل القلوب!
يا واعظ الناس قد أصبحت متهما****** إن عبت منهم أمورا أنت تأتيها
وأعظم الإثم بعد الشرك نعلمه ******* في كل نفس عماها عن مَساويها
عرّفتَها بعيوب الناس تُبصرُها ****** منهم، ولا تُبصر العيبَ الذي فيها
قال الحسن البصري: هؤلاء ملّوا العبادة وخف عليهم القول وقلّ ورعهم فتكلموا.
ومن يزرع الحنظل لا يرتجي ****** أن يجتني السكر من غرسته
إن الكتاب والسنة وإجماع الأمة تأبى هذا التصنيف وكلام الأئمة بخلافه تماما، وقد أنكروا على من صنف عامة أصحاب البدع الكبرى هذا التصنيف من دون تمييز، وخطئوا قوله وردوا فعله، فكيف بمن يصنف أهل الخير والجهاد والإيمان هذا التصنيف،
قال شيخ الإسلام (المجموع: 35/201): كل من كان مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو خير من كل من كفر به؛ وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم؛ فإن اليهود والنصارى كفار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام. والمبتدع إذا كان يحسب أنه موافق للرسول صلى الله عليه وسلم لا مخالف له لم يكن كافرا به؛ ولو قدر أنه يكفر فليس كفره مثل كفر من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم.أهـ
وهذا لا يشمل كل من انتسب إلى هذه الطوائف ففيهم من هو كافر بالكتاب ومكذب للرسول صلى الله عليه وسلم كما هو معروف عن أئمة الرافضة ورؤوس الدجل والنفاق، مثلا.
وقال (المجموع: 13/95-96): والخير والشر درجات فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ما هو خير منه، وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير وانتفعوا بذلك وصاروا مسلمين مبتدعين وهو خير من أن يكونوا كفارا.أهـ
ويوضح الموقف بصورة أجلى وأوضح، الإمام الذهبي (سير أعلام النبلاء: 10/202) إذ يقول في ترجمة بشر المريسي: هو بشر الشر وبشر الحافي بشر الخير، كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السنة، وأحمد بن أبي دؤاد أحمد البدعة.
ومن كفر ببدعة وإن جلت، ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع، كمن عاند الرسول، وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها.أهـ
قال الشيخ الغامدي تعقيبا على كلام شيخ الإسلام (الضوابط الفقهية: 78): كلام جميل يفرق فيه بين من حُكم بكفره من المسلمين ومن كان كافرا أصليا وأن هذا الكفر ليس كالكفر الأصلي.أهـ
فصل: موجهات إضافية للنفس وتربيتها:
فإن أبت النفوس الانصياع فلنعلم أن الداء في النفس وأهوائها وليس في الفهم، وها هنا مسلك آخر لتدارك الأمر يدور حول وعظ النفوس وتذكيرها بما يخرجها من شَرَك الأهواء الذي أردى الكثيرين.
v الاستحضار الدائم لغاية خلق الإنسان وضيق فترة الحياة عن تحقيق هذه الغاية فلا وقت إذن للمماراة وتحمل معاناة فساد ذات البين وأعمال الجاهلين، قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)
v الاستحضار الدائم لحقيقة الدنيا وخداعها قال تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
v الاستحضار الدائم لكيد الشيطان قال تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)
v فذواتنا التي ننتصر لها سيبغتها الموت ويطويها القبر، وكذلك الذين نود الحظوة عندهم، كلهم ستطويهم القبور، ويذهب بهم الموت، وتبقى الحسرات، قال تعالى: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) (الصافات:24)
وللشيخ عبدالعزيز البغدادي رسالة بعنوان الباب اقتبست منها كثيرا من الفقرات والعبارات قال في آخرها: هذا هو الواجب التزامه في مسائل الخلاف، وهذه هي مواعظ النفوس الواجبة في هذه الحال، وكلاهما يمثلان فرض الوقت على المسلمين المختلفين، والعجب ممن يسيرون في تكريس الخلاف وتجذيره، وهم في غيهم سادرون، وعن الحق معرضون، وللعباد ظالمون، وعن لجج الفتن والابتلاءات التي تعصف ببلادنا ذاهلون، فمتى نفيق على الحقيقة ؟؟!!.
الباب التاسع:
ما بعد الخلاف
إذا وقع الخلاف بين المسلمين في المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، وهي الأمور الاجتهادية، أو التي اختلف الصحابة والأئمة فيها قديماً، واتبعت الخطوات السابقة قضي على آثار الخلاف السيئة بإذن الله، ووصل المختلفان إلى الوفاق، ووفقنا بحول الله إلى الحق. فإن لم يكن وظهر لكل منهما صحة نظره وسلامة قوله، وأنه لا يستطيع أن يدين الله إلا بما يراه، فإن واجب المختلفين ما يأتي:
أولا: المداومة على الدعاء من الله تعالى بتأليف القلوب ورفع الغل منها :
لقد علمنا الله تعالى أن القلوب بيده وهو الذي يؤلف بينها، كي يداوم المؤمنون بدعائه للتأليف بين قلوبهم واستنزال رحمته ومودته بينهم، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً)، وقال: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
ويعلمنا سبحانه وتعالى ما يقول المسلم في دعائه لإخوانه بظهر الغيب فيقول جل وعلا: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)
فداوم – أخي المسلم – على الدعاء الخالص، يفسح الله في قلبك ما تجد فيه محلاً لإخوانك.
ثانيا: وجوب إصلاح ذات البين والحذر من الحالقة والتمسك بالأخوة وحقوقها واجتناب خوارمها:
لا يجوز لمسلم أن يقاطع أخاه المسلم لرأي رآه، أو اجتهاد اجتهد فيه ما دام يعلم أنه تحرى الحق، واتبع ما يظن أنه الصواب، ولو أن كل مختلفين تهاجرا لم يبق مسلم مع مسلم. في الصحيحين عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ].
وفي الصحيحين -واللفظ للبخاري- عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ]. ولفظ مسلم: [لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ - أَوْ قَالَ لِجَارِهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ]. وفي رواية النسائي: [حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ].
قال السخاوي: وهي زيادة صحيحة لأنها خارجة من مخرج «الصحيحين» بل هي على شرطهما، وأخرجها ابن مندة في كتاب الإيمان له، وصححها الألباني
قال الإمام ابن حجر العسقلاني (فتح الباري: 1/85): فائدة: قال الكرماني: ومن الإيمان أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاءا.أهـ
قال الإمام ابن الصلاح (شرح النووي على مسلم: 2/17): وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك، إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا ينقص عليه شيء من النعمة، وذلك سهل قريب على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله تعالى وإخواننا أجمعين.أهـ
وقال الإمام الصنعاني (سبل السلام: 4/165): هذا على رواية الأخ ورواية الجار عامة للمسلم والكافر والفاسق والصديق والعدو والقريب والأجنبي والأقرب جوارا والأبعد فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة لمحبة الخير له فهو في أعلى المراتب ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به وهلم جرا إلى الخصلة الواحدة فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله وقد أخرج الطبراني من حديث جابر الجيران ثلاثة جار له حق وهو المشرك له حق الجوار وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام وجار له ثلاثة حقوق جار مسلم له رحم له حق الإسلام والرحم والجوار وأخرج البخاري في الأدب المفرد أن عبد الله بن عمر ذبح شاة فأهدى منها لجاره اليهودي، فإن كان الجار أخا أحب له ما يحب لنفسه وإن كان كافرا أحب له الدخول في الإيمان مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الإيمان.أهـ
وقد جمعت بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بين القلوب، قال تعالى: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:63)،
يقول ابن تيمية (المجموع: 24/170–171): إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان قد بُعث إلى ذوي أهواء متفرقة وقلوب متشتتة وآراء متباينة فجمع به الشمل وألف به بين القلوب وعصم به من كيد الشيطان. ثم إنه سبحانه وتعالى بيّن أن هذا الأصل – وهو الجماعة – عماد لدينه ... وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق. أهـ
فصل: من أجمع الكلمات وأجملها وأجودها:
جماع الدين: تأليف القلوب واجتماع الكلمة وإصلاح ذات البين والتعاون على البر والتقوى، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأنفال: من الآية1)، في المسند وأبي داود والترمذي عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ] قَالُوا: بَلَى. قَالَ: [إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ]الصحيحة (391)، قَوْله [وَفسادُ ذَاتِ الْبَيْنِ]: يعني الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَقَوْله: [الْحَالِقَةُ] لأنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ، في البيهقي والبزار عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: [هِيَ الْحَالِقَةُ لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ] صحيح الترغيب والترهيب (2888).
قال شيخ الإسلام (المجموع: 28/51-56 باختصار): وتعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين: تأليف القلوب، واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين، فإن الله تعالى يقول:(فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ). وقال: وأمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى عن الفرقة والاختلاف، وأهل هذا الأصل: هم أهل الجماعة، كما أن الخارجين عنه هم أهل الفرقة، وجماع السنة: طاعة الرسول. وقال: وتعلمون رضي الله عنكم إني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين – فضلاً عن أصحابنا – بشيء أصلاً: لا باطناً ولا ظاهراً. ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً. بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان، كل بحسبه، ولا يخلو الرجل: إما أن يكون مجتهداً مصيباً، أو مخطئاً، أو مذنباً، فالأول: مأجور مشكور، والثاني: مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين.... وقال: وتعلمون أنا جميعاً متعاونون على البر والتقوى، واجب علينا نصر بعضنا البعض أعظم مما كان وأشد.... إلى أن قال: وأهل القصد الصالح يشكرون على قصدهم، وأهل العمل الصالح يشكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم. أهـ
في المسند والسنن عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: [مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ]. قَالَ زَائِدَةُ قَالَ السَّائِبُ يَعْنِى بِالْجَمَاعَةِ الصَّلاَةَ فِي الْجَمَاعَةِ. صحيح الجامع (5701)
قال ابن تيمية (المجموع: 3/286): وقال -أي النبي صلى الله عليه وسلم-: [إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ]-المسند-، فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاً أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
وقال عن الصلاة بين الأذانين يوم الجمعة (24/194-195): الصلاة بينه (الأذان الأول) وبين الأذان الثاني جائزة حسنة، وليست سنة راتبة، كالصلاة قبل صلاة المغرب، وحينئذ فمن فعل ذلك لم ينكر عليه، ومن ترك ذلك لم ينكر عليه، وهذا أعدل الأقوال، وكلام الإمام أحمد يدل عليه، وحينئذ فقد يكون تركها أفضل إذا كان الجهال يظنون أن هذه سنة راتبة، أو أنها واجبة، فتترك حتى يعرف الناس أنها ليست سنة راتبة ولا واجبة. لا سيما إذا داوم الناس عليها فينبغي تركها أحيانا حتى لا تشبه الفرض، كما استحب أكثر العلماء أن لا يداوم على قراءة السجدة يوم الجمعة، مع أنه قد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها، فإذا كان يكره المداومة على ذلك فترك المداومة على ما لم يسنه النبي صلى الله عليه وسلم أولى، وإن صلاها الرجل بين الأذانين أحيانا ؛ لأنها تطوع مطلق، أو صلاة بين الأذانين، كما يصلي قبل العصر والعشاء، لا لأنها سنة راتبة فهذا جائز. وإن كان الرجل مع قوم يصلونها، فإن كان مطاعا إذا تركها -وبين لهم السنة- لم ينكروا عليه، بل عرفوا السنة فتركها حسن، وإن لم يكن مطاعا ورأى أن في صلاتها تأليفا لقلوبهم إلى ما هو أنفع، أو دفعا للخصام والشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم، وقبولهم له، ونحو ذلك، فهذا أيضا حسن.أهـ
ثم بين أنه لو سُمح للمسلمين أن يتهاجروا مع كل خلاف فإنه لن يبقى بينهم أخوة فقال (المجموع: 24/173-174): وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط، ولو كان كل ما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا، لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة، ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بني قريظة: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فأدركتهم العصر في الطريق، فقال قوم: لا نصلي إلا في بني قريظة، وفاتتهم العصر. وقال قوم: لم يُرد منا تأخير الصلاة، فصلوا في الطريق، فلم يعب واحداً من الطائفتين)وأخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وهذا وإن كان في الأحكام فما لم يكن من الأصول المهمة فهو ملحق بالأحكام. أهـ
ثالثا: الحب والبغض والحمد والذم والولاء والبراء لله.
إن مما يذيب زهم الخلاف ويسل سخائم الصدور ويرفع الدرجات ويقيل العثرات هو سلامة الصدور لجميع المسلمين وارتقاء معارج الأخلاق النبيلة والتأدب بآداب الخلاف والتعامل بين المختلفين بما يحب كل واحد أن يعامله إخوانه به، فيحب لهم ما يحب لنفسه الخير ويبغض لهم ما يبغض لنفسه من الشر ويكون الحب لله والبغض لله والولاء لله والبراء لله، كي لا يعيش الإنسان بولاءات متناقضة وربما متناحرة، وليكون كل عضو في جسد الأمة المكرمة حياً وفياً لكل أعضاء جسدها، ولو كان على تنغيص وألم في بعض الأحيان، وتعب ونصب وربما مشقة وعسر في أحيان أخرى ، لكن في كل ذلك؛ أجر عظيم وثواب جزيل.
ومادام الأمر كذلك فإنه ليس شيء يحمل على تواصل الحب والتئام القلوب مثل الوفاء ومنه أداء الحقوق كالسلام والنصح وكف الأذى بكل صوره وأشكاله قولا وفعلا.
ومع قِلَّة الأوفياء وقُلٍّ في الوفاء، إلا أن الحديث عن الوفاء والحب في الله ومآل هذا من الجنة والنعيم ومرضاة رب العالمين، يثير في النفس شجوناً وينشئ في القلب نشوة وفي الجسد راحة، ربما لا يكون لها مثيل إلا بلوغُ تأويلها والانغماسُ في حقيقتها.
في الطبراني عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [أَوثق عرى الإيمان الموالاةُ في الله والمعاداةُ في الله والمحبةُ في الله والبغضُ في الله عز وجل] صحيح الجامع (2539)، وفي المسند عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َقَالَ: [إِنَّ أَوْسَطَ عُرَى الإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ] علقه البخاري وهو في صحيح الجامع (2009) وكلها يجب أن تكون وفق ضوابط الشرع لا بالأهواء.
قال ابن تيمية (المجموع: 28/228-229): فأما الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة، فإنما تكون بالأشياء التي أنزل الله بها سلطانه، وسلطانه كتابه، فمن كان مؤمناً وجبت موالاته من أي صنف كان، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان، قال الله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، ومن كان فيه إيمان وفيه فجور، أعطي من الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي، كما يقول الخوارج والمعتزلة، ولا يُجعل الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفسّاق في الإيمان والدين والبغض والموالاة والمعاداة، قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) فجعلهم أخوة مع وجود الاقتتال والبغي. أهـ
ويبين ابن القيم المسلك الصحيح في البحث عن الحق عند الاختلاف، وأنه لا يوجب معاداة ولا افتراقا، بل تبقى الألفة والمحبة فيقول (الصواعق المرسلة: 516-518): فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان ومع من كان ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه، فهو ممن هدي لما اختلف فيه من الحق، فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلا وأقومهم قيلا، وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى، يقر بعضهم بعضا عليه ويواليه ويناصره، وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم بالتناظر والتشاور وإعمالهم الرأي وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب، فيأتي كل منهم بما قدحه زناد فكره وأدركته قوة بصيرته، فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة وعرضت على الحاكم الذي لا يجور وهو كتاب الله وسنة رسوله وتجرد الناظر عن التعصب والحمية واستفرغ وسعه وقصد طاعة الله ورسوله فقل أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه، فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب وما هو أقرب إليه والخطأ وما هو أقرب إليه، ومراتب القرب والبعد متفاوتة، وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقا في الكلمة ولا تبديدا للشمل، فإن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الفروع، فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة ولا قطع بينه وبينه عصمة بل كانوا كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقصى ما يقدر عليه ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة والمصافاة والموالاة من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغنا ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه، فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق.أهـ
فالواجب على المسلم أن يشمل بخلقه الكريم جميع الجماعات والأشخاص الملتزمين بأصول أهل السنة والجماعة فيفعل الواجبات المبنية على أخوة الدين ويجتنب المنهيات المتعارضة مع أخوة الدين لهم جميعا دون حزبية أو فئوية أو عصبية.
وهذه سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم التي أمر أتباعه باتباعها وقصد السبيل فيها في أحاديث كثيرة منها: في الصحيحين واللفظ للبخاري، عن النُّعْمَان بْن بَشِيرٍ أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى]، وفيهما عن عَبْد اللَّهِ بْن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] وفيهما عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:[لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ] وفي مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ] قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: [إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ].وفي الترمذي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ] صحيح الجامع (6706)
رابعا: الحذر من رمي المخالف في الأمور الاجتهادية بالبدعة والفسق:
لا يجوز اتهام المخالف ولا التشنيع عليه، ولا ذكره من أجل مخالفته، ولا رميه بالبدعة والفسق، ومن صنع شيئاً من ذلك فهو مبتدع مخالف لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم.
قال شيخ الإسلام (المجموع: 19/122): وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء، والسياسة، وغير ذلك.... وهم الأئمة الذين ثَبَتَ بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل ولا ضلالة، ودل الكتاب والسنة على وجوب متابعتهم.أهـ
وقال (الآداب الشرعية: 1/186): وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف، وقد تيقنا صحة أحد القولين.أهـ
فالواجب الاعتذار لأهل الفضل عما وقعوا فيه من خطأ، في المسند وأبي داود والأدب المفرد للبخاري عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: [أَقِيلُوا ذَوِى الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلاَّ الْحُدُودَ]، صحيح الجامع (1185).
خامسا: إعذار المخالف وترك أمره لله سبحانه وتعالى:
من الأدب الشرعي الواجب، الاعتذار لأهل الفضل عما وقعوا فيه من خطأ عن اجتهاد، وإعذار من يخالفك الرأي من المسلمين في الأمور الاجتهادية، وأن تكل أمره إلى الله سبحانه، وتنزهه من فساد النية وإرادة غير الحق ما دام ظاهره هو الدين والعدل، فالتماس العذر لمن أخطأ في الدين ضرورة، إذ ليس كل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمه كل الناس ويفهمونه.
يقول ابن تيمية (درء تعارض العقل والنقل 1/189): وأما أهل العلم والإيمان فإنهم يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه، وإليه يرد ما تنازع الناس فيه، فما وافقه كان حقاً، وما خالفه كان باطلاً، ومن كان قصده متابعته من المؤمنين، وأخطأ بعد اجتهاده الذي استفرغ به وسعه، غفر الله له خطأه، سواء كان خطؤه في المسائل العلمية الخبرية أو المسائل العملية، فإنه ليس كل ما كان معلوماً متيقناً لبعض الناس، يجب أن يكون معلوماً متيقناً لغيره، وليس كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه كل الناس ويفهمونه، بل كثير منهم لم يسمع كثيراً منه، وكثير منهم قد يشتبه عليه ما أراده، وإن كان كلامه في نفسه محكماً مقروناً بما يبين مراده.أهـ
فصل: ولأئمة الدين والدعاة وقادة الجهاد والعمل الإسلامي حق زائد:
إن جهابذة علماء الأمة هم الذين حفظوا لها دينها فاستقامت على الشريعة الغراء دهرها، وكان بهم فضل الله عظيما عليها؛ إذ صنعوا بيئة لطلاب العلم وطيئة، وزرعوا بساتين غناء ذوات أفنان ثمارها يانعة لكل الناس مريئة، أجواؤها صافية مفعمة بالروح والريحان وظلال ظليلة هنيئة، بذلوا كل ذلك بلا منّ ولا أذى، ليسير العبد إلى ربه على طريق مستقيم وخير وهدى لتنشر الحق لكل الشعوب، وترفع المظالم التي اجتثت العدل.
وأئمة الجهاد والعمل الإسلامي هم منارات الطريق إلى الدرجات العلى في الدنيا والآخرة وصناع الحياة الكريمة وحماة الديار الذين يذبون عن دين الأمة وعرضها وأرضها،
ومهما تأخرت الأزمان وتباعدت الأوطان، فسيبقى العلماء وقادة الخير منارات الرشاد وعيبات الأمانة، تقصدها القرون وتؤمها الأجيال وتزهر بها القناديل وتوقد بزيتها المصابيح فتزداد تألقا وتوهجا، وليس يخفى وما ينبغي، أن الثروة الثرة العطاء الوارفة الظلال، إنما هي لهداية الخلق ونصحهم، والرحمة بهم، لكن طائفة ممن ينتسب للعلم وأهله جعلوا من أقلامهم سهاما مسمومة ومن ألسنتهم سيوفا قاطعة ومن أبصارهم شررا ملتهبة، تلاحق العلم وأهله والجهاد والقائمين عليه وتتسلط على المسلمين دون الكفار المعتدين.
إن دين الإسلام إنما يتم بأمرين؛ أحدهما؛ معرفة فضل الأئمة وحقوقهم ومقاديرهم، وترك كل ما يجّر إلى ثلمهم، والثاني: النصيحة لله سبحانه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وإبانة ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى.
ولما تقدم فإنه يحرم تحريما مغلظا رمي أحد من المشهود لهم بالخير من سلف الأمة بالبدعة والفسق والتشنيع عليهم، حتى لو علم أنه خالف في بعض الأمور القطعية اجتهاداً منه، وكذلك فالنهي مغلظ في مسألة الإساءة لعلماء الأمة وقادة العمل الإسلامي وأمراء الجهاد وحملة رايته.
فالرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَم صدق وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا؛ قد يكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور بل مأجور ولا يجوز أن يتّبع فيها، مع بقاء منزلته في قلوب المؤمنين .
والواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة ألا يحكيها لمن يتقلّد بها، بل يسكت عن ذكرها إلى أن يتيقن صحتها وإلا توقف في قبولها فما أكثر ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له.
قال الشاطبي (الموافقات: 4/170-171): إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدا له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عدت زلة، وإلا فلو كانت معتدا بها لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتا فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين.أهـ
روى الخطيب (الكفاية في علم الرواية: 239) بسنده عن سعيد بن المسيب أنه قال: ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب، لا بد، ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه، من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.أهـ
وقال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام محمد بن نصر المروزي (سير أعلام النبلاء: 14/40): ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفوراً له قمنا عليه وبدعناه، وهجرناه، لما سلم معنا ابن نصر، ولا ابن مندة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، هو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة.أهـ
وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة لعذر يعذرون به، وفيهم يقول ابن تيمية (المجموع: 19/191-192): وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة، ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها، وإما لرأي رَأوْه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم، وإذا اتقى الرجل ربه ما استطاع دخل في قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وفي الصحيح أن الله قال: [قد فعلت].أهـ
ويقول (الصفدية: 1/265): لكن شيوخ أهل العلم الذين لهم لسان صدق، وإن وقع في كلام بعضهم ما هو خطأ منكر، فأصل الإيمان بالله ورسوله إذا كان ثابتاً، غفر لأحدهم خطأه الذي أخطأه بعد اجتهاد.أهـ
فصل: ولو كان صدّيقا:
فليس من شرط الصديق أن يكون عمله كله صحيحا ولا قوله كله سنة، بل قد يخطئ، وعلينا التماس العذر له مع بيان الحق الذي ندين به، وإيضاح الصواب الذي نعتقده،
قال ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم: 2/599): وإن كان كثير من العباد والعلماء بل والأمراء قد يكون معذورا فيما أحدث لنوع اجتهاد فالغرض أن يعرف الدليل الصحيح وإن كان التارك له قد يكون معذورا لاجتهاده بل قد يكون صدِّيقاً عظيماً، فليس من شرط الصدِّيق أن يكون قوله كله صحيحاً، وعمله كله سنة.أهـ
وللشيخ ناصر العمر رسالة ماتعة بعنوان (لحوم العلماء مسمومة) ولأهمية الموضوع فقد عقد في كتابه (سورة الحجرات دراسة تحليلية) فصلا خاصا بعنوان الأدب مع العلماء، يحسن الرجوع إليه، ومما قال فيه (217-218): إننا لا ندعو إلى تقديس الأشخاص أو التغاضي عن الأخطاء، أو السكوت عن الحق، بل ندعو إلى المنهج الصحيح في بيان الحق، بدون انتهاك لأعراض العلماء فلا إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء. ثم قال: إن من أساء الأدب مع العلماء فسيلقى جزاءه عاجلا أو آجلا، يقول الحافظ ابن رجب: "والواقع يشهد بذلك، فإن من سبر أخبار الناس وتواريخ العالم وقف على أخبار مَن مكر بأخيه فعاد مكره عليه، وكان ذلك سببا لنجاته وسلامته". أي: سببا لنجاة الممكور به وسلامته. أهـ
والله يمهل من بغى ******* لكنه لا يهمل
يقول الشيخ عوض القرني (فقه الخلاف: 25): والناس في حق الدعاة والعلماء، ما بين غال وجاف، فأناس مازالوا في أبجديات العلم، وإذا ذكر لهم الأئمة والعلماء وكبار الدعاة قالوا: هم رجال ونحن رجال، وكم من رويبضة نال من الأخيار الأبرار، وملأ الآفاق ضجيجاً وعويلاً، وكان حقه أن يؤخذ على يديه، ويحجر على لسانه، وأناس غلوا في العلماء وكبار الدعاة حتى فقدوا أمامهم شخصياتهم، وسلبوا إرادتهم، وأصبحوا يسلّمون بكل ما قالوا، بلا تفكير ولا روية، والحق وسط بين طرفين. أهـ
إن السعيد له من غيره عظة ******* وفي التجاريب تحكيم ومعتبر
يقول الحافظ ابن رجب (جامع العلوم والحكم: 1/330): وها هنا أمر خفي ينبغي التفطن له؛ وهو أن كثيراً من أئمة الدين قد يقول قولاً مرجوحاً ويكون مجتهداً فيه مأجوراً على اجتهاده فيه موضوعاً عنه خطؤه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة، لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لكون متبوعه قد قاله، بحيث لو أنه قد قاله غيره من أئمة الدين لما قبله ولا انتصر له ولا والى من وافقه ولا عادى من خالفه، وهو مع هذا يظن أنه إنما انتصر للحق بمنزلة متبوعه، وليس كذلك فإن متبوعه إنما كان قصده الانتصار للحق وإن أخطأ في اجتهاده. وأما هذا التابع فقد شاب انتصاره لما يظن أنه الحق إرادة علو متبوعه وظهور كلمته وأن لا ينسب إلى الخطأ، وهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق، فافهم هذا فإنه فهم عظيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.أهـ
قال الشيخ محمد صالح المنجد: الناس في العلماء ثلاثة أقسام :
القسم الأول: فريق يستخفُ بالعلماء ولا يعرف لهم قدرهم، ولا ينتفعُ بأقوالهم، ولا يستنيرُ بأفهامهم وبيانهم، بل هو مغرورٌ بنفسه كما حصل ويحصل من بعض المنتسبين لطلب العلم، والمنتسبين للأخذ بالدليل، وهذا تفريط.
القسم الثاني: فريق يغلو في العلماء، فكل جماعة تتخذ لها إماماً لا تعرف إلاَّ أقواله، ولا تعتد بأقوال سواه، ولا تنظرُ في كتابٍ ولا سنة، وهذا إفراطٌ في تعظيم العلماء وتفريط فيما يجب من الاعتصام بالكتاب والسنة.
القسم الثالث: فريق توسطوا فجعلوا الحَكَم هو الكتاب والسنة، وجعلوا التحاكم إليهما، وآمنوا بأن كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما أرشد إلى ذلك الأئمة أنفسهم ، فابن عباس رضي الله عنهما ينكر على الذين يتعصبون لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ويقول: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر" فكيف بمن عارض كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بقول من دون أبي بكر وعمر بكثير كثير.أهـ
فصل: من صور الاعتذار لأئمة الدين وصالحي الأمة:
قال ابن تيمية (المجموع: 11/391-392) والخلق ما أوتوا من العلم إلا قليلا، وما نقل عن الجنيد أنه قال: انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة، فهذا ما أعرفه من كلام الجنيد، وفيه نظر، هل قاله؟ ولعل الأشبه أنه ليس من كلامه المعهود، فإن كان قد قال هذا فأراد عدم العلم بما لم يصل إليه، لم يرد بذلك أن الأنبياء والأولياء لم يحصل لهم يقين ومعرفة وهدى وعلم، فإن الجنيد أجل من أن يريد هذا، وهذا الكلام مردود على من قاله. إلى أن قال: فإن الاستقامة والمتابعة غالبة عليه –الجنيد- وإن كان كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ثم معصوم من الخطأ غير الرسول ؛ لكن الشيوخ الذين عرف صحة طريقتهم علم أنهم لا يقصدون ما يعلم فساده بالضرورة من العقل والدين.
وقال (14/365-366 ): ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد الله : أنه لما دخل الزنج البصرة. قيل له في ذلك. فقال: هاه إن ببلدكم هذا من لو سألوا الله أن يزيل الجبال عن أماكنها لأزالها. ولو سألوه: أن لا يقيم القيامة لما أقامها. لكنهم يعلمون مواضع رضاه فلا يسألونه إلا ما يحب . وهذه الحكاية : إما كذب على سهل -وهو الذي نختار أن يكون حقا- أو تكون غلطا منه. فلا حول ولا قوة إلا بالله. وذلك: أن ما أخبر الله أن يكون فلا بد أن يكون، ولو سأله أهل السموات والأرض أن لا يكون: لم يجبهم مثل إقامة القيامة وأن لا يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين وغير ذلك. بل كل ما علم الله أنه يكون فلا يقبل الله دعاء أحد في أن لا يكون، لكن الدعاء سبب يقضي الله به ما علم الله: أنه سيكون بهذا السبب كما يقضي بسائر الأسباب ما علم: أنه سيكون بها. وقد سأل الله تعالى -من هو أفضل من كل من في البصرة بكثير- ما هو دون هذا فلم يجابوا. لما سبق الحكم بخلاف ذلك كما سأله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يغفر لأبيه، وكما سأله نوح عليه السلام سأله نجاة ابنه، فقيل له: (يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ).أهـ
الباب العاشر:
تمام العلم استعماله
وتمام العمل استقلاله
فصل: وجوب تطبيق الأصول الشرعية على الأقوال والأعمال كافة:
لم أكتب ما كتبت وأجمع ما جمعت لأن أحدا لا يعلمه، بل هو تذكير لمن علمه، وتفهيم لمن جهله، لكن المشكل لا يحل عند إدراك العلم في المسألة وإنما بالعمل به، وإلا فالعلم حجة على العالم لا حجة له،
ومن مصائب هذا الزمان أن كثيرا من الناس ومنهم علماء وفضلاء لا يطبقون العلم الشرعي ولا ينزلون القواعد الشرعية والأصول الصحيحة على أعمالهم وأقوالهم اليومية، وكأن أصول الفقه ومصطلح الحديث وقواعد المقاصد وضعت للأولين فحسب، أو لقراءتها وتدريسها فقط، فالناس يقرؤون ويفهمون لكن لا يلحقون أفراد وآحاد أحوالهم وأفعالهم بما عرفوه من الأحكام الشرعية، ولذا نرى التخبط في نقل الأخبار والحكم على الأفراد والجماعات، وعدم وزن ما يسمعون بالموازين العلمية الصحيحة التي يعرفونها، وهذه خسارة كبيرة، فإن العلم لا يتعلمه المسلم لأنه قصة من قصص الأولين فحسب، ولا لأنه من جملة المحفوظات، ولكن يتعلم العلم وينشره للعمل به والاحتكام إليه، وإدخاله في كل أمورنا، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ)،
وما لم نجعل من العلم الشرعي والأصول الصحيحة حكما لأقوالنا وأفعالنا وتصرفاتنا في كل أمورنا فسنبقى في لجة التخليط ودائرة التخبط وعدم الاستقرار في الأحكام، وإن جهل ما يبتدئ به المتعلم أقبح من جهل ما ينتهي إليه العالم، قيل لبعض الحكماء: مَن أذل الناس؟ فقال: عالم يجري عليه حكم جاهل.
فصل: المقصد من تعلم العلم:
أيها المسلم:
تعلم العلم لتعمل به، ولا تتعلمه لتحدث به فيكون عليك بوره، ولغيرك نوره، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيها الناس، تعلموا كتاب الله تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله أن يقول: قد علمت فماذا عملت إذ علمت؟ وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: تعلموا فإذا علمتم فاعملوا، وقال مالك بن دينار: العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلب، كما يزل الماء عن الصفا، وقال مالك: كن عالما أو متعلما أو مستمعا، وإياك والرابعة فإنها مهلكة، ولا تكون عالما حتى تكون عاملا، ولا تكون مؤمنا حتى تكون تقيا، وقالوا: لولا العمل لم يطلب العلم، ولولا العلم لم يطلب العمل.
قال سهل بن مزاحم (اقتضاء العلم العمل: 2): الأمر أضيق على العالم من عقد التسعين، مع أن الجاهل لا يعذر بجهالته، لكن العالم أشد عذابا إذا ترك ما علم فلم يعمل به، وهل أدرك من السلف الماضين الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد والعمل الصالح والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا؟ وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى إلا بالتشمير في السعي والرضى بالميسور، وبذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟ وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب؟ وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما؟ وهل المغرم بحبها إلا ككانزهما؟ وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها، كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها، وراعى واجباتها فلينظر امرؤ لنفسه وليغتنم وقته، فإن الثواء قليل والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، والله تعالى بالمرصاد، وإليه المرجع والمعاد (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ)
قال أبو عبد الله الروذباري (اقتضاء العلم العمل: 32): العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص، الإخلاص لله يورث الفهم عن الله.أهـ
وخير من القول فاعله، وخير من الصواب قائله، وخير من العلم حامله، وفي منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل به، وقال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به، وثمرة العمل أن يؤجر عليه، خير العلم ما نفع، وخير القول ما ردع، والعلم أفضل من العمل لمن جهل، والعمل أفضل من العلم لمن علم،
العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه أقام وإلا ارتحل، وإن ثمرة العلوم العمل بالعلوم، ومن تمام العلم استعماله، ومن تمام العمل استقلاله، فمن استعمل علمه لم يخل من رشاد، ومن استقل عمله لم يقصر عن مراد.
قال سهل بن عبدالله التستري (اقتضاء العلم العمل: 24): الدنيا جهل وموات إلا العلم، والعلم كله حجة إلا العمل به، والعمل به كله هباء إلا الإخلاص والإخلاص على خطر عظيم حتى يختم به. وقال: العلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به.
قال حاتم الطائي:
ولم يحمدوا من عالم غير عامل******* ولم يحمدوا من عامل غير عالم
رأوا طرقات المجد عوجا قطيعة******* وأفظع عجز عندهم عجز حازم
لأنه لما كان علمه حجة على من أخذ عنه واقتبسه منه حتى يلزمه العمل به والمصير إليه كان عليه أحج وله ألزم؛ لأن مرتبة العلم قبل مرتبة القول ، كما أن مرتبة العلم قبل مرتبة العمل.
الخاتمة:
إخوتاه:
إن الأيام تمر مر السحاب تأكل من أجسادنا وتنقص من أعمارنا نذكر منها ما فات وما لم يفت ولا يبقى منها إلا قطرات يسيرة لا تروي غليلا ولا تشفي عليلا ونحن في غفلة، قد قال فيها الحسن رحمه الله الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، في البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِىٍّ قَالَ أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ: [اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلاَّ الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ]. سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم.
فواجب علينا جميعا أن نقف عند الأمر العتيق من غير مجاوزة الحد إلا ما كان تجديدا أو اجتهادا على وفق منهج الأولين لاستنباط حكم لأمر طارف وحال طارئ، فإن التالد من خير الأمة إلى اليوم خالد، معينه لا ينضب كأن عرقَه من النشاط يتصبب، وإذا طعن العدو في ذلك الجسد فإن دمَه يشخب ليقول للجميع أنا ما زلت حيا غضا مباركا طريا.
ثم أما بعد:
أيها الأخ الكريم:
هل بقي مبرر لنا أو لغيرنا للتفرق وعدم إعذار إخواننا، ورفض التعاون والتكامل والتنسيق معهم؟!!بعد ما تقدم بيانه في هذا البحث، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)
في المسند والترمذي عَنْ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاَءِ الْكَلِمَاتِ لأَصْحَابِهِ:[اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا].
اللهم اكفنا دواعي الهوى، واصرف عنا سبل الردى، وألزمنا التقوى ووفقنا للحق والهدى، اللهم ألف بين قلوبنا على محبتك واجمع صفوفنا على رضوانك ووحد كلمتنا على طاعتك، اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا وبالطيبات آجالنا وبلغنا مما يرضيك آمالنا،
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم داو جرحانا وعاف مرضانا وفك قيد أسرانا وتقبل قتلانا شهداء عندك وارفع درجاتهم في عليين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء والميتين،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمير الجيش الإسلامي في العراق
12 ربيع الآخر 1431 للهجرة
28 آذار 2010 للميلاد